روايات وقصص

روحت ازور جوزي حكايات صافي هاني

وشه اتغير.

مش تغيير كبير، لكن أنا أعرفه كويس. أعرف اللحظة اللي بيحاول فيها يختار كلامه، واللحظة اللي بيقرر فيها إنه يسكت عن حاجة.

قلت له:

«حاتم، أنا طلبت منك تحكي لي من أول يوم. مش عايزة أكتشف بعد كده إن فيه جزء تاني من الحكاية.»

فضل ساكت.

وبعدين قال:

«فيه حاجة كنت مستني الوقت المناسب عشان أقولها لك.»

حسيت بتعب شديد.

«إيه هي؟»

بص ناحية الباب، كأنه بيتأكد إن مفيش حد واقف بره، وبعدين رجع بص لي.

«قبل ما أعرف إن عندي مشكلة في القلب، كنت باخد شغل إضافي في مستشفى تانية.»

استغربت.

«شغل إضافي؟ ليه؟»

«عشان كان علينا التزامات كتير، ومصاريف مدرسة فريدة زادت، وإحنا كنا بنتكلم إننا نغير العربية ونصلح شوية حاجات في الشقة. كنت عايز أوفر فلوس من غير ما أحملك هم.»

هزيت راسي ببطء.

«إحنا اتفقنا قبل كده إننا لو احتجنا فلوس، نقلل مصاريفنا. أنا عمري ما طلبت منك تشتغل لحد ما تقع.»

«عارف.»

«كمل.»

اتنهد وقال:

«لما بدأت أتعب، كنت المفروض أوقف الشغل الإضافي. لكن بدل ما أوقفه، حاولت أعوض الأيام اللي كنت بغيب فيها بسبب الفحوصات. كنت باخد نبطشيات أكتر، وبنام أقل، وبقيت مش قادر أركز زي الأول.»

بصيت له بقلق.

«وده كان سبب إنك بقيت ترجع متأخر؟»

«جزء من السبب.»

«والجزء التاني؟»

سكت مرة تانية.

قربت منه وقلت:

«أنا مش هزعق لك. بس لازم أعرف.»

قال أخيرًا:

«كنت بقعد بعد الشغل ساعات لوحدي في أوضة الأطباء. ما كنتش قادر أرجع البيت وأنا بالحالة دي. كنت بخاف فريدة تشوفني تعبان، وكنت بخاف إنتِ تسأليني أسئلة مش هقدر أجاوب عليها.»

نزلت دموعي.

«يعني كنت بتختار إننا نفتقدك، بدل ما نكون جنبك؟»

«كنت فاكر إن ده الصح.»

«بس ما كانش صح يا حاتم.»

هز راسه.

«عارف دلوقتي.»

في اللحظة دي، تليفونه رن على الترابيزة.

بص للشاشة، واتردد قبل ما يرد.

سألته:

«مين؟»

قال:

«مدير المستشفى التانية.»

بصيت له باستغراب.

«المستشفى التانية لسه بتكلمك؟»

«أيوه، كان فيه شغل متفق عليه.»

التليفون رن تاني.

حاتم مد إيده عشان يرد، لكني قلت له:

«لو سمحت، افتح المكالمة على السماعة.»

بص لي.

«سلوى، مش وقته.»

رديت عليه بهدوء:

«هو بالظبط وقته. أنا مش عايزة أتحكم في شغلك، لكن مش هقبل إنك تفضل شايل حاجة ممكن تضرك وإحنا مش عارفين.»

فضل باصص لي شوية، وبعدين رد على المكالمة.

«أيوه يا دكتور شريف.»

جاله صوت راجل من الناحية التانية، كان بيتكلم بسرعة وقلق.

«يا دكتور حاتم، إحنا بقالنا يومين مش عارفين نوصل لك. حضرتك ما حضرتش الموعد المتفق عليه، والملف اللي كنت مسؤول عنه لسه محتاج مراجعة. إحنا مش عايزين نضغط عليك، بس لازم نعرف هتقدر تكمل ولا لأ.»

حاتم رد بصوت متعب:

«أنا عندي ظروف صحية، وبلغت الدكتور المسؤول إني محتاج أوقف الشغل الإضافي مؤقتًا.»

الراجل سكت لحظة.

«إحنا ما عندناش مشكلة يا دكتور، سلامتك أهم. بس فيه نقطة تانية لازم نتكلم فيها. حضرتك كنت سايب عندنا تقرير المراجعة الأخير، وفيه ملاحظات محتاجة توضيح قبل ما نقفل الملف.»

حاتم اتوتر.

«أي ملف؟»

«ملف الحالات اللي كنت بتراجعها معانا. إحنا اتفقنا إنك ترجع لنا بعد ما تخلص فحوصاتك، لكن بما إن حضرتك مش هتقدر تيجي، هنحتاج حد تاني يستلم الشغل.»

«تمام، مفيش مشكلة.»

الراجل كمل:

«وفيه حاجة كمان يا دكتور. أنا آسف إني بقولها لك في التليفون، لكن أسرتك لازم تكون عارفة إنك كنت بتشتغل عندنا فوق ساعات شغلك الأساسية. مش عايزين يحصل أي سوء تفاهم بخصوص مواعيدك أو التزاماتك.»

حسيت بوجع في صدري من كتر ما كنت بحاول أستوعب.

حاتم قفل المكالمة، وحط التليفون على الترابيزة.

بصيت له.

«إنت كنت بتشتغل في مكانين، وبتخبي عني مرضك، وبتخبي عني إنك بتتعب، وكل ده عشان ما تقلقنيش؟»

هز راسه.

«كنت فاكر إني بعمل الصح.»

قلت له وأنا بمسح دموعي:

«إنت كنت بتحاول تحميني من الحقيقة، لكنك سبتني أواجه ألف احتمال لوحدي. كنت ممكن أساعدك، كنت ممكن نرتب مصاريفنا، كنت ممكن أشتغل ساعات أكتر، أو نأجل أي حاجة مش ضرورية. لكن إنت قررت عننا إحنا الاتنين.»

حاتم سكت، وما حاولش يدافع عن نفسه.

وده كان أصعب من أي كلام.

لأن أول مرة أحس إنه بدأ يفهم حجم اللي عمله.

بعد شوية، الدكتورة نهى رجعت تطمن عليه، وطلبت منه يرتاح ويكمل المتابعة المطلوبة. وبعد ما اتأكدت إن حالته مستقرة في الوقت ده، قالت لي إن الأفضل أكون معاه في المواعيد الجاية، وإننا نتكلم مع الفريق الطبي عن كل التفاصيل المتعلقة بالعلاج والراحة والشغل.

هزيت راسي، وقررت إن اليوم ده مش هينتهي قبل ما أكون فاهمة اللي نقدر نعمله فعلًا.

لكن قبل ما نمشي، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.

حاتم طلب مني أقرب منه.

قعدت على الكرسي جنبه.

قال لي:

«سلوى، فيه حاجة لازم أقولها لك قبل ما نرجع البيت.»

حسيت إن قلبي اتقبض.

«إيه تاني يا حاتم؟»

بص لفريدة، وبعدين رجع بص لي.

«أنا كنت ناوي أطلب منك إننا نقعد بعيد عن فريدة شوية، عشان فيه موضوع متعلق بوالدي، الله يرحمه، وأنا مش عارف أتصرف فيه.»

استغربت.

والده كان متوفي من سنين طويلة، وموضوعه ما كانش بيتفتح إلا نادرًا.

قلت له:

«إيه علاقة باباك باللي بيحصل؟»

حاتم فتح درج الكومود، وطلع منه ظرف بني قديم.

كان الظرف متني من الأطراف، وعليه اسم حاتم بخط إيد واضح.

مده ناحيتي.

«الظرف ده لقيته من فترة وسط حاجات بابا القديمة. كنت محتفظ بيه، وكل مرة أقول لك هحكي لك، أرجع أغير رأيي.»

مسكت الظرف، وبصيت لاسمي المكتوب على ورقة صغيرة جوه.

كان مكتوب: «إلى حاتم وسلوى.»

فتحت الورقة بحذر، وبدأت أقرأ.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى