
الدكتورة كملت:
«إحنا محتاجين منه تعاون حقيقي، ومحتاجين الأسرة تكون عارفة اللي بيحصل. مش عشان تخاف، لكن عشان تقدر تساعد.»
فريدة قربت من أبوها وقالت بصوت صغير:
«يعني بابا هيرجع البيت؟»
الدكتورة ابتسمت ابتسامة هادية.
«إن شاء الله، وده هدفنا. بس لازم بابا يسمع الكلام، وما يضغطش على نفسه.»
بنتي مسكت إيد حاتم بإيديها الاتنين.
«خلاص يا بابا، ما تشتغلش كتير. أنا مش عايزة هدايا ولا فلوس ولا أي حاجة. أنا عايزاك تيجي عيد ميلادي الجاي وتقعد معايا لحد ما أطفي الشمع.»
حاتم انفجر في العياط.
ضم فريدة لصدره، وفضل يكرر:
«حقك عليا يا بنتي. حقك عليا.»
وأنا واقفة جنبهم، كنت حاسة إن قلبي بيتقطع بين خوفي عليه ووجعي منه.
لما الدكتورة خرجت، رامي قرب مني وقال:
«أنا عارف إنك زعلانة مننا، ومن حقك. بس حاتم كان رافض يقول لأي حد من عيلته. حتى أمه ما كانش عايز تعرف.»
بصيت له.
«وإنتوا وافقتوا؟»
رامي سكت.
قلت له:
«أنا مش بلومك إنك حافظت على سره في الأول، لكن كان لازم حد يفهمه إن فيه فرق بين الخصوصية وبين إنه يسيب مراته وبنته عايشين في خوف من غير ما يعرفوا السبب.»
هز راسه وقال:
«عندك حق.»
قبل ما يمشي، بص لحاتم وقال:
«أنا هكلم الإدارة عشان نرتب موضوع شغلك. مش هينفع تفضل شايل كل ده لوحدك.»
حاتم حاول يعترض.
«رامي، أنا أقدر أشتغل.»
رامي رد عليه بحزم:
«وأنا ما قلتش إنك مش هتشتغل تاني. بس فيه فرق بين إنك ترجع لشغلك لما تبقى قادر، وبين إنك تستهلك نفسك عشان تثبت إنك لسه قادر.»
خرج رامي، وفضلت أنا وحاتم وفريدة لوحدنا.
بصيت لعلبة الغداء اللي حطيتها على الترابيزة من ساعة ما دخلت.
كانت لسه مقفولة.
فتحتها ببطء، وطلعت العلبة الصغيرة اللي فيها فطيرة التفاح.
الورقة اللي كتبتها له كانت لسه تحت الشوكة.
«مش لازم تكفي الناس كلهم وتنسى نفسك.. سيبني أنا أدلعك النهاردة.»
قريتها بصوت مسموع.
وبعدين بصيت له وقلت:
«عارف أكتر حاجة وجعتني؟ إني كتبت لك الكلام ده وأنا فاكرة إن مشكلتك إنك بتتعب في الشغل وبتنسى تاكل. ما كنتش أعرف إنك بتخبي عني وجع أكبر من كده بكتير.»
مد إيده وأخد الورقة.
فضل باصص فيها، وبعدين حطها على صدره وغمض عينه.
«كنت كل يوم أرجع البيت وأشوفك نايمة، وأقف عند باب الأوضة أتفرج عليكي. كنت ببقى عايز أصحيكي وأحكيلك، بس كنت بخاف.»
سألته:
«كنت بتخاف من إيه بالظبط؟»
«كنت بخاف أشوف الخوف في عينيكي. كنت بخاف أحس إني بقيت مسؤولية عليكي بدل ما أكون سند ليكي. كنت بخاف أشوف فريدة بتبص لي كأني مش هقدر أحميها.»
قربت منه وقعدت على الكرسي.
«يا حاتم، هو إنت فاكر إنك لما بتتعب بتبقى عبء علينا؟»
ما ردش.
قلت له:
«فاكر لما أنا كنت حامل في فريدة وكنت بتصحى كل ساعتين تجيب لي مية عشان كنت بتعب؟ فاكر لما ماما دخلت المستشفى وقعدت معاها أسبوع كامل وأنا كنت بروح الشغل وأرجع ألاقيك محضر لنا الأكل؟ فاكر لما آدم ابن أختي كان تعبان وإنت فضلت معاه لحد ما اطمنت عليه؟ عمرك حسستني إن حد مننا عبء عليك؟»
هز راسه.
«لأ.»
«أمال ليه بتعامل نفسك كأنك مالكش حق تتعب؟ كأنك لازم تفضل واقف مهما حصل؟»
بص لي والدموع في عينيه.
«عشان طول عمري متعود إن الناس تستند عليا. من وأنا صغير، وأنا اللي بحل المشاكل. ولما دخلت كلية الطب، بقيت شايف إن دوري إني أنقذ الناس. نسيت إن أنا كمان إنسان.»
مديت إيدي ومسكت إيده.
«إنت مش مطالب تنقذ الدنيا كلها يا حاتم. كفاية إنك تبقى موجود معانا. كفاية إنك تقول لي تعبان، بدل ما تخليني أفضل أخمن إنت فين وبتعمل إيه.»
فريدة قعدت على طرف السرير وقالت:
«ماما، هو بابا هيبطل يحب المستشفى؟»
بصيت لها وابتسمت وسط دموعي.
«لأ يا حبيبتي. بابا بيحب شغله، بس لازم يتعلم يحب نفسه كمان.»
حاتم بص لبنته وقال:
«أنا أوعدك إني هحاول أكون أحسن.»
فريدة رفعت صباعها قدام وشه وقالت بجدية طفولية:
«مش هحاول بس. إنت لازم تعمل كده.»
ضحك حاتم ضحكة خفيفة وسط دموعه.
«حاضر يا ست فريدة.»
لأول مرة من شهور، حسيت إننا بنتكلم مع بعض بجد، من غير أسرار ولا حجج ولا كلام ناقص.
لكن رغم كل ده، كان جوايا سؤال واحد لسه ما لقيتش له إجابة.
ليه حاتم كان مصر يخبي عني كل حاجة؟ وهل فعلًا كان السبب الوحيد هو خوفه عليا؟
بصيت له وقلت:
«فيه حاجة تانية؟»




