روايات وقصص

اربع اطفاا حكايات صافي هاني

قبل ساعات من اللحظة اللي المفروض أتقدم فيها لواحدة تانية، ظهر قدامي أربعة أطفال عندهم ست سنين وشكلهم طالعين من مرآة صورتي تماماً.. حتى أنا، الراجل اللي بيسيطر على واحدة من أبرز عائلات الجريمة في بوسطن، مبقتش قادر أحرك ساكن. وبعدها سمعت صوت أمهم بره الباب، صوت الست اللي حبيتها من ست سنين، وفجأة مابقاش لكل خطط الجواز دي أي قيمة.

 

اسمي دومينيك موريتي.

في أواخر التلاتينات من عمري، الناس في بوسطن كانوا عارفين كويس أوي إنهم مايلعبوش معايا ولا يعترضوا طريقي. عائلتي كانت مسيطرة على البزنس، العقارات، ول ليها تأثير طاغي في كل حتة في المدينة، لدرجة إن اسم موريتي كان بيفتح الأبواب اللي معظم الناس ميعرفوش عنها حاجة أصلاً.

بس الليلة دي، حتى وأنا بالسطوة دي، لقيت نفسي ماشي على خطة حد تاني.

الساعة سبعة بالظبط، كان مفروض أتقدم لسلون قدام الناس.

دخلت حمام الرجالة عشان أُغسل إيدي وأظبط كرافطتي.

لقيت أربعة صبيان واقفين قدام المرايا.

لابسين لبس زي العسكري، بنطلونات خاكي، وشعر داكن.

واحد فيهم كان بيعمل حركة براسه لورا، بيلف دماغه ويرجعها تاني. والتلاتة التانيين واقفين يقلدوه.

اتسمرت مكاني.

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

الحركة دي أنا كنت بعملها وأنا طفل صغيّر!

بعدها الولد الأولاني لف ووشه.

أربعة وجوه.

أربعة نسخ مني.

كأني قدام خيال من الماضي، ببص لنفسي وأنا عندي ست سنين.

ساعتها فلاش باك سريع جه في عقلي.. افتكرت ست واحدة.

الست الوحيدة اللي حبيتها زمان وضاعت مني في النهاية.

الولاد عندهم ست سنين، بس أنا استوعبت اللقطة في ثانية.

الصبيان جريوا ناحية الباب.

وأنا فضلت متجمد مكاني جنب المراية.

الليلة، بوسطن كانت مستنية دومينيك موريتي يعلن عن خطوبة هتقوي عيلة كبيرة.

بس فجأة، مبقاش أي من ده مهم.

لأن الست اللي حبيتها من ست سنين كانت واقفة بره الباب ده، وأربعة صبيان عندهم ست سنين وماخدين وش طفولتي كانوا بيجروا عليها.

اسمي دومينيك موريتي، وعمري ما كنت الراجل اللي بيتفاجئ بسهولة. اتربيت في بيت كل كلمة فيه محسوبة، وكل قرار ليه تمن، واتعلمت من أبويا إن الراجل اللي يسمح لمشاعره تتحكم فيه بيخسر قبل ما المعركة تبدأ.

لكن في اللحظة دي، وأنا واقف في حمام الفندق، قدام أربعة أطفال شبه بعض، وشبهّي لدرجة تخوّف، حسيت إن كل حاجة اتعلمتها في حياتي ملهاش أي لازمة.

الأطفال خرجوا من الحمام يجريوا، وأنا فضلت واقف مكاني ثواني طويلة، عيني معلقة بالباب اللي اختفوا وراه.

واحد منهم كان لسه باصصلي قبل ما يخرج.

نفس لون عيني.

نفس الحاجب اللي فيه انحناءة بسيطة ناحية اليمين.

وحتى العلامة الصغيرة اللي فوق الحاجب، اللي كنت اتجرحت بسببها وأنا صغير، كانت موجودة على وشه.

حطيت إيدي على العلامة اللي فوق حاجبي، وبلعت ريقي بالعافية.

مستحيل.

مستحيل يكونوا مجرد أطفال شبهّي للدرجة دي.

فتحت الباب وخرجت للممر بسرعة، وهناك سمعت صوتها.

الصوت اللي فضلت ست سنين أحاول أنساه، وأقنع نفسي إن الزمن كفيل يمحيه من ذاكرتي.

«يا حبايبي، قلتلكم متجروش بعيد عني!»

وقفت مكاني.

كنت هعرف صوتها حتى لو كنت وسط ألف صوت.

صوت ليليان.

ليليان روسي.

الست اللي اختفت من حياتي من ست سنين كاملة، من غير ما تسيب وراها غير جواب قصير، وكلمتين فضلوا يطاردوني كل ليلة.

«سامحني يا دومينيك. متدورش عليّا.»

لفيت ناحية الصوت ببطء، وشفتها واقفة عند آخر الممر، لابسة فستان أزرق بسيط، وشعرها البني مربوط ورا راسها، وفي إيدها شنطة صغيرة.

الأطفال الأربعة كانوا محاوطينها.

واحد ماسك في إيدها اليمين، والتاني في إيدها الشمال، والاتنين التانيين واقفين قدامها بيتكلموا في نفس الوقت.

كانت بتحاول تسمعهم وتبتسم، لكن أول ما رفعت عينيها وشافتني، ابتسامتها اختفت.

وشها شحب.

إيدها نزلت من على كتف أحد الأطفال، وكأنها فقدت القدرة على الحركة.

أما أنا، فحسيت إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.

ست سنين.

ست سنين كاملة وأنا بدخل كل يوم مكتبي، وبشوف المكان الفاضي اللي كانت بتقعد فيه، وأفتكر آخر ليلة جمعتنا.

ست سنين وأنا مقتنع إنها اختارت تمشي.

ست سنين وأنا بكره نفسي لأني ماقدرتش أخليها تفضل.

ودلوقتي هي واقفة قدامي، ومعاها أربعة أطفال المفروض إنهم عندهم ست سنين.

قربت خطوة.

هي رجعت خطوة لورا.

الحركة الصغيرة دي وجعتني أكتر من أي كلمة ممكن تقولها.

قلت بصوت مبحوح:

«ليليان؟»

ردت بعد لحظة طويلة:

«دومينيك.»

مجرد ما نطقت اسمي، حسيت إني رجعت شاب عنده تلاتين سنة، واقف قدام الست اللي كان مستعد يسيب الدنيا كلها عشانها.

لكن واحد من الأطفال شد فستانها وقال:

«ماما، هو الراجل ده يعرفك؟»

ماما.

الكلمة وقعت على صدري كأن حد حط فوقه جبل.

بصيت للولد.

كان واقف جنبي تقريبًا في الطول بالنسبة لسنه، وشعره الأسود نازل على جبهته، وعينيه بتتحرك بيني وبين أمه بفضول.

ليليان نزلت لمستواه بسرعة، وحطت إيدها على كتفه.

«أيوه يا حبيبي، ده شخص كنت أعرفه من زمان.»

من زمان.

بصيت لها وأنا بحاول أسيطر على نفسي.

«من زمان؟ ده كل اللي عندك تقوليه؟»

الأطفال سكتوا، وواحد منهم استخبى ورا رجل أمه.

ليليان رفعت عينيها ليا وقالت بهدوء متوتر:

«مش هنا يا دومينيك.»

ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.

«أمال فين؟ في المكان اللي كنت المفروض أطلب فيه إيد واحدة تانية بعد أقل من ساعة؟»

عينيها اتسعت.

«إنت هتتجوز؟»

السؤال خرج منها بسرعة، وقبل ما تلحق تخفي رد فعلها، شفت الوجع اللي ظهر في عينيها.

والوجع ده استفزني.

لأنها هي اللي سابتني.

هي اللي اختفت.

هي اللي خلتني أعيش ست سنين وأنا مش عارف إذا كانت بخير، ولا إذا كانت أصلًا لسه فاكراني.

قلت بحدة:

«أيوه. وده مش موضوعنا دلوقتي.»

واحد من الأطفال رفع إيده وقال ببراءة:

«ماما، هو زعلان منك؟»

ليليان مسحت على شعره.

«لأ يا آدم، متقلقش.»

آدم.

بصيت له.

«اسمك آدم؟»

هز راسه.

«أيوه. وإخواتي اساميهم يونس وعمر وآسر.»

أربعة أسماء.

أربعة أطفال.

أربعة أولاد.

رجعت أبص لليليان، وقلت بصوت واطي، بالكاد قادر أطلعه:

«ولادي؟»

ما ردتش.

بس عينيها اتملت دموع.

وماكانش فيه داعي إنها تتكلم.

لأن سكوتها كان كفاية يهد حياتي كلها.

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى