
وقف جوزي قدام حبيبة ومد إيده يمنع أمي من إنها تقرب منها، وقال بصوت هادي لكنه حاسم:
“محدش هيتحرك ناحية بنتي خطوة واحدة قبل ما أفهم إيه اللي بيحصل هنا!”
أبويا بص له باستهزاء وقال: “بنتك؟ وإنت كمان داخل في الموضوع؟ دي بنتنا وإحنا أحرار نربيها ونعلمها الأدب، ومش هنسمح لها تفضحنا قدام الناس بالطريقة دي!”
جوزي رد عليه: “تربوها إزاي؟ هي عملت إيه؟ البنت فضلت تلات أيام واقفة على رجليها عشان تعمل لأهل أمها أكلة حلوة في عيد ميلاد جدتها، وإنتوا اللي قررتوا تسيبوها وتروحوا مطعم، وبعدها استخدمتوا فلوس مراتي من غير إذنها، ولما بنتي زعلت، بدل ما تيجوا تعتذروا، جايين تصرخوا عليها؟”
أمي رفعت صوتها وقالت: “إحنا أهلها، ومن حقنا نقول رأينا فيها! وبعدين هي اللي عملت من الحبة قبة، ما كنا نقدرش ناكل أكل واحدة لسه بتتعلم!”
حبيبة كانت واقفة ورا أبوها، إيديها متشابكة قدامها، ووشها شاحب من كتر العياط اللي عيطته طول الليل. كانت بتحاول تبان قوية، لكن كل ما تسمع كلمة من جدتها تحس إن قلبها بيتعصر من جديد.
بصت لأمي وقالت بصوت بيرتعش: “يا تيتا، أنا مش زعلانة إنكم أكلتم في مطعم. أنا زعلانة إني فضلت تلات أيام بعمل أكل بحبه عشان أفرحك، وكنت كل شوية أتخيل وشك وإنتي بتشوفي التورتة. حتى كتبت عليها كل سنة وإنتي طيبة بإيدي. كنت عايزة أعمل لك حاجة تفرحك، مش أكتر.”
أمي بصتلها للحظة، لكن بدل ما تحس بالذنب، قالت: “يا حبيبتي، إنتي مكبرة الموضوع. يعني عشان عزومة ما تمتّش هتعملي فينا كده؟”
حبيبة هزت راسها ببطء وقالت: “أنا ما عملتش فيكم حاجة يا تيتا. أنا ما كلمتش الصحفية، وما طلبتش منها تكتب عنكم. أنا حتى لما الناس جم البيت، ما حكيتش لهم حاجة. كنت بقدم الأكل وبس.”
هنا أختي دخلت في الكلام وقالت: “آه طبعًا! والصدفة بقى إن صحفية تيجي بيتكم في نفس الليلة، وتصوّر كل حاجة، وتنزل مقال يخلينا أضحوكة البلد كلها! إنتوا فاكريننا عبط؟”
أنا اتكلمت لأول مرة من ساعة ما دخلوا.
“إنتي بتتهمي بنتي بإيه بالظبط؟”
ردت بسرعة: “بتتهمها إنها رتبت الموضوع كله عشان تشهر بينا!”
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة القهر، وقلت: “حبيبة عندها سبعتاشر سنة. كل اللي كانت بتفكر فيه إنها تعمل تورتة حلوة لجدتها. إنتي متخيلة إن بنت في سنها قضت تلات أيام في المطبخ بتجهز عزومة، وفي نفس الوقت كانت بتخطط لحملة تشهير دولية؟”
أختي اتلخبطت للحظة، لكن أبويا قطع كلامنا وقال: “المهم إن المقال يتشال، والصحفية تكتب اعتذار واضح، وإنتي ترجعي الفلوس اللي اتصرفناها من الكارت من غير ما نعمل مشاكل أكبر.”
بصيت له باستغراب.
“أرجع لكم الفلوس؟”
قال بثقة: “أيوه. إحنا عيلة، والمبلغ ده اتصرف في عيد ميلاد أمك. مش معقول هتوقفي على ألف وتلتمية دولار!”
قلت له: “يعني إنت شايف إن الفلوس دي حقكم، لكن تعب بنتي ودموعها مش مهمين؟”
رد بعصبية: “بلاش كلام فاضي يا هالة!”
في اللحظة دي، جوزي خرج من جيبه ورقة مطبوعة، وحطها على الترابيزة اللي جنب الباب.
وقال: “قبل ما نتكلم عن أي فلوس، محتاجين نفهم إزاي المطعم خصم المبلغ ده من كارت الشغل بتاع هالة.”
أبويا بص للورقة، وملامحه اتغيرت.
لأن الورقة ما كانتش مجرد إيصال.
كانت نسخة من تفاصيل عملية الدفع، ومعاها رسالة من البنك بتوضح إن العملية اتنفذت باستخدام بيانات الكارت المحفوظة عند المطعم من حجز قديم.
وأنا افتكرت في اللحظة دي حاجة كنت نسيتها تمامًا.
قبل حوالي شهرين، أبويا طلب مني أحجز له ولأمي عشاء في نفس المطعم بمناسبة ذكرى جوازهم. وقتها كنت مسافرة في شغل، وبعت له بيانات الدفع عشان يحجز بنفسه، ووعدني إنه هيستخدم الكارت في الحجز ده بس.
بعدها نسيت الموضوع.
لكن الكارت اللي كان المفروض يُستخدم في حجز واحد، بقى فجأة وسيلة لدفع فاتورة عشاء تلاتة وعشرين شخص.
بصيت لأبويا وقلت: “إنت استخدمت الكارت من غير ما تستأذنني؟”
رد وهو بيبص في الأرض: “أنا كنت فاكر إنك مش هتعملي مشكلة.”
قلت: “وده معناه إيه؟ إنك تقدر تصرف فلوسي زي ما إنت عايز، وأنا أسكت عشان إحنا عيلة؟”
أمي تدخلت بسرعة: “يا هالة، ما هو أبوكي! مش غريب عنك يعني.”
الكلمة دي خلتني أحس إن السنين كلها عدت قدامي مرة واحدة.
كل مرة كنت أتنازل فيها عشان خاطرهم، وكل مرة كنت أساعد فيها أختي من غير ما أستنى منها حاجة، وكل مرة كنت أقول لحبيبة إن صلة الرحم مهمة وإن العيلة لازم تقف جنب بعض.
لكن محدش فيهم علّم بنتي إن صلة الرحم معناها إنك تقبل الإهانة وتسكت.
قلت لهم: “أنا مش هطلب من الصحفية تشيل حاجة، ومش هطلب من بنتي تعتذر عن وجعها. أما الفلوس، فالبنك هيتعامل مع العملية حسب الإجراءات، وأنا هتعامل مع الموضوع بالطريقة القانونية المناسبة.”
أبويا احمر وشه وقال: “إنتي بتهدديني؟”
رد جوزي: “لأ، هي بتوضح لكم حدودها.”
أمي بصت لحبيبة وقالت بحدة: “إنتي السبب في كل ده. لو كنتي سكتّي وما عيطتيش قدام الناس، ما كانش حد عرف حاجة!”
حبيبة رفعت عينيها ليها، ولأول مرة من ساعة ما دخلوا، صوتها ما كانش بيرتعش.
“أنا مش هعتذر عن إني زعلت يا تيتا. أنا كنت بحبك، وعشان كده كنت عايزة أفرحك. بس أنا مش هقدر أجبرك تحبيني بنفس الطريقة.”
وبعدها طلعت السلم ودخلت أوضتها.
سمعت صوت الباب وهو بيتقفل، وحسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
بصيت لأهلي وقلت: “اتفضلوا. الزيارة انتهت.”
أبويا قرب مني وقال بصوت واطي: “لو قفلتي الباب في وشنا النهارده، ما تلوميش إلا نفسك على اللي هيحصل بعد كده.”



