روايات وقصص

ابن جارنا

ابن جارنا كان سايق الموتوسيكل بتاعه بسرعة جنونية ودخل على النجيلة قدام بيتي وداس على جنينة الورد اللي كانت أغلى عندي من أي حاجة في الدنيا. لما واجهته بصلي بمنتهى البرود وقال: “دي شوية ورد يعني هتفرق؟ ما هي هتطلع تاني.” تاني يوم الصبح خرج من بيته ولقى مفاجأة صغيرة مستنياه جنب الموتوسيكل بتاعه، وفجأة الابتسامة المستفزة اللي كانت على وشه اختفت تمامًا.

 

أنا عندي واحد وسبعين سنة وعايشة في نفس البيت ده بقالي حوالي تلاتين سنة. لما أنا وجوزي نقلنا البيت ده أول lần كان هو بنفسه قضى صيف كامل بيزرعلي جنينة ورد صغيرة قدام البيت. كان بيزرع ورد أحمر وأصفر بالذات لأن دول كانوا اللونين اللي بيجيبهوملي كل سنة في ذكرى جوازنا.

بعد ما جوزي توفى حافظت على الجنينة زي ما هي بالظبط. كل ربيع كنت بزرع نفس الألوان بنفس الترتيب ونفس الشكل الصغير اللي كان جوزي رسمه بإيده وزرع الورد على أساسه. الورد نفسه مكانش غالي، لكن حتة الأرض دي كانت أغلى عندي من أي فلوس، لأنها كانت واحدة من الأماكن القليلة اللي لسه بحس وأنا واقفة فيها إن جزء صغير من جوزي لسه موجود جنبي.

لكن مع بداية الصيف ابن جارنا اللي عنده اتنين وعشرين سنة رجع من الكلية. وفي خلال كام يوم تقريبًا كل اللي في الشارع عرف إنه رجع. كان صوته عالي ومتهور ومقتنع تمامًا إن القوانين معمولة للناس التانية مش ليه. الموتوسيكل بتاعه بقى حاجة مستحيل تجاهلها؛ كان بيفضل يزوّد صوت الموتور بالليل، ويركن في أي مكان على مزاجه، ويقفل مداخل البيوت، وساعات كان بيختصر الطريق ويمشي بالموتوسيكل على نجيلة الناس وكأن إنه يلف من أول الشارع لآخره حاجة صعبة عليه.

معظم أهل المنطقة كانوا بيتكلموا عنه من وراه، لكن محدش تقريبًا كان بيواجهه. أبوه كان صاحب كذا مشروع ناجح في البلد، والعيلة معاها فلوس ومعارف ونفوذ، وكانوا معروفين إنهم يقدروا يخلصوا أي مشكلة بالطريقة اللي تعجبهم، فعشان كده الناس كانت تسكت.

لحد يوم السبت بعد الضهر، سمعت صوت الموتوسيكل المميز بتاعه جاي من بره، ولما وصلت للشباك كان هو بالفعل داخل على النجيلة قدام بيتي. فضلت واقفة أتفرج وأنا شايفة العجلة الخلفية بتقطع جنينة الورد بتاعتي من النص، الطين اتناثر على النجيلة، والورد اتشد من جذوره، وزهور تانية اختفت تمامًا تحت العجل. وفي ثواني قليلة الشكل اللي جوزي كان عامله بإيده من سنين طويلة اتمسح من قدام عيني.

نزلت من البيت وخرجتله. الشاب وقف بالموتوسيكل على بُعد كام متر. بصيت على آثار العجل اللي كلها طين، وبعدين بصيت على الورد المكسور، وفي الآخر رفعت عيني وبصيتله، وقلتله بهدوء:
“جوزي هو اللي زرع الجنينة دي عشاني.”
وسكت لحظة وبعدين كملت:
“هو اتوفى من سنين.”

لثواني بص ناحية الورد اللي اتدمر، كنت مستنية منه يعتذر، يمكن يقول إنه هيرجع يصلحه، لكن بدل كل ده هز كتفه وقال بمنتهى البرود:
“ده ورد ونجيلة يعني، ما هو هيطلع تاني.”

في اللحظة دي بس فهمت إن الكلام معاه مش هيجيب نتيجة. وعلى الناحية التانية من الشارع كانت جارتي واقفة في البلكونة بتبص على كل اللي حصل. هي شافت بعينيها الموتوسيكل وهو داخل على الجنينة وشافت الورد وهو بيتكسر، لكن أول ما عينيه قابلت عينيها وطت نظرها ودخلت جوه بسرعة.

ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه، هو فهم الرسالة: محدش عايز يدخل معاه في مشاكل. ركب الموتوسيكل وشغله ومشي.

وأنا ما ناديتش عليه، ما شتمتوش، وما جريتش وراه في الشارع. رجعت بيتي بهدوء، قفلت الباب، مسكت تليفوني وعملت مكالمة واحدة بس.

بالليل خرجت تاني للجنينة، بدأت أشيل السيقان المكسورة واحدة واحدة، وعدلت النباتات اللي كان لسه ممكن تعيش، ونضفت الطين اللي غطى الجزء اللي اتدمر. قعدت حوالي ساعة بحاول أصلح اللي أقدر عليه، لكن في حاجات مهما حاولت تصلحيها عمرها ما بترجع زي الأول بعد ما حد يدوس عليها. لما دخلت البيت أخيرًا ما عملتش أي مكالمة تانية وما خبطتش على باب حد، أنا بس استنيت.

تاني يوم الصبح خرج ابن جارنا من البيت وهو لابس هدوم الركوب، الخوذة في إيده والمفتاح في إيده التانية، واتجه ناحية الموتوسيكل كأنه داخل على يوم عادي جدا. لكن فجأة وقف مكانه.

كان فيه حاجة صغيرة موجودة جنب الموتوسيكل. في البداية فضل واقف يبص عليها، وبعدين قرب كام خطوة. ملامح وشه اتغيرت، الثقة اختفت، والابتسامة المستفزة راحت تمامًا. فضل واقف مكانه ثواني طويلة، وبعدين رفع راسه ببطء وبص ناحية بيتي مباشرة. ولأول مرة من ساعة ما رجع من الكلية ما كانش شكله مستمتع ولا مستهتر؛ كان شكله قلقان، لأنه مهما كان متوقع يحصل بعد ما دمر جنينة ست كبيرة أرملة، أكيد ما كانش متوقع أبدا يشوف المفاجأة اللي كانت مستنياه جنب الموتوسيكل الصبح ده.

وقفت قدام الموتوسيكل وأنا مش مصدقة اللي شايفاه. المفاجأة ما كانتش كبيرة ولا كانت حاجة تخوف، كانت مجرد كيس بلاستيك شفاف صغير متعلّق في مراية الموتوسيكل، وجواه صورة مطبوعة.

صورة للجنينة بتاعتي، لكن مش بالصورة اللي بقت عليها دلوقتي؛ كانت صورة قديمة جدًا، الصورة اللي جوزي كان واخدها أول سنة بعد ما خلص زراعة الورد. كان واقف جنبي وأنا لابسة فستان بيتي بسيط وشعري أبيض بدأ يظهر فيه وقتها أول كام خصلة، وكان بيضحك والورد الأحمر والأصفر ورا ضهرنا. وتحت الصورة كان فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيدي:
“اللي يدوس على ذكرى حد تاني لازم يعرف الأول هو داس على إيه.”

ابن جارنا وقف قدام الصورة كأنه شاف حاجة مش مفهومة. لف حواليه، بص ناحية بيتنا، وبعدين بص ناحية بيت أبوه. واضح إنه كان بيدور على حد يفسر له اللي حصل، لكن محدش خرج. أنا كنت واقفة ورا ستارة الصالة شايفاه كويس وهو ما كانش عارف إني شايفاه.

فضل دقيقة كاملة واقف مكانه، وبعدين فك الكيس من المراية، فتح الصورة وقلبها على ضهرها، لقي حاجة تانية مكتوبة:
“أنا ما طلبتش منك غير حاجة واحدة… ما تستهينش بحاجة تخص غيرك.”

وشه اتشد، ولأول مرة حسيت إن الرسالة وصلت. لكن اللي ما كنتش عارفاه وقتها إن الصورة دي ما كانتش المفاجأة الوحيدة، كانت مجرد أول خطوة.

رجعت أقعد في الصالة، حطيت إيدي على الترابيزة قدام صورة جوزي، وقلت بصوت واطي:
“سامحني يا حسن… بس المرة دي مش هسكت.”

أنا مش من الناس اللي بتحب المشاكل ولا عمري كنت من النوع اللي يجري ورا حقه بالصوت العالي. طول عمري كنت مؤمنة إن الإنسان لو حافظ على كرامته وما ظلمش حد ربنا مش هيضيّع حقه، لكن فيه فرق كبير بين إنك تكون مسالم وبين إنك تسمح للناس تدوس عليك، وأنا كنت وصلت للنقطة اللي لازم فيها أقول لأ؛ مش عشان الورد، الورد ممكن يتزرع تاني فعلًا، لكن عشان الشاب ده كان محتاج يعرف إن الفلوس اللي عند أبوه مش معناها إن الدنيا كلها ملكه.

في نفس اليوم حوالي الساعة عشرة الصبح سمعت خبط على الباب. فتحت، لقيت جارتي القديمة أميرة، الست اللي كانت واقفة في البلكونة يوم ما حصلت المشكلة. دخلت وهي مترددة، بصت ناحية الجنينة وقالت:
“إنتي اللي حطيتي الصورة؟”
بصيت لها وقلت: “أيوه.”
قالت: “ليه؟”
ابتسمت وقلت: “عشان يفهم.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى