روايات وقصص

روحت ازور جوزي حكايات صافي هاني

سحبت إيدي من إيده وقلت:

«أنا جيت عشان جايبة لك الغدا اللي بتحبه. جايبة لك الأكل اللي بقالي ١١ سنة بحاول أعملهولك زي ما بتحبه. وجايبة لك فطيرة التفاح اللي فضلت أدور على تفاح كويس عشان أعملهالك من الصبح. كنت فاكرة إني هفرحك، لكن واضح إن فيه حياة كاملة إنت عايشها وأنا آخر واحدة تعرف عنها أي حاجة!»

حاتم نزل عينه.

بصيت حواليّا، لقيت على الكومود علبة دواء، وملف طبي مفتوح، وكوباية مية نصها فاضي.

مديت إيدي ناحية الملف.

حاتم اتحرك بسرعة، ومد إيده يمسكه.

«سلوى، لأ.»

بصيت له.

«ليه؟»

«عشان مش عايزك تعرفي بالطريقة دي.»

ضحكت ضحكة مليانة وجع.

«أمال أعرف إزاي يا حاتم؟ لما تقع قدامي؟ لما بنتك تفضل تعيط جنب سريرك وأنا معرفش إنت مالك؟ لما ييجي يوم ألاقي فيه نفسي واقفة لوحدي مش فاهمة إيه اللي حصل لجوزي؟»

دموعه نزلت.

ولأول مرة من سنين، شفت حاتم مش قادر يخبّي ضعفه.

الراجل اللي كنت بشوفه قوي قدام كل الناس، واللي كان بيقف بالساعات في غرف العمليات، واللي كان يرجع البيت مرهق ويقولي إن تعب اليوم كله يهون لما يشوفني أنا وفريدة… كان قاعد قدامي مش قادر يبص في عيني.

قال بصوت واطي:

«أنا كنت خايف.»

قربت منه.

«خايف من إيه؟ مني؟»

هز راسه.

«خايف أخسركم.»

الجملة خلتني أسكت.

قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، وبنتي فضلت واقفة بينا، ماسكة إيد أبوها كأنها خايفة لو سابتها لحظة يختفي منها.

قلت له بهدوء:

«احكي لي يا حاتم. من أول يوم. من غير ما تخبي حاجة.»

فضل ساكت وقت طويل، وبعدين أخد نفس عميق وقال:

«من حوالي سبع شهور، كنت بعمل عملية طويلة. في نص العملية حسيت بدوخة شديدة، وعرق غريب نزل مني، وإيدي بدأت ترتعش. طلبت من زميلي يكمل مكاني، وخرجت من غرفة العمليات.»

قلبي بدأ يدق أسرع.

«وبعدين؟»

«رامي أخدني لدكتور زميلنا. عملت شوية فحوصات، والدكتور طلب مني أرتاح وأكمل فحوصات تانية.»

«وإنت عملت إيه؟»

بص لي ودموعه بتنزل.

«رجعت الشغل تاني يوم.»

حطيت إيدي على فمي.

«إنت عملت إيه؟!»

«كنت فاكر إنها إرهاق. كنت بشتغل ساعات طويلة، وبنام قليل، وباكل على السريع. قلت لنفسي إني محتاج أنظم وقتي وخلاص.»

«وليه ما قلتليش؟»

«عشان كنت عارف إنك هتقلقي، وهتفضلي جنبي، وهتسيبي كل حاجة عشان تطمني عليا. وأنا ما كنتش عايز حياتك تقف بسببي.»

بصيت له بعدم تصديق.

«حياتي تقف بسببك؟ يا حاتم، إنت حياتي!»

غمض عينه بقوة، وكأنه بيتلقى ضربة موجعة.

كمل كلامه:

«بعدها بشهر، الدوخة رجعت، والمرة دي وقعت في غرفة الأطباء. عملت فحوصات أكتر، والدكاترة قالوا لي إني محتاج متابعة وعلاج، وإن لازم أقلل ساعات الشغل وألتزم بالراحة لحد ما الصورة تبقى واضحة.»

