
مافتكرش إزاي قدرت أوصل لقاعة الاجتماعات الصغيرة اللي جنب الحمام، ولا إزاي طلبت من الموظفين يسيبونا لوحدنا.
كل اللي فاكره إني كنت ماشي قدام ليليان، وهي ماشية ورايا والأطفال الأربعة معاها، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بتفكرني بحاجة مختلفة.
أول مرة شفتها فيها.
أول مرة ضحكت معايا.
أول مرة قالتلي إنها خايفة من العالم اللي أنا عايش فيه.
وآخر مرة شوفتها فيها وهي بتقفل باب شقتنا وراها.
فتحت باب القاعة، وطلبت من المربية اللي كانت معاها تستنى بره مع الأطفال شوية، بعد ما اتأكدت إنهم مرتاحين ومش خايفين.
ليليان دخلت وقفلت الباب.
وقفت قدامها.
ماقعدتش.
ماقدرتش.
قلت:
«عايز إجابة واحدة. هل الأربعة دول ولادي؟»
بصت للأرض.
«أيوه.»
غمضت عيني.
كنت متخيل احتمالات كتير للحظة دي، لكن عمري ما تخيلت إني هسمع الإجابة دي بعد ست سنين من غير ما أعرف حتى إنهم موجودين.
فتحت عيني وقلت:
«أربعة؟»
هزت راسها.
«أربعة.»
«إنتِ كنتِ حامل في أربعة أطفال، واختفيتي من حياتي، وخلتيني أعيش ست سنين مش عارف حتى إن عندي ابن واحد؟»
رفعت وشها بسرعة.
«أنا عارفة إنك غضبان.»
«غضبان؟»
ضربت بإيدي على ظهر الكرسي اللي جنبي، مش عليها، لكن صوت الضربة خلاها تنتفض.
اتراجعت فورًا، وأخدت نفس طويل عشان أهدى.
أنا عمري ما كنت فخور بكل القرارات اللي أخدتها في حياتي، لكن عمري ما كنت عايز أخوفها.
حتى دلوقتي.
خصوصًا دلوقتي.
قلت بصوت أقل حدة:
«أنا مش عايز أزعقلك. بس إنتِ محتاجة تفهمي إنك مش بتتكلمي عن سر صغير. إنتِ بتتكلمي عن ست سنين من عمري، وست سنين من عمر أربعة أطفال ماعرفوش أبوهم.»
دموعها نزلت على خدودها.
«كنت عارفة إنك هتقول كده.»
«أمال كنتِ متوقعة إيه؟ إني أشكرك؟»
«لأ.»
سكتت شوية، وبعدها رفعت عينيها ليا.
«كنت متوقعة إنك تكرهني.»
الكلمة خلتني أسكت.
لأن جزءًا مني كان فعلًا بيكرهها.
وجزءًا تاني، أعمق وأقوى، كان لسه بيحبها بنفس الطريقة اللي حبها بيها أول مرة.
قلت:
«ليه؟»
ما ردتش.
قربت خطوة.
«ليليان، أنا عايز أعرف ليه. مش عايز تبريرات، ومش عايز كلام عن إنك كنتِ بتحميني. عايز الحقيقة.»
حطت إيديها على وشها، وحاولت تاخد نفس منتظم.
وبعدها قالت:
«فاكر آخر أسبوع قبل ما أمشي؟»
«فاكره كويس.»
«فاكر لما أبوك طلب منك تسافر نيويورك يومين، ورجعت لقيتني مش موجودة؟»
«فاكر.»
«أنا في اليوم ده كنت راجعة من عند الدكتور.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
«الدكتور؟»
هزت راسها.
«كنت عرفت إني حامل.»
ماقدرتش أتكلم.
كملت:
«كنت عايزة أقولك. والله كنت عايزة. جهزتلك العشا، واشتريت حاجة صغيرة للأطفال، مع إني وقتها ماكنتش أعرف إنهم أربعة. كنت فاكرة إني حامل في طفل واحد.»
وقفت لحظة تمسح دموعها.
«لكن قبل ما ترجع، حد خبط على باب الشقة. ولما فتحت، لقيت أبوك واقف قدامي.»
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
أبويا مات من سنتين.
لكن اسمه لسه عنده القدرة يخليني أشعر إني طفل صغير واقف قدامه، مستني يسمع هو عمل إيه غلط.
قلت:
«أبويا كان عارف؟»
«عرف إني حامل في اليوم ده.»
«إزاي؟»
«ماعرفش. يمكن حد شافني وأنا داخلة العيادة، ويمكن كان بيراقبني. لكنه دخل الشقة، وقعد قدامي، وحط ورقة على الترابيزة.»
بلعت ريقها.
«كانت صورة ليك وإنت واقف قدام مبنى قديم في جنوب بوسطن، ومعاك اتنين من رجالتك. وتحت الصورة كان فيه اسم شخص، وعنوانه، وتفاصيل عن قضية قديمة تخص العيلة.»
ضيقت عيني.
«وبعدين؟»
«قاللي إنك لو كملت معايا، هتضطر تختار بيني وبين عيلتك. وإن الناس اللي حواليك مش هيسيبوا ست غريبة تدخل العيلة وتبقى أم لوريثك.»
«وأنا مالي بكلامه؟ كان ممكن تيجي تقوليلي!»
صرخت لأول مرة:
«كنت هقولك إيه يا دومينيك؟!»
سكتنا إحنا الاتنين.
هي كانت بتعيط، وأنا كنت بحاول أستوعب.
كملت بصوت مكسور:
«أبوك قاللي إنك هتختارني، وإنك هتدخل في حرب مع أقرب الناس ليك عشاني. قاللي إنك هتخسر كل حاجة بنيتها، وإن الناس هتستغل وجودي عشان تضغط عليك. وأنا كنت عارفة إن حياتك مش سهلة، وكنت شايفة كل يوم المشاكل اللي بتدخل فيها من غير ما تحكيلي عنها.»
هزت راسها.
«أنا خفت.»
قلت بمرارة:
«فقررتي تاخدي قراري مكاني؟»
«أيوه.»
الإجابة كانت صريحة لدرجة إنها وجعتني أكتر.
«أنا كنت جبانة. كنت صغيرة، وخايفة، ومش عارفة أعمل إيه. أبوك قاللي إنك لو عرفت بالحمل، مش هتسيبني أمشي. وقاللي إنك هتفضل تحاول تحميني، حتى لو ده هيعرضك للخطر.»
سكتت لحظة.
«وأنا صدقته.»
قعدت على الكرسي لأول مرة.
مررت إيدي على وشي.
أبويا.
الراجل اللي علمني إزاي أسيطر على كل حاجة، كان في نفس الوقت بيتحكم في حياتي من ورا ضهري.
لكن لسه فيه سؤال واحد ماكانش لاقي إجابة.
«ليه ما رجعتيش بعد ما مات؟»
ليليان بصتلي، وبعدها قالت:
«لأن المشكلة ماكنتش أبوك لوحده.»
رفعت عيني.
«يعني إيه؟»
وقبل ما تجاوب، الباب خبط.
دخل واحد من رجالي، اسمه ماركو، وكان باين على وشه إنه مش مرتاح.
قال:
«دومينيك، سيلون وصلت، والناس كلها مستنياك في القاعة الكبيرة. والدتك بتسأل عليك.»
كنت ناسي تمامًا إن بعد أقل من ساعة كان المفروض أعلن خطوبتي.
بصيت لماركو.
«أجّل كل حاجة.»
اتردد.
«بس العيلة التانية وصلت، وفي اتفاقات—»
قاطعته:
«قلت أجّل كل حاجة.»
خرج ماركو فورًا.
ليليان قامت من مكانها.
«أنا لازم أمشي.»
رفعت راسي ناحيتها.
«لأ.»
اتشد جسمها.
فاستدركت بسرعة:
«مش قصدي إني همنعك. قصدي إننا لسه مخلصناش كلام.»
قالت:
«الأولاد تعبوا من السفر، وأنا وعدتهم نرجع الفندق بدري.»
«فين الفندق؟»
«مش هقولك.»
الكلمة خرجت منها بسرعة، وكأنها كانت مستنيا السؤال.
وقفت قدامها، لكن سبت بيننا مسافة.
«ليليان، أنا مش هطلب منك تسامحيني، ومش هقولك إن كل حاجة هتتصلح في يوم وليلة. بس مش هقدر أسيبك تمشي من غير ما أفهم إنتِ كنتِ فين كل السنين دي.»
بصتلي طويلًا.
وبعدين قالت:
«أنا كنت في شيكاغو.»
«طول الست سنين؟»
«معظمهم. وبعدها انتقلت لمدينة أصغر، واشتغلت في حضانة، وبعد كده في مكتب حسابات. كنت بصرف على الأولاد لوحدي.»
سألتها:
«وأنا؟»
دموعها زادت.
«كنت بشوف أخبارك من بعيد.»
«وشوفتي إيه؟»
«شفتك بتكبر في شغلك، وبتبقى أقوى، وبتظهر مع ناس كتير. وبعد فترة، بدأت الأخبار تتكلم عن إنك هتتجوز سيلون.»
ضحكت بمرارة.
«وصدقتي إني نسيتك؟»
قالت بهدوء:
«كنت بحاول أصدق ده عشان أعرف أكمّل.»
سكتنا.
وبعدين سألتها سؤالًا ماكنتش متأكد إني مستعد أسمع إجابته.
«الأولاد يعرفوا مين أبوهم؟»
هزت راسها.
«لأ. كنت بقولهم إن أبوهم بعيد، وإنه مش عارف بوجودهم.»
حسيت بوجع حقيقي في صدري.
«يعني طول عمرهم فاكرين إني مش عايزهم؟»
«أنا ماقلتلهمش إنك مش عايزهم.»
«بس قلتي إنك مش عارفة إذا كنت هترجع لهم ولا لأ.»
سكتت.
عرفت من سكوتها إنها ماكانتش هتقدر تنكر.
قمت من مكاني، ووقفت قدام الشباك.
كنت محتاج أبص لأي حاجة غير وشها، لأن كل مرة كنت ببص فيه، كنت بشوف ست سنين ضاعوا مني.
وبعد لحظة، سمعت صوت صغير من ورا الباب.
«ماما؟»
ليليان اتجهت ناحية الباب بسرعة وفتحته.
كان يونس واقف لوحده، ماسك لعبة عربية صغيرة.
بصلي، وبعدين بص لأمه.
«هو الراجل ده هيزعلك؟»
ليليان نزلت لمستواه.
«لأ يا حبيبي.»
يونس فضل باصصلي.
وبعدين سألني مباشرة:
«إنتَ هتخلي ماما تعيط؟»
السؤال ده كان أصعب من أي مواجهة دخلتها في حياتي.
نزلت على ركبتي قدامه، عشان أبقى في نفس مستوى عينيه.
قلت:
«لأ. مش هحاول أزعّلها.»
فكر شوية، وبعدين قال:
«طيب، إنتَ تعرف تصلح الألعاب؟»
بصيت للعربية اللي في إيده.
«على حسب العطل.»
مدهالي.
«دي عجلتها وقعت، وماما قالتلي هنصلحها بكرة، بس أنا عايزها دلوقتي.»
أخدت العربية، وبصيت للعجلة الصغيرة اللي كانت مفكوكة.
ضحكت لأول مرة من ساعة ما شفتهم.
«دي سهلة.»
رجعت ركبت العجلة مكانها، وجربت ألفها بإصبعي.
يونس ابتسم.
«إنتَ شاطر.»
الكلمة خلتني أبص له تاني.
كنت عايز أضمه.
كنت عايز أقول له إني أبوه، وإنه مش محتاج يستنى بكرة عشان يصلح لعبة، ولا يستنى حد غريب عشان يحس بالأمان.
لكن ماكانش من حقي أفرض عليه الحقيقة كلها في لحظة واحدة.
رجعت له العربية.
فقال وهو بيجري ناحية أمه:
«ماما، الراجل ده طلع كويس!»
ليليان بصتلي من فوق راسه.
وفي عينيها كان فيه شيء ما شفتوش من سنين.
خوف، آه.
لكن تحته كان فيه حزن قديم، وحنين حاولت تدفنه وماعرفتش.
بعد نص ساعة، كنت واقف في مكتبي داخل الفندق، وبصيت على صورة الأطفال الأربعة اللي طلبت من المصور يلتقطها بموافقة ليليان، عشان أقدر أبص لهم بعد ما يمشوا.
ماكانوش صورة رسمية.
كانوا قاعدين على كنبة كبيرة، وآدم عامل نفسه جاد، ويونس رافع العربية اللي اتصلحت، وعمر بيضحك، وآسر حاطط إيده على كتف أخوه.
أربعة أطفال.
أربعة أرواح كان المفروض أكون موجود في أول يوم مدرسة ليهم، وفي أول مرة يقعوا ويتعوروا، وفي كل مرة يصحوا من النوم ويحتاجوا حد يطمنهم.
لكن بدل ده، كنت بعيد عنهم تمامًا.
خبط ماركو على الباب ودخل.
قال:




