
بنتي حبيبة اللي عندها سبعتاشر سنة قضت تلات أيام كاملين واقفة في المطبخ تطبخ وتجهز عزومة لـ تلاتة وعشرين فرد بمناسبة عيد ميلاد أمي الـ 67. وقبل العزومة بعشر دقايق، أبويا بعتلي رسالة يقول فيها: “قررنا نحتفل في مطعم أحسن.. كبار بس بدون عيال”. وبعدها اتفاجئت إنهم خصموا من كارت الفيزا بتاعي ألف تلاتمية وسبعة وعشرين دولار وتسعين سنت عشان عشوتهم دي. أنا ما اتخانقتش معاهم، كل اللي عملته إني عملت مكالمة واحدة غيرت كل حاجة. وبعد خمس عشرة ساعة، لقيتهم جايين بيخبطوا على باب بيتي بغضب وبيطالبوني أصلح اللي هما عملوه.
قبل عيد ميلاد أمي بعشر دقايق، كانت بنتي حبيبة بتحط اللمسات الأخيرة على تورتة تلات طبقات.
تلات وعشرين طبق كانوا جاهزين على ترابيزة السفرة. ورد طبيعي، كروت عليها أسامي الضيوف بخط إيدها، ومنيو مكتوب بعناية. البيت كله كان ريحته بط محمر، وزعتر طازة، وزبدة بلدي سايحة.
حبيبة كانت بقالها تلات أيام بتطبخ وتتعب. نفسها تطلع شيف محترف، والليلية دي كانت فرصتها عشان تثبت إنها قد المسؤولية وبقت شاطرة.
“يا ماما، تفتكري تيتا هتعجبها تتبيلة اللفندر؟”
ابتسمت لها وقلت: “هتعجبها جداً يا حبيبتي.”
في لحظتها تليفوني رن. رسالة من بابا على جروب العيلة: “قررنا نحتفل في مطعم بره.. السهرة للكبار بس.”
بصيت في الشاشة وأنا مش مصدقة. أكيد في غلطة! كلمته في التليفون فوراً.
“يا بابا، مطعم إيه ده؟”
رد عليّ بكل برود وبسرعة: “ما إحنا وصلنا خلاص يا بنتي.. والكل قاعد على الترابيزة أهو.”
“الكل؟”
“أمم.. أمك، وأختك، والعيال، وكل الناس.”
بصيت ناحية أوضة السفرة.. تلات وعشرين كرسي فاضي.
“يا بابا، دي حبيبة قعدت تلات أيام تطبخ وتتعب عشانكم!”
تنهد وقال: “خلاص، تبقي تحط الباقي في الفريزر.. ما تكبريش الموضوع بقى.” وقفل السكة في وشي.
كلمت أمي، وكان صوتها متضايق إني قطعت عليها قعدتها: “يا هالة، البنت لسه عندها سبعتاشر سنة، وما حبناش نجازف وناكل أكل عاملاه طفلة صغيرة.”
فتحت بق من الصدمة وقلت: “حبيبة أخدت كورسات طبخ وفصلت المنيو كله على حسب نظامكم الغذائي وأكلكم الصحي!”
قالت لي: “كلام جميل يا هالة، بس هي مش شيف حقيقي يعني.” وقفلت هي كمان.
وبعدها أختي كلمتني: “بصراحه يا هالة، مفيش حد كان حابب يكون حقل تجارب لحبيبة.. لازم تتعلم إن الدنيا مش دايرة لوحدها حواليها.”
وقبل ما أرد، دخلت حبيبة الصالة: “ماما؟ هو ليه ما حدش جه لحد دلوقتي؟”
شافتي وشي، وبعدين بصّت على موبايلي وشافت جروب العيلة. واحد منهم كان منزل صورة من جوه المطعم. تيتا بتضحك، وجدو بيرفع كاسه، وولاد أختي قاعدين جنبهم.. نفس الولاد اللي كانوا من شوية “صغيرين” ومش نافعين لحفلة الكبار!
حبيبة فضلت باصة للصورة، وبعدين بصّت لتورتة عيد الميلاد. كانت كاتبة عليها بإيدها بشوكولاتة غامقة: “كل سنة وأنتِ طيبة يا تيتا.”
قالت بصوت همس: “يا ماما، هما بجد مش جايين؟”
ما قدرتش أنطق ولا أجوبها. قلعت مريلة الطبخ في هدوء وقالت بحزن: “شكل مفيش فايدة فيا.. أنا مش كويسة كفاية.”
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي كلام قالوه أهلي.
وفي اللحظة دي، تليفوني رن تاني. رسالة من البنك: تم خصم 1327.90 دولار في مطعم.. باستخدام كارت الشغل بتاعي! نفس المطعم اللي أهلي بيحتفلوا فيه من غيرنا.
بصيت على التفاصيل مرتين.. مطلعش إنهم طنشوا عشاء بنتي وبس، دول كمان استغلوا فلوسي عشان يدفعوا حساب قعدتهم وسهرتهم!
بصيت لحبيبة، ولقيتها باصة للتورتة اللي ما حدش قرب لها، والدموع نازلة على خدودها.
قالت بصوت واطي: “تعالي نرمي الأكل كله.”
قلت لها بحسم: “لأ.. مش هنرمي تعب تلات أيام شغل شاق.”
مسكت تليفوني. أول واحد كلمته كان جوزي، وبعدين جيرانا، وشوية أصحاب لينا، وناس من المنطقة. قلت لهم إن بنتي عملت أكل يكفي تلاتة وعشرين فرد، وفجأة لقينا الكراسي فاضية: “تعالوا كلكوا نتشرف بيكم وتشاركونا الأكل.”
في خلال نص ساعة، العربية ورا العربية بدأت تركن قدام البيت. الناس دخلت شايلة ورد، ومشروبات، وكراسي. حبيبة كانت مرعوبة وقالت: “ماما، إنتي بتعملي إيه؟”
“بديهم فرصة يذوقوا إبداعك ونظافة إيدك.”
وبسرعة، كل الكراسي اتملت. حبيبة بدأت تقدم أول صنف. الصمت ساد المكان من حلاوة الطعم، وبعدها حد قال بصوت واطي: “يا صلاة النبي، إيه الحلاوة دي!”
على وقت الحلو، الناس كلها كانت بتصقف بحرارة.
بس كان في ضيفة مختلفة.. ست معاها شنطة كاميرات حضرت بعد ما سمعت باللي حصل. دي صحفية شابة متخصصة في شؤون الأكل والمطاعم. دقت أكل حبيبة، وصورت كل طبق، وسألت عن الوصفات، وبعدين أخدتني على جنب وقالت لي: “بنتك دي عندها موهبة استثنائية.. تفتكري لو كتبت عن الليلة دي مش هتبقى مشكلة؟”
ما كنتش مهتمة أوي، لحد الساعة اتنين بالليل.. رسالة وصلتني فيها لينك الخبر. الصحفية نزلت مقال تحفة، مش بس عن الأكل، لكن حكت الحكاية كاملة: ليه تلاتة وعشرين شخص دعوا في آخر لحظة، وليه أهل حبيبة ما حضروش، وإزاي أنا اللي دفعت تمن عشاء المطعم اللي عملوه مكان حفلة بنتي!
مع شروق الشمس، الناس بقت تشير المقال، والكومنتات مكنتش مبطلة.
كنت واقفة في المطبخ وسمعت حد بيخبط على باب بيتنا بعنف.. خبط جامد ومستمر.
بصيت من الشباك.. أبويا، أمي، وأختي.. التلاتة وشهم مقلوب وغضبانين جداً.
فتحت الباب، وأبويا حتى ما كلفش خاطره يسلم وقال بحدة: “إنتي لازم تلحقي اللي حصل ده حالا!”
أمي زقتني وقالت: “هو إنتي فاهمة الناس بتقول علينا إيه في الشارع؟”
أختي رفعت تليفونها وقالت: “إنتي هتروحي تخلي الصحفية دي تكدب اللي كتبته!”
وقفت مكاني ساكتة وثابتة تماماً.. وفجأة سمعت خطوات ورايا. حبيبة كانت نازلة، لسه لابسة نفس الهدوم اللي كانت بتخدم بيها الناس.
ملامح وش أمي اتغيرت أول ما شافتها، وشاورت بصوابعها عليها بغضب، والكلام اللي طلع من بقها خلاني أفهم كويس إنهم ما جوش عشان يعتذروا.. هما جايين عشان يحاسبوا حبيبة ويخلوها تدفع تمن الفضيحة اللي العالم كله عرفها.
جوزي ظهر في الممر في نفس اللحظة اللي أمي خطت فيها خطوة تانية ناحية بنتي. بص لوش حبيبة، وبعدين بص لأهلي، ووقف بينهم قبل ما أنطق بحرف واحد.وووو