سألته وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي:

«والصورة وضحت؟»

سكت.

بصيت له وأنا مستنية.

«حاتم، رد عليا.»

قال بصعوبة:

«فيه مشكلة في قلبي، ولسه فيه فحوصات وتقييمات لازم تكتمل عشان الدكتور يحدد أنسب علاج ليا. وفيه نوبات تعب لازم ناخدها بجدية. أنا كنت بحاول أتعامل مع الموضوع لوحدي.»

حسيت إن الأوضة كلها بتلف بيا.

أنا مش دكتورة، ومش فاهمة كل التفاصيل الطبية، لكن كنت فاهمة حاجة واحدة: جوزي كان بيتوجع، وأنا كنت فاكرة إنه بعيد عننا عشان شغله.

سألته:

«يعني إنت كنت بتيجي المستشفى عشان تتعالج، مش عشان تشتغل؟»

هز راسه.

«في أيام كنت بشتغل فيها فعلًا، وفي أيام كنت بكون هنا عشان المواعيد والفحوصات. ولما كنت بتعب، كنت بقعد شوية وبعدين أرجع البيت وأقولك إني كنت في العمليات.»

مسحت دموعي بعصبية.

«وكنت بتقول لي عندنا عجز في الدكاترة! كنت بتخليني ألوم نفسي عشان بطلب منك تيجي البيت!»

«أنا آسف.»

«وكنت بتقول لفريدة إنك هتحضر عيد ميلادها وبعدين ما تجيش!»

«أنا آسف يا سلوى.»

«وعدى عيد جوازنا وإنت ما كنتش جنبي!»

غطى وشه بإيديه.

«عارف.»

«لا، إنت مش عارف! إنت عارف إنك كنت تعبان، لكن ما تعرفش أنا كنت حاسة بإيه. أنا كنت بنام كل ليلة وأنا بقول يمكن بكرة يرجع بدري. يمكن بكرة نقعد نتعشى سوا. يمكن بكرة فريدة تلاقي أبوها واقف مستنيها من المدرسة زي زمان.»

بنتي بدأت تعيط من جديد.

قربتها مني، ومسحت على شعرها.

«خلاص يا حبيبتي، بابا قدامنا، وإحنا هنفهم كل حاجة.»

لكن وأنا بقول الجملة دي، كنت أنا نفسي محتاجة حد يطمني.

حاتم مد إيده ناحيتي.

«سلوى، أنا ما كنتش عايز أوجعك.»

بصيت له.

«بس وجعتني يا حاتم. وجعتني أكتر من أي حاجة كنت ممكن تقولها لي.»

في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل رامي ومعاه دكتورة كبيرة في السن نسبيًا، كانت ماسكة ملف حاتم.

بصت لي وقالت بهدوء:

«حضرتك زوجته؟»

هزيت راسي.

«أيوه.»

«أنا الدكتورة نهى، المسؤولة عن متابعة حالته. كان المفروض نكون اتكلمنا مع حضرتك من بدري، لكن القرار كان راجع له، وإحنا احترمنا خصوصيته لحد ما هو يوافق.»

بصيت لحاتم.

«أنا مش عايزة ألوم حد دلوقتي. أنا عايزة أعرف هو محتاج إيه، وإيه اللي المفروض نعمله.»

الدكتورة قعدت قدامي وبدأت تشرح لي الحالة بهدوء، من غير تهويل ولا وعود كاذبة. قالت إن حاتم محتاج يلتزم بخطة العلاج، ويقلل ضغط الشغل، ويكمل الفحوصات، وإن أي نوبة تعب شديدة لازم يتم التعامل معاها فورًا.

وبعدين قالت جملة فضلت ترن في ودني:

«المشكلة مش بس في التشخيص يا مدام سلوى. المشكلة كمان في إنه مصر يتصرف كأنه لازم يفضل قوي طول الوقت، وكأن طلب المساعدة ضعف.»

بصيت لجوزي.

هو نزل عينه للأرض.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى