روايات وقصص

ابن جارنا

قعدت قدامي وقالت: “إنتي عارفة هو ابن مين؟”
قلت: “عارفة.”
قالت: “وأبوه مش هيسكت.”
رديت بهدوء: “أنا كمان مش هسكت.”

سكتت شوية وبعدين قالت: “أنا عايزة أقولك حاجة… ابني شافه قبل كده وهو بيعمل نفس الموضوع عند بيت تاني، عند عم إبراهيم اللي في أول الشارع، وداس له على الزرع برضه.”
سألتها: “وعم إبراهيم عمل إيه؟”
قالت: “راح لأبوه.”
قلت: “وبعدين؟”
ضحكت بسخرية وقالت: “أبوه اداله فلوس وقال له يشتري زرع جديد، لكن عم إبراهيم رفض وقال له مش كل حاجة تتصلح بالفلوس.”

الجملة دي فضلت في دماغي طول اليوم: مش كل حاجة تتصلح بالفلوس.

بالليل وأنا قاعدة في الصالة سمعت صوت الموتوسيكل. خرجت للشباك، لقيت الشاب واقف عند بيت أبوه، كان بيتكلم معاه بصوت عالي. مش سامعة كل الكلام، لكن كنت شايفة أبوه ماسك الصورة اللي أنا حطيتها وبعدين رفع عينه ناحية بيتي. الشاب قال له حاجة، أبوه رد عليه، وفجأة الشاب سكت. دخل أبوه البيت، وهو فضل واقف لوحده، وبعد دقائق ركب الموتوسيكل ومشي. افتكرت إن الموضوع خلص.

لكن الساعة واحدة ونص بعد نص الليل سمعت صوت خبط قوي على بابي. قومت مفزوعة، مسكت جلابيتي وخرجت للصالة. الخبط اتكرر. فتحت الباب بحذر، ولقيت أبو الشاب واقف، راجل في أواخر الخمسينات اسمه محمود، معروف في المنطقة. أول ما شافني قال:
“ممكن أتكلم معاكي دقيقتين؟”
قلت: “اتفضل.”

دخل وقعد، وبص للصورة المعلقة على الحيطة، فضل ساكت شوية وبعدين قال:
“أنا جاي أعتذر… عن ابني. أنا عارف إنه غلط.”
قلت: “الغلط مش بس إنه داس على الورد، الغلط إنه شاف واحدة كبيرة في السن واقفة قدام حاجة غالية عليها وما اهتمش.”
هز راسه وقال: “عندك حق… بس أنا عايز أصلح اللي حصل. هجيبلك أحسن زرع وأعمل الجنينة من أول وجديد.”
ابتسمت وقلت: “لا.”
اتصدم وقال: “لا؟”
قلت: “أنا مش عايزة زرع من فلوسك.”
قال: “طب أعمل إيه؟”
قلت: “خلي ابنك هو اللي يصلحها.”
سكت وقال: “هو؟”
قلت: “أيوه. اللي كسر لازم يتعلم يصلح.”

فضل ساكت فترة طويلة وبعدين وقف وقال: “هكلمه.” وقبل ما يقفل الباب قال: “أنا آسف.”

تاني يوم الصبح صحيت بدري، فتحت باب البيت ولقيت ابن جارنا واقف قدام الجنينة لوحده من غير الموتوسيكل. كان لابس هدوم بسيطة وفي إيده شوية أدوات. فضل واقف يبص على الورد المكسور، ولما شافني قال:
“صباح الخير.”
قلت: “صباح النور.”
قال: “أبويا قالي أصلحها.”
قلت: “وأنت موافق؟”
بص للأرض وقال: “مش عارف.”
قلت: “طب ليه جيت؟”
قال: “عشان… الصورة. افتكرت إنك مجرد ست كبيرة هتزعل شوية وبعدين تنسى، لكن لما شفت الصورة افتكرت جدتي… جدتي كانت بتحب الورد وكانت بتحب الأحمر والأصفر، وقبل ما تموت بأيام قالتلي أحافظ عليها.”
قلت: “شايف؟ الناس ساعات بتطلب مننا حاجات صغيرة جدًا، بس إحنا ما نعرفش قيمتها غير بعد ما تضيع.”

بدأ يحفر. في الأول كان بيعمل كل حاجة بعصبية والتربة كانت ناشفة وإيده اتخبطت كذا مرة، لكن ما وقفش. وأنا كنت قاعدة على كرسي صغير قدام البيت براقبه. بعد حوالي ساعتين قال: “هو جوزك كان بيزرعهم إزاي؟”
قلت: “كان يبدأ بالأحمر وبعدين الأصفر على الجنب.”
قال: “ليه؟”
ابتسمت وقلت: “كان بيقول إن الأحمر قلب البيت والأصفر نوره.”

في اليوم الأول ما خلصش حاجة، وفي اليوم التاني رجع، وفي اليوم التالت رجع. وبعد أسبوع كامل كانت الجنينة بدأت تستعيد شكلها، لكن كان فيه جزء صغير لسه فاضي؛ الجزء اللي اتداس عليه بالعجلة الخلفية.
وقفت جنبه وقلت: “الحتة دي محتاجة وقت.”
قال: “أنا عارف.”
قلت: “ليه ما زرعتش فيها؟”
قال: “استنيت التربة تستريح.”

بعدها بأيام بدأ يتغير، بقى يرجع الموتوسيكل ببطء وبقى يركنه في مكانه، وبقى لما يشوف طفل بيلعب جنب النجيلة يبعده عنها.

وفي يوم حصل شيء ما كنتش متوقعة؛ سمعت خناقة في الشارع، خرجت لقيت ابن جارنا واقف قدام راجل غريب والراجل كان بيزعق فيه ويقول: “إنت فاكر إنك تقدر تعمل اللي إنت عايزه؟”
الشاب رد: “أنا غلطت قبل كده… اسأل الست دي.”
كل الناس بصت لي، فقلت: “هو فعلاً غلط.”
الشاب بص لي ثم قال: “وأنا صلحت غلطي.”
الراجل الغريب رد: “أنا مش بتكلم عن الورد… أنا بتكلم عن العربية اللي خبطتها من شهرين ومشيت.”
وشه اتغير، وقال: “العربية اتصلحت… دفعت تمنها.”
الراجل رد: “أبوك هو اللي دفع… أنا عايزك إنت تعتذر.”
ولأول مرة شفته يرفع عينه ويقول: “أنا آسف.”
الراجل اتفاجئ وما كانش متوقعها ومشي.

عدت أسابيع، والورد بدأ يطلع من جديد، والجزء اللي كان فاضي امتلأ براعم صغيرة. وفي صباح هادي جدًا كنت واقفة بسقي الزرع لقيت ظرف صغير على الأرض. فتحته وجواه صورة؛ أنا وجوزي نفس الصورة القديمة، لكن جنبها صورة تانية لابن جارنا وهو قاعد قدام الجنينة وبيزرع، وتحتها مكتوب:
“أنا كنت فاكر إن الورد بيرجع لوحده… طلع إن الورد محتاج حد يحافظ عليه.”

دموعي نزلت من غير ما أحس. دخلت البيت، طلعت صورة جوزي وحطيتها جنب الصورة الجديدة، وقلت: “شايف يا حسن؟ لسه فيه ناس ممكن تتعلم.”

وفي نفس اليوم سمعت صوت الموتوسيكل. خرجت لقيته واقف عند باب بيته، لكن المرة دي ما كانش داخل على النجيلة؛ ركنه بعيد ومشي على رجليه، وبعدها بدقائق شفته بيقف قدام جنينة جارنا عم إبراهيم لما شاف ولد صغير بيحاول يدوس على الزرع، فنده عليه وقاله: “ماتدوسش هنا… عشان حد تعب وزرعه.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى