روايات وقصص

اربع اطفاا حكايات صافي هاني

«سيلون مش مبسوطة. والدتها بتقول إن التأجيل ده إهانة للعيلة كلها.»

حطيت الصورة على المكتب.

«أنا هكلمهم بنفسي.»

ماركو قرب من المكتب.

«في حاجة تانية لازم تعرفها.»

بصيت له.

«قول.»

«أمك عرفت إن ليليان موجودة. وهي دلوقتي في القاعة اللي جنب الصالون، وطلبت تشوفك فورًا.»

عقدت حاجبي.

«أمي عرفت من مين؟»

«مش عارف. بس واضح إنها عرفت تفاصيل أكتر من مجرد إن ليليان رجعت.»

قمت من مكاني.

أمي، فيكتوريا موريتي، كانت واحدة من أكتر الناس اللي بعرف أحسب حسابهم. مش لأنها بتتحكم في أي حد بالقوة، لكن لأنها كانت دايمًا بتعرف أكتر مما بتقول.

دخلت عليها، لقيتها واقفة جنب الشباك، لابسة فستان أسود أنيق، وفي إيدها فنجان قهوة ما شربتش منه غير رشفة واحدة.

أول ما شافتني قالت:

«قابلتها؟»

«أيوه.»

«والأولاد؟»

اتجمدت.

«إنتِ عارفة إنهم ولادي؟»

حطت الفنجان على الترابيزة.

«كنت بشك.»

قربت منها.

«بتشكي؟ من إمتى؟»

«من كام سنة.»

حسيت إن الدم انسحب من وشي.

«كام سنة؟»

تنهدت.

«لما أبوك كان عايش، وصلني كلام إن ليليان خلفت أطفال، وإنها اختفت في شيكاغو. حاولت أتأكد، لكن كل مرة كنت بسأل حد، كانت المعلومات بتختفي.»

«وماقلتيليش؟»

بصتلي بعينين متعبتين.

«كنت بخاف أقولك حاجة مش مؤكدة، وأفتح باب مشاكل أكبر.»

ضحكت بمرارة.

«كل واحد في العيلة كان خايف عليّا بطريقته، وفي الآخر محدش فكر يسألني أنا عايز إيه.»

ما اعترضتش.

يمكن لأنها كانت عارفة إن كلامي صح.

سألتها:

«إنتِ تعرفي ليليان مشت ليه؟»

اترددت.

والتردد ده كان كفاية يخليني أعرف إن فيه حاجة تانية.

قلت ببطء:

«ماما، أنا مش مستعد أكتشف إن كل اللي حصل كان متخطط له من أول يوم.»

بصت ناحية الباب، وبعدها رجعت تبصلي.

«أبوك كان عايزك تتجوز من عيلة معينة. كان شايف إن الجواز مش مجرد حب، لكنه تحالف يضمن مستقبل العيلة. ولما عرف إن ليليان حامل، اعتبر وجودها تهديدًا لكل اللي خطط له.»

«ده أنا عرفته منها.»

«فيه حاجة تانية.»

قلبي بدأ يدق بسرعة.

«إيه؟»

راحت ناحية شنطتها، وطلعت ظرف بني قديم، حوافه متنية، وعليه اسمي مكتوب بخط أبويا.

مدتهولي.

«لقيته بين أوراقه بعد وفاته. ماقدرتش أفتحه وقتها، لأني كنت فاكرة إنه متعلق بشغل العيلة. لكن لما عرفت إن ليليان رجعت، افتكرت الظرف.»

أخدته منها.

كان عليه تاريخ يرجع لست سنين.

نفس الشهر اللي اختفت فيه ليليان.

فتحت الظرف بإيدين مش ثابتين، وطلعت منه ورقتين.

الأولى كانت عبارة عن خطاب قصير بخط أبويا.

والتانية كانت صورة لورقة رسمية من مكتب محاماة.

قرأت الخطاب مرة.

وبعدين مرة تانية.

وفي المرة التالتة، حسيت إن كل كلمة بتتحول لسؤال جديد.

كان أبويا كاتب إنه طلب من محامٍ يتولى ترتيب خروج ليليان من بوسطن، وإنه قدم لها مبلغًا ماليًا مقابل إنها تبعد عني، لكنه أضاف جملة خلتني أرفع عيني لأمي.

«لو دومينيك عرف الحقيقة كاملة، مش هيقدر يسامحني أبدًا.»

قلت:

«إيه الحقيقة الكاملة؟»

أمي ما ردتش.

رجعت للورقة التانية.

كانت اتفاقًا موقعًا من ليليان، لكنه مش اتفاق تنازل عن الأطفال، ولا ورقة تثبت إنها باعت حياتها لحد.

كان اتفاقًا ماليًا مؤقتًا، مكتوب فيه إنها هتستلم مبلغًا لتغطية تكاليف انتقالها وسكنها لحد ما تقدر تعتمد على نفسها.

لكن في آخر الصفحة كان فيه بند بخط مختلف، مضاف بعد توقيعها.

بند بيقول إنها وافقت على عدم التواصل مع عائلة موريتي لمدة محددة.

رفعت الورقة قدام أمي.

«هي وقعت على ده؟»

أمي هزت راسها.

«واضح إنها وقعت على الاتفاق الأصلي، لكن مش عارفة إذا كانت شافت البند المضاف ولا لأ.»

حسيت بغضب بارد.

«يعني حتى الورق اتغير؟»

«مش هقدر أقول كده من غير ما نراجع المستندات.»

كان كلامها منطقيًا، لكنه ماخففش غضبي.

حطيت الأوراق في الظرف.

«أنا عايز أعرف كل حاجة. مين المحامي؟ ومين اللي دفع الفلوس؟ ومين اللي كان بيتواصل مع ليليان بعد ما مشيت؟»

أمي سكتت لحظة، ثم قالت:

«اسم المحامي موجود في الورق. لكن فيه اسم تاني لازم تعرفه.»

«مين؟»

بصتلي مباشرة.

«عمك ريتشارد.»

اتسمرت مكاني.

عمي ريتشارد كان أقرب شخص لأبويا في الشغل، وكان هو اللي أشرف على معظم الاتفاقات الكبيرة في العيلة بعد وفاة أبويا.

والأهم من ده، إنه كان أول واحد أصر على جوازي من سيلون.

سألت أمي:

«إنتِ متأكدة؟»

«أنا شفت اسمه في ملف قديم عند أبوك، لكن ماعرفش دوره كان إيه بالضبط.»

لفيت ناحية الباب.

قالت أمي بسرعة:

«دومينيك، قبل ما تواجه أي حد، اسمع ليليان للآخر. يمكن فيه تفاصيل هي نفسها ما تعرفهاش.»

وقفت.

لأول مرة من بداية الليلة، حسيت إن الموضوع أكبر من قرار اتخده أبويا قبل سنين.

رجعت أسألها:

«إنتِ كنتِ عارفة إنهم أربعة؟»

هزت راسها.

«لأ.»

«طيب، محدش هيعرف إنهم ولادي من العيلة قبل ما أنا وليليان نتفق على الطريقة اللي هنقولهم بيها الحقيقة.»

أمي قربت مني، وحطت إيدها على كتفي.

«دومينيك، دول أحفادي.»

بصيت لها.

«وعشان كده لازم تحترمي إنهم أطفال، مش ورثة، ولا جزء من اتفاق عائلي. دول ولاد، ومحتاجين أهلهم يحبّوهم من غير ما يحطوهم وسط مشاكل الكبار.»

أمي سحبت إيدها ببطء، وكأن الجملة لمست حاجة جواها.

وبعدين قالت:

«عندك حق.»

رجعت للقاعة الصغيرة، لكن ليليان ماكانتش موجودة.

لقيت ماركو واقف بره، ومعاه واحدة من موظفات الفندق.

سألته:

«ليليان فين؟»

رد بسرعة:

«مشيت من حوالي عشر دقايق. قالت إنها هترجع الفندق اللي نازلة فيه.»

حسيت بالذعر، لكن حاولت ما أظهرهوش.

«سيبتلك عنوان؟»

«لأ.»

غمضت عيني لحظة.

كنت عارف إنها هتحاول تبعد تاني. بعد كل اللي حصل، كان طبيعي تخاف من وجودي في حياتها، حتى لو أنا نفسي ماكنتش عايز أسبب لها أي أذى.

قلت لماركو:

«هاتلي تليفونها لو عندك رقمها، لكن محدش يتبعها ولا يضايقها. أنا هكلمها بنفسي.»

هز راسه.

وبعد شوية، وصلتني رسالة من رقم غريب.

كانت من ليليان.

«الأولاد ناموا. محتاجين نكمل كلامنا بكرة، بعيد عن الفندق وعن أي حد من عيلتك. لو لسه عايز تعرف الحقيقة، تعالى لوحدك الساعة عشرة الصبح، على عنوان هبعتهولك.»

قرأت الرسالة أكتر من مرة.

وبعدين كتبت لها:

«هكون هناك. ومش هجيب حد معايا.»

ردت بعد دقيقة:

«وفيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تيجي. أنا ماخبيتش عنك الأولاد بس.»

فضلت باصص للشاشة.

كتبت:

«قصدك إيه؟»

ظهرت علامة إنها بتكتب، واختفت.

رجعت ظهرت تاني.

وبعدين وصلتني رسالة واحدة.

«أنا كمان ماكنتش أعرف إن أبوك كان بيخطط لكل ده لوحده.»

قبل ما ألحق أرد، وصلت رسالة تانية.

«دومينيك، فيه شخص من عيلتك كان عارف مكاني طول الست سنين. وكان عارف إن عندك أربعة أولاد. والشخص ده هو اللي طلب مني أرجع بوسطن النهارده.»

حسيت إن قلبي وقف لحظة.

كتبت بسرعة:

«مين؟»

لكنها ما ردتش.

اتصلت بيها.

التليفون رن مرتين، وبعدها اتقفل.

حاولت تاني، لكن الرقم بقى خارج الخدمة.

في اللحظة دي، دخل ماركو مكتبي، ووشه متغير.

قال:

«دومينيك، فيه مشكلة.»

بصيت له.

«إيه؟»

حط قدامي تليفونه، وكان فاتح صورة من كاميرا مراقبة الفندق.

الصورة كانت لليليان وهي خارجة من الباب الجانبي، ومعاها الأطفال الأربعة.

لكن اللي خلاني أقف من مكاني مش هي.

كان الراجل اللي واقف بعيد عنهم، جنب عربية سوداء، وبيتابعهم بعينيه.

عرفته فورًا.

عمي ريتشارد.

قلت بصوت منخفض:

«إمتى الصورة دي؟»

«من عشرين دقيقة.»

«هو لسه هنا؟»

«لأ. العربية مشيت بعدها بدقيقتين.»

فضلت باصص للصورة، وبعدين فتحت الرسالة الأخيرة من ليليان.

الشخص اللي من عيلتي كان عارف مكانها، وعارف الأولاد، وطلب منها ترجع بوسطن النهارده.

وعمي ريتشارد كان واقف في نفس المكان، في نفس الوقت.

لكن ليه؟

وليه اختار الليلة اللي المفروض أتقدم فيها لسيلون؟

وليه ليليان وافقت ترجع بعد ست سنين من غير ما تقولي أي حاجة؟

رفعت عيني لماركو.

«عايزك تجيبلي كل المعلومات اللي عندنا عن سفر عمي خلال السنين الست اللي فاتت. وكل الملفات القديمة اللي تخص ليليان، لكن من غير ما تكلم ريتشارد أو أي حد قريب منه.»

ماركو هز راسه وخرج.

رجعت قعدت على الكرسي، وحطيت إيدي على رأسي.

كنت فاكر إن أكبر صدمة في حياتي هي إني اكتشفت إن عندي أربعة أولاد.

لكن دلوقتي بدأت أفهم إن ظهورهم ماكانش مجرد صدفة.

حد رجّعهم لحياتي لسبب.

وحد كان مستني يشوف أنا هتصرف إزاي.

تاني يوم الصبح، وصلت للعنوان اللي ليليان بعتهولي.

كان بيتًا صغيرًا في شارع هادي، بعيد عن وسط بوسطن، له حديقة ضيقة وباب أبيض محتاج يتدهن من جديد.

ماكانش فيه أي شيء يشبه الأماكن اللي اتعودت أروحها.

وده كان مريحني بشكل غريب.

خبطت على الباب.

ليليان فتحت بعد ثواني، وكانت لابسة بنطلون جينز وبلوفر رمادي، وشعرها سايب على كتفها.

لما شافتني، بصت ورايا تتأكد إني لوحدي.

«إنت جيت لوحدك؟»

«أيوه، زي ما وعدتك.»

بعدت عن الباب وسمحتلي أدخل.

البيت كان بسيطًا ودافيًا. ألعاب صغيرة على الأرض، رسومات ملونة معلقة على الحيطان، وأربعة أكواب بلاستيك على الترابيزة.

فوق التلاجة كان فيه جدول أسبوعي مكتوب عليه أسماء الأولاد ومواعيد المدرسة والأنشطة.

وقفت قدامه.

كان كل شيء في المكان بيحكي عن حياة كاملة اتبنت من غيري.

ليليان قالت:

«الأولاد في المدرسة. هرجع أجيبهم بعد الظهر.»

هزيت راسي، وحاولت ما أبصش للصور العائلية المعلقة على الحيطة.

كانت صورًا لها مع الأولاد في أعياد ميلادهم، وفي أول يوم مدرسة، وعلى شاطئ البحر.

في كل صورة، كانت بتضحك.

وكنت أنا غايبًا عن كل لحظة.

قعدنا في الصالة.

حطت قدامي كوب قهوة، وقعدت على الكرسي المقابل.

قلت:

«وصلتني رسالتك. إنتِ قلتي إن فيه حد من عيلتي طلب منك ترجعي.»

هزت راسها.

«أيوه.»

«مين؟»

فتحت درجًا صغيرًا في الترابيزة، وطلعت منه ظرفًا أبيض.

«الرسالة دي وصلتلي من أسبوعين. كانت من رقم مجهول، لكن الشخص اللي بعتها كان عارف تفاصيل مايعرفهاش غير حد قريب من عيلتك.»

مدت الظرف ناحيتي.

فتحته.

كان جواه خطاب مطبوع، من غير توقيع.

«ليليان روسي،

بعد ست سنوات من الغياب، حان الوقت إنك ترجعي إلى بوسطن. دومينيك يستحق يعرف الحقيقة عن أولاده، لكن الحقيقة دي لازم تتقال في وجود الأشخاص اللي اتخذوا القرارات من البداية.

تعالي يوم السبت، إلى فندق بيلفيو، الساعة السابعة مساءً.

لو عايزة تعرفي مين اللي كان بيمنع رجوعك، هتلاقي الإجابة هناك.»

رفعت عيني لها.

«ليه وافقتي؟»

قالت:

«لأن الرسالة كانت عارفة اسم المدرسة اللي الأولاد بيدرسوا فيها، وعارفة عنوان البيت اللي كنا ساكنين فيه قبل ما ننتقل. الشخص ده كان متابعنا، أو على الأقل عنده معلومات عن حياتنا.»

سكتت لحظة.

«أنا خفت. لكن في نفس الوقت، كنت تعبت من إني أعيش وأنا ببص ورايا كل شوية. وكنت عارفة إن الأولاد كبروا، وإنهم في يوم من الأيام هيسألوني عن أبوهم. ماكنتش عايزة أفضل أهرب طول عمري.»

بصيت للخطاب تاني.

«هل عندك فكرة مين بعت الرسالة؟»

هزت راسها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى