روايات وقصص

بنتي حبيبه حكايات صافي هاني

فتحت الباب على آخره وقلت: “أنا بقفله عشان بنتي تعرف إن بيتها مكان آمن، حتى لو اللي بره الباب أهل أمها.”

خرجوا، وأمي كانت بتتمتم بكلام مش مفهوم، وأختي فضلت تبص لي بنظرة مليانة غضب قبل ما تمشي وراهم.

قفلت الباب، وأسندت ضهري عليه.

جوزي حضني وقال: “عملتي الصح.”

لكن أنا ما كنتش بفكر في نفسي.

كنت بفكر في حبيبة.

طلعت أوضتها، لقيتها قاعدة على طرف السرير، قدامها دفتر وصفات كبير كانت بتكتب فيه كل أكلة بتتعلمها. على الصفحة الأخيرة كانت كاتبة بخط جميل:

“أكلات نفسي أعملها لتيتا في عيد ميلادها.”

وتحتها قائمة طويلة، فيها أصناف كتير كانت بتخطط تجربها قبل العزومة.

قعدت جنبها وقلت: “حبيبتي، بصي لي.”

رفعت عينيها بصعوبة.

“أنا مش عايزاكي تفتكري إن اللي حصل ده معناه إنك مش شاطرة. إنتي عملتي حاجة ناس كتير أكبر منك ما يقدروش يعملوها.”

قالت: “بس لو أكلي حلو فعلًا، ليه ما جربوش حتى قطعة واحدة؟”

ما لقيتش إجابة سهلة.

مسكت إيديها وقلت: “لأن قرارهم ييجوا أو ما يجوش مش مقياس لموهبتك. ومش كل الناس هتعرف تقدر تعبك، حتى لو كانوا أقرب الناس ليكي.”

سكتت شوية، وبعدين سألتني: “هو أنا لو بقيت شيف مشهورة، تيتا هتكون فخورة بيا؟”

قلبي وجعني من السؤال.

قلت لها: “أتمنى تكون فخورة بيكي، لكن الأهم إنك إنتي تكوني فخورة بنفسك. ما تبنيش حلمك على إنك تثبتي لحد إنه غلط في حقك.”

حبيبة حضنتني بقوة، وفضلنا قاعدين فترة طويلة من غير كلام.

ما كنتش أعرف إن اليوم ده، اللي بدأ بخيبة أمل كبيرة، هيكون بداية تغيير حقيقي في حياتنا كلنا.

لكن التغيير ده ما بدأش باعتذار، ولا بمكالمة من أمي تقول فيها إنها ندمانة.

بدأ برسالة وصلتني الساعة تسعة الصبح من الصحفية.

كانت بتقول إنها تلقت اتصالًا من إدارة المطعم، وإنهم عايزين يتكلموا معايا بخصوص عملية الدفع، لأن الموضوع اتضح إنه أكبر من مجرد خلاف عائلي.

في نفس اليوم، رديت على الصحفية وطلبت منها توضح لي قصدها.

قالت إن مدير المطعم راجع تفاصيل الحجز بعد ما انتشر المقال، واكتشف إن الاسم الموجود في الحجز مش اسم صاحب الكارت، وإن الموظف اللي استقبل بيانات الدفع ما كانش عنده تفويض واضح يسمح باستخدامها في مناسبة مختلفة.

وأضافت إن المطعم مش عايز يدخل في خلاف عائلي، لكنه محتاج يتأكد إن صاحب الكارت موافق على العملية.

قلت لها: “أنا ما وافقتش على دفع العشاء ده، لكن عندي استعداد أتعامل مع الموضوع رسميًا مع البنك والمطعم.”

قالت: “ده حقك. وأنا كمان حابة أوضح إن المقال ما اتكتبش عشان أهاجم حد. أنا حضرت وشفت بنتك وهي بتقدم الأكل، واتكلمت معاكم، وكل اللي نشرته كان مبني على اللي حصل قدامي وعلى المعلومات اللي وافقتوا تشاركوها.”

شكرتها وقفلت المكالمة.

بعدها اتصلت بالبنك، وبلغتهم إن فيه عملية مالية أنا مش موافقة عليها بالشكل اللي تمت بيه. طلبوا مني تفاصيل العملية، وقدموا لي تعليمات الاعتراض عليها.

ما حاولتش أزود على الحقيقة، وما اتهمتش حد بحاجة ما أقدرش أثبتها.

قلت اللي أعرفه بالظبط، وسيبت البنك يراجع الموضوع.

وبعد الظهر، اتصل بيا مدير المطعم بنفسه.

اعتذر عن الإزعاج، وقال إنهم بدأوا مراجعة داخلية، وإنهم هيحتفظوا بسجلات الحجز والدفع لحد ما الموضوع يتراجع بشكل كامل.

سألته إذا كان ممكن يبعت لي نسخة من الفاتورة والتفاصيل المتاحة.

وافق، وبعد ساعة وصلتني رسالة فيها المستندات المطلوبة.

ولما فتحت الفاتورة، اكتشفت حاجة خلتني أرجع أبص فيها مرتين.

المبلغ النهائي كان فعلًا ألف وتلتمية وسبعة وعشرين دولار وتسعين سنت، لكن الفاتورة كان فيها بنود إضافية غير الأكل والمشروبات، منها رسوم حجز خاصة وخدمة لمناسبة كبيرة.

والأغرب إن أختي كانت مسجلة في الحجز باعتبارها الشخص المسؤول عن المجموعة.

يعني مش أبويا بس اللي كان عارف إن الفاتورة هتتدفع من الكارت المحفوظ.

أختي كمان كانت موجودة في تفاصيل الحجز، وكانت عارفة إن الدفع اتعمل بالطريقة دي.

وقتها فهمت إن الموضوع ما كانش مجرد تصرف عشوائي من أبويا، وإن لازم أواجه الحقيقة كاملة مهما كانت مؤلمة.

في المساء، اتصلت بيا أختي.

أول ما رديت، قالت: “إنتي وصلتي الموضوع للبنك كمان؟”

قلت: “أيوه. دي فلوسي، ومن حقي أعرف اتصرفت إزاي.”

قالت بعصبية: “إنتي عايزة تحبسّي أبوكي عشان عشاء؟”

رديت: “أنا ما طلبتش حبس حد، وما اتهمتش حد بحاجة مش متأكدة منها. أنا اعترضت على عملية دفع ما وافقتش عليها.”

قالت: “طيب ما كنتي كلمتينا الأول!”

قلت: “أنا كلمت بابا، وكلمت ماما، وكلمتك إنتي. إنتوا ما اعتذرتوش، وما حدش فيكم حتى سأل حبيبة عاملة إيه. كل اللي كان يهمكم إن الناس ما تتكلمش عنكم.”

سكتت لحظة، وبعدها قالت: “إنتي عارفة إن جوزي شاف المقال؟ وإنه بيقولي إني كان لازم أرفض العزومة من الأول؟”

قلت: “دي حاجة تخصكم.”

قالت: “يعني مش فارق معاكي إن بيتي يتخرب؟”

اتوجعت من كلامها، لكن ردي كان واضح.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى