روايات وقصص

ابن جارنا

وبعد حوالي شهر حصلت المفاجأة الأخيرة. كنت بفتح الباب الصبح لقيت ابن جارنا واقف وفي إيده صندوق خشب صغير. قال: “ده ليكي.”
فتحته ولقيت جواه شتلات ورد صغيرة أحمر وأصفر.
قال: “دي من جنينة جدتي… لقيتها عند عمي. عشان تزرعيها هنا، أعتقد جدتي كانت هتحب تشوفها هنا.”
أخدت الصندوق وحطيت إيدي على كتفه وقلت: “ربنا يرحمها.”

دخلت الجنينة، حفرت مكان صغير جنب الورد القديم وزرعت أول شتلة وبعدين التانية. وبعد ما خلصت سقيتهم وقفت وسط الجنينة، بصيت للبيت وصورة جوزي، وقلت:
“الورد فعلاً بيطلع تاني يا حسن… بس مش بنفس الطريقة، كل مرة بيطلع… بيحكي حكاية جديدة.”

ومن يومها ما عادش ابن جارنا الشاب اللي كان بيعدي بالموتوسيكل ويكسر زرع الناس؛ بقى كل ما يعدي قدام البيت يبطّي، ولو شاف حد بيركن عربيته فوق النجيلة ينزل يكلمه، ولو طفل قرب من الورد يبعده بهدوء.

أما الجنينة فكبرت أكتر من الأول، الورد الأحمر بقى أكتر والأصفر بقى يملأ الأطراف، وفي النص زرعت الشتلتين اللي جابهم من جنينة جدته. وكل ربيع كنت أقف قدامهم وأفتكر اليوم اللي دخل فيه الموتوسيكل على جنينتي؛ اليوم اللي في الأول افتكرته أسوأ يوم، وبعدين اكتشفت إنه كان بداية تغيير كبير، لأن بعض الناس ما بتتعلمش لما تخسر فلوس، ولا لما حد يزعق لها، ولا حتى لما أهلها يعاقبوها، بعض الناس بتتعلم لما لأول مرة تشوف أثر أفعالها بعينيها، وتفهم إن الحاجة اللي كانت شايفاها “شوية ورد” كانت بالنسبة لشخص تاني ثلاثين سنة من العمر، وحب، وذكرى، ووعد، وجزء من قلبه.

وفي آخر كل يوم كنت بققف أفتح باب البيت وأبص من الشباك، أشوف الورد الأحمر والأصفر، وأقول لنفسي: “الحمد لله.” لأن حسن مات من سنين، لكن الحاجة اللي زرعها بإيده لسه بتعيش، ومش بس بتعيش، دي كمان عادت علمت حد تاني إزاي يحافظ على حاجة مش بتاعته.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى