روايات وقصص

روحت ازور جوزي حكايات صافي هاني

روحت عشان أفاجئ جوزي في شغله، بس أول ما وصلت، واحد من زمايله بص لي وفي عيونه دمعة وقال لي: «هو لسه ما قالكيش الحقيقة.. صح؟»

فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أفهم هو بيقول إيه، ولا ليه كل اللي في المكان بصوا لي بالشكل ده.

بصيت لرامي وأنا بحاول أضحك ضحكة صغيرة تخبي التوتر اللي بدأ يسري في جسمي.

قلت له: «حقيقة إيه يا رامي؟ هو حاتم عمل إيه؟ إنتوا مخبيين عني حاجة؟»

رامي نزل عينه للأرض، ومسح وشه بإيده، وبعدين بص للممرضة اللي واقفة وراه كأنه مستني منها تقول له يتكلم ولا يسكت.

صرخت فيه من خوفي: «ما تسكتش! حاتم جراله حاجة؟ هو تعبان؟ حصله حادثة؟ رد عليا!»

هز راسه بسرعة وقال: «لا يا سلوى، حاتم بخير… يعني هو موجود هنا، بس الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.»

حسيت إن رجلي مش شيلاني.

قلت له: «طب ما تقول! أنا مراته بقالى ١١ سنة، مش واحدة غريبة جاية تسأل عليه!»

اتنهد رامي تنهيدة طويلة، وبص لي بعينين مليانين شفقة.

«تعالي معايا مكان هادي، أرجوكي. مش عايز أتكلم هنا.»

مسكت علبة الغداء اللي كنت جايباها لحاتم، وشديت عليها بإيدي كأني بتعلق بآخر حاجة طبيعية في اليوم ده.

مشيت وراه في ممر طويل، وكل خطوة كنت باخدها كانت بتخليني أحس إن في حاجة كبيرة مستنياني في آخر الطريق.

دخلنا أوضة صغيرة جنب غرفة الأطباء، ورامي قفل الباب بهدوء.

فضل واقف قدامي شوية من غير ما يتكلم، لحد ما أنا اللي فقدت أعصابي.

«رامي، أنا مش هستحمل الطريقة دي أكتر من كده. اتكلم!»

رفع عينه ليا وقال بصوت مبحوح:

«حاتم بقاله شهور مش بيشتغل في المستشفى بنفس الصورة اللي إنتِ متخيلاها.»

حطيت علبة الغداء على الترابيزة.

«يعني إيه؟»

«يعني حاتم مش بيقضي كل الوقت اللي بيقولهولك هنا.»

حسيت بقلبي بيخبط بعنف.

«أمال فين؟»

رامي سكت لحظة، وبعدين قال:

«في الدور التالت، أوضة سبعتاشر. بس قبل ما تطلعي، لازم تعرفي إن فيه حاجة هو كان بيحاول يحميكي منها.»

بصيت له بصدمة.

«يحميّني من إيه؟»

قرب مني خطوة وقال:

«أنا آسف يا سلوى. والله العظيم أنا آسف إني ساكت كل الفترة دي، بس حاتم طلب مننا كلنا ما نقولكيش حاجة لحد ما هو يكون مستعد.»

حسيت إن دموعي بدأت تتجمع في عيني.

«مستعد لإيه؟ هو اتجوز عليا؟ عنده عيلة تانية؟ في واحدة تانية في حياته؟»

رامي هز راسه بسرعة.

«لأ، الموضوع مش كده.»

«أمال إيه؟»

حط إيده على وشه، وبعدين قال الجملة اللي حسيت إنها وقعت على دماغي زي الصاعقة.

«حاتم عنده مشكلة صحية كبيرة، وهو رافض يقولك، ورافض حتى إنه يتعامل معاها بالطريقة اللي المفروض يتعامل بيها.»

فضلت باصة له، مش مستوعبة.

جوزي اللي كنت بجهز له أكله كل يوم، واللي كنت بسيبه ينام من غير ما أزعجه، واللي كنت بقول لبنتي فريدة إنه بطل حقيقي عشان بينقذ الناس… كان هو نفسه محتاج حد ينقذه؟

سألت رامي بصوت ضعيف:

«إيه المشكلة؟»

رد عليا وهو بيبص في عيني:

«مش هقدر أشرحلك كل حاجة. حاتم لازم هو اللي يقولك. بس أرجوكي، لما تشوفيه، ما تسيبيهوش يقنعك إن كل حاجة بخير زي ما بيعمل معانا كل يوم.»

خدت علبة الغداء تاني، وخرجت من الأوضة من غير ما أرد.

طلعت السلم بدل ما أستنى المصعد، وكنت حاسة إن كل درجة بتاخد مني جزء من قوتي.

الدور التالت كان هادي بشكل غريب.

ممر طويل، نور أبيض، وصوت أجهزة طبية جاي من بعيد.

وصلت قدام أوضة سبعتاشر.

الباب كان موارب.

وقبل ما أخبط، سمعت صوت حاتم.

«يا فريدة، يا حبيبتي، مش عايزك تقلقي على بابا. أنا كويس، والله العظيم كويس.»

اتجمدت مكاني.

فريدة كانت معاه؟

بنتي اللي كان بيعدي عليها أيام ما يشوفهاش غير وهي نايمة، واللي فضلت تسأله ليه مش بيحضر معاها عيد ميلادها، كانت موجودة معاه في المستشفى من غير ما أعرف؟

سمعت صوتها وهي بتعيط.

«طب إنت ليه مش بتيجي البيت؟ وليه كل ما أكلمك تقول لي إنك في الشغل؟ هو إنت مش بتحب تقعد معانا خلاص؟»

قلبي اتعصر.

وبعدين سمعت حاتم بيرد عليها بصوت متقطع:

«بحبكم أكتر من أي حاجة في الدنيا يا فريدة. عشان كده أنا…»

سكت فجأة.

سمعت صوت حاجة وقعت على الأرض، وبعدها صوت فريدة وهي بتصرخ:

«بابا! بابا، إنت سامعني؟»

دفعت الباب بكل قوتي.

لقيت بنتي واقفة جنب السرير، وشها غرقان في الدموع، وحاتم قاعد على طرفه، إيده على صدره، ووشه شاحب بشكل عمري ما شفته عليه قبل كده.

جريت عليه.

«حاتم! مالك؟ حاتم، بص لي!»

رفع عينه ليا، ولما شافني، ما اتكلمش.

بس عينيه اتملت دموع.

بنتي جريت عليا وحضنتني وهي بتشهق من العياط.

«ماما، بابا تعبان! هو مش عايز يقول لي ماله!»

حضنتها بإيد، ومديت إيدي التانية مسكت إيد حاتم.

كانت ساقعة.

بصيت له وقلت:

«إيه اللي بيحصل هنا؟ وليه بنتي معاك في المستشفى من غير ما أعرف؟ وإنت مالك؟»

حاتم حاول يبتسم.

«سلوى، إنتِ جيتي ليه؟»

الجملة دي كانت آخر حاجة قدرت أستحملها.

السابق1 من 8
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى