
«لأنك ما حاولتيش تنتقمي مننا، رغم إنك كان عندك أسباب كتير تخليكي تعملي كده.»
رديت:
«أنا ما كنتش بدور على انتقام. كنت بدور على الحقيقة.»
هز راسه.
«عارف. وده اللي خلاني أحس بالخجل من نفسي أكتر.»
سكت لحظة، وبعدها فتح درج مكتبه وطلع ظرفًا صغيرًا.
«دي حاجة لقيتها بين أوراق قديمة. أعتقد إنها تخص والدتك.»
أخدت الظرف بحذر.
كان عليه اسمي بخط أمي.
فتحت الظرف، ولقيت جواه ورقة صغيرة، مكتوب فيها بخطها:
«مريم حبيبتي، مهما حصل في الدنيا، افتكري إنك بنتي، وإن قلبك الطيب مش عيب. ما تسمحيش لحد يخليكي تندمي إنك عملتي الصح. ولو يوم حسيتِ إنك لوحدك، افتكري إن دعائي ليكي هيفضل معاكي طول عمري.»
ما قدرتش أكمل القراءة.
حضنت الورقة لصدري، ودموعي نزلت من غير ما أحاول أمنعها.
محمود وقف بعيد، وما قالش أي كلمة.
لما قدرت أتكلم، قلت:
«الورقة دي كانت فين؟»
قال:
«كانت وسط المستندات القديمة اللي رجعت من الأرشيف. ما أعرفش إزاي وصلت هناك.»
بصيت للخطاب، وبعدها قلت:
«يمكن أمي كانت كاتباها ليا من زمان.»
محمود هز راسه.
«يمكن.»
خرجت من البيت وأنا ماسكة الورقة، وحاسة إن أمي، رغم غيابها، لسه بتفكرني باللي كانت دايمًا بتقوله.
الأمانة مش ضعف.
والطيبة مش سذاجة.
والقوة مش إنك تكسري كل اللي قدامك.
القوة إنك تفضلي إنسانة، حتى بعد ما الناس تحاول تسلب منك كل حاجة.
بعد مرور سنة على أول يوم دخلت فيه المستشفى، كنت واقفة في نفس الممر اللي حصلت فيه خناقتي مع أدهم.
الدكتورة سارة كانت بتراجع ملف مريض، وأنا بجهز الأدوات، لما سمعت صوت شاب بيزعق عند الاستقبال.
كان بيطالب يدخل على والدته، ورافض يسمع كلام الموظفين.
اتحركت ناحيته بهدوء، وقلت:
«حضرتك محتاج تهدى عشان نقدر نساعدك.»
لف ناحيتي بعصبية.
«إنتوا مش فاهمين أنا مين!»
بصيت له وقلت:
«مش مهم إحنا نعرف إنت مين. المهم إن والدتك محتاجة مساعدة، وإحنا هنا عشانها.»
سكت لحظة.
يمكن لأنه ما توقعش إن حد يرد عليه بهدوء.
كملت:
«لو فضلت تعلي صوتك، مش هتساعدها. تعالى معايا، وهنعرف حالتها إيه.»
هدى تدريجيًا، ومشي معايا ناحية الطبيب.
وأنا ماشية، افتكرت أدهم.
افتكرت الشاب اللي كان فاكر إن اسمه وفلوس أبوه يدوّله الحق يخوف الناس.
وابتسمت لنفسي.
مش كل الناس بتتغير، لكن فيه ناس ممكن تتغير لما تواجه نتيجة تصرفاتها، وتقرر إنها ما تكررش نفس الغلط.
في نهاية الشيفت، خرجت من المستشفى، ولقيت أدهم مستنيني عند البوابة.
كان جاي يزور أبوه، اللي بقى بيتابع علاجه بانتظام، ويشارك في مراجعة شؤون الشركة من غير ما يحاول يتدخل في التحقيقات.
قال:
«عاملة إيه؟»
قلت:
«الحمد لله. إنت؟»
«كويس.»
مشينا شوية، وبعدها وقفنا عند كشك صغير نشتري قهوة.
أدهم بصلي وقال:
«تعرفي إن اليوم اللي اتخانقنا فيه، رجعت البيت وأنا مقتنع إني لازم أثبت لكل الناس إني أقوى واحد في المكان؟»
ضحكت.
«وأنا كنت مقتنعة إنك محتاج حد يفهمك إن المستشفى مش حلبة تدريب.»
ضحك هو كمان.
«أيوه. وكنتِ عندك حق.»
بصيت له، وقلت:
«أهم حاجة ما ترجعش للشخص ده تاني.»
رد:
«مش ناوي.»
فضلنا نتكلم شوية، وبعدها قال:
«مريم، أنا عايز أسألك سؤال، ومش لازم تردي دلوقتي.»
قلت:
«اسأل.»
قال:
«هل تقدري في يوم تشوفي أدهم الشناوي بعيد عن اسم أبوه وماضي عيلته؟»
سكت لحظة.
كان السؤال أعمق من مجرد كلام عابر.
قلت له:
«أنا بدأت أشوفك من خلال تصرفاتك، مش اسمك. لكن الثقة مش قرار بناخده في لحظة. دي حاجة بتتبني كل يوم.»
هز راسه.
«فاهم.»
قلت:
«وطالما إنت مستعد تفضل تثبت إنك اتغيرت، يبقى فيه فرصة إننا نعرف بعض بشكل طبيعي، من غير ما نخلط ده بالقضية أو بالماضي.»
ابتسم.
«ده أكتر من اللي كنت متوقعه.»
قلت له وأنا بابتسم:
«ما تفرحش أوي. لسه عندك امتحانات كتير.»
ضحك.
«هستعد لها.»
افترقنا عند أول الشارع، وأنا راجعة البيت، كان معايا إحساس مختلف عن اللي كنت عايشاه من سنين.
ما بقاش كل يوم مجرد محاولة للهروب من الماضي.
بقى فيه شغل بحبه، وناس بدأت أثق فيها، وحياة ممكن أبنيها من جديد.
في آخر ليلة من السنة، كنت قاعدة في بيتي، قدامي صورة أمي، والورقة اللي لقيتها في الأرشيف.
فتحت الدرج، وطلعت الشريط الطبي اللي كنت بلفه على معصمي في أول يوم شغل، عشان أخفي الوشم.
حطيته جنب الصورة.
فضلت باصة للوشم شوية.
التاج الأسود بطرفه المكسور.
زمان كنت فاكرة إنه علامة بتربطني بعالم لازم أهرب منه.
بعدها بقيت أخاف منه، لأنه كان السبب في رجوع ناس من الماضي لحياتي.
لكن دلوقتي، فهمت إن الرمز نفسه ما كانش السبب في أي حاجة.
الناس هي اللي اختارت تعمل الصح أو الغلط.
واللي ظلموني ما ظلمونيش عشان عندي وشم.
ظلموني لأنهم خافوا من الحقيقة، وافتكروا إنهم يقدروا يدفنوها للأبد.
قمت من مكاني، وفتحت الشباك.
الهوا كان بارد، والشارع هادي.
بصيت للسماء، وقلت بصوت واطي:
«وحشتيني يا أمي.»
دموعي نزلت، لكن المرة دي ما حاولتش أمنعها.
«أنا لسه فاكرة كلامك. ولسه بحاول أكون البنت اللي كنتِ فخورة بيها.»
قعدت قدام صورتها، وفضلت أحكيلها عن يومي، وعن شغلي، وعن الدكتورة سارة، وعن أدهم اللي اتعلم إن القوة مش في الضغط، وإن الإنسان ممكن يكون غني وناجح، لكنه يفضل محتاج يتعلم احترام الناس.
حكيت لها عن القضية، وعن المستندات اللي ظهرت، وعن الشهود اللي قرروا يتكلموا بعد سنين من السكوت.
وحكيت لها عن خوفي اللي بدأ يقل، وعن حياتي اللي بدأت ترجع لي حتة حتة.
وفي آخر الكلام، مسكت صورتها وابتسمت.
«أنا مش ههرب تاني يا أمي. مش هخلي اللي حصل يحدد أنا هعيش إزاي. هفضل أشتغل، وأساعد الناس، وأحاول أكون إنسانة كويسة، حتى لو الدنيا ما كانتش عادلة معايا.»
حطيت الصورة مكانها، وقفلت الدرج.
وفي اللحظة دي، وصلني إشعار على الموبايل من نهى.
كانت رسالة قصيرة:




