روايات وقصص

بنتي حبيبه حكايات صافي هاني

“أنا ما خربتش بيتك. أنا ما طلبتش من جوزك يلومك، وما نشرتش صوركم، وما قلتش لأي حد يهاجمكم. إنتي زعلانة من النتيجة، لكن ما فكرتيش لحظة في السبب اللي وصلنا لكده.”

قالت بصوت مخنوق: “إنتي عمرك ما كنتي كده يا هالة.”

قلت لها: “يمكن لأني طول عمري كنت بخاف أزعلكم أكتر من خوفي على نفسي. المرة دي بس قررت ما أظلمش بنتي عشان أرضيكم.”

قفلت المكالمة.

كنت عارفة إن أختي مش هتقبل كلامي بسهولة، وإن الخلاف مش هيخلص في يوم وليلة.

لكن لأول مرة، ما حسيتش إني مطالبة أصلح كل حاجة حتى لو أنا مش اللي بوظتها.

بعد يومين، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.

الصحفية بعتت لي رسالة تانية، وقالت إن المقال وصل لمديرة مدرسة متخصصة في فنون الطهي، وإن المديرة مهتمة تقابل حبيبة بعد ما شافت صور الأطباق اللي اتصورت في الليلة دي.

في البداية، اترددت.

ما كنتش عايزة بنتي تتحول لموضوع على مواقع التواصل، ولا عايزاها تحس إن عليها تثبت للناس إن أهلها كانوا غلطانين.

لكن لما عرضت عليها الفكرة، عينيها لمعت لأول مرة من يوم العزومة.

قالت: “يعني ممكن أتعلم عندهم بجد؟”

قلت: “ممكن تروحي تسمعي منهم وتعرفي التفاصيل، وبعدها تقرري بنفسك.”

في اليوم المحدد، لبست حبيبة هدوم بسيطة وأخدت دفتر وصفاتها معاها.

رحنا للمكان، واستقبلتنا المديرة، وكانت ست في الخمسينات اسمها الأستاذة نادية، عندها خبرة طويلة في تدريب الشباب على الطبخ وإدارة المطابخ.

قعدت مع حبيبة، وطلبت منها تحكي عن نفسها وعن الأكلات اللي بتحب تعملها.

حبيبة في الأول كانت متوترة، لكن لما بدأت تتكلم عن الوصفات، نسيت خوفها.

شرحت لها إزاي بتوازن بين النكهات، وإزاي بتختار المكونات حسب الموسم، وإزاي بتكتب ملاحظاتها بعد كل تجربة عشان تطور الطبق في المرة اللي بعدها.

الأستاذة نادية كانت بتسمع باهتمام، وبعدها قالت: “أنا مش هقدر أحكم على مستواكي من كلامك بس، لكن واضح إن عندك شغف حقيقي. الشغف مهم، بس محتاج تدريب والتزام وصبر.”

وبعدين عرضت عليها فرصة تحضر ورش تدريب للمبتدئين، مع إمكانية التقدم لبرنامج تدريبي أطول لما تستوفي شروطه.

حبيبة بصت لي، كأنها مش مصدقة.

قلت لها: “دي فرصتك يا حبيبتي. خديها واحدة واحدة.”

في طريق الرجوع، كانت بتتكلم عن الأدوات اللي نفسها تتعلم تستخدمها، وعن وصفات جديدة عايزة تجربها، وعن فكرة إنها تعمل منيو خاص بيها يومًا ما.

ولأول مرة من أيام، سمعت ضحكتها من قلبها.

لكن في الوقت اللي حبيبة بدأت فيه تستعيد ثقتها بنفسها، كانت المشاكل العائلية بتكبر.

أبويا بعت لي رسالة طويلة، قال فيها إني خذلته، وإنه عمره ما كان يتوقع إني أسمح للناس تتكلم عنه بالطريقة دي.

ما ردتش على طول.

استنيت لحد ما هديت، وبعدها كتبت له:

“يا بابا، أنا مش عايزة أخسرك، لكن مش هقدر أرجع علاقتنا زي الأول من غير ما يبقى فيه اعتراف باللي حصل. أنا بحبك، لكن حبي ليك مش معناه إنك تستخدم فلوسي من غير إذني، ولا إنك تهين بنتي وتطلب منها تسكت. لما تكون مستعد نتكلم باحترام، أنا مستعدة أسمعك.”

ما جاليش رد.

عدى أسبوع، وبعده أسبوع تاني.

أمي كانت أحيانًا تبعت رسالة تسأل فيها عن أحوالنا، لكن ما كانتش بتجيب سيرة العزومة، ولا تعترف إنها جرحت حبيبة.

كنت برد باحترام، لكن من غير ما أفتح باب الخلاف من جديد.

أما أختي، فكانت بتتصرف كأننا إحنا اللي ظلمناها.

وبالرغم من كل ده، ما منعتش حبيبة إنها تتكلم عن جدتها أو تسأل عليها.

كنت عايزاها تفهم إن وضع الحدود مش معناه إنها لازم تكره حد، لكنه معناه إنها ما تسمحش لحد يهينها بحجة القرابة.

وفي يوم، بعد حوالي شهر من العزومة، رجعت حبيبة من التدريب وهي شايلة علبة صغيرة.

دخلت المطبخ، وحطتها على الترابيزة، وقالت: “ماما، عملت حاجة ليكي.”

فتحت العلبة، لقيت فيها تارت فاكهة صغير، متزين بطريقة جميلة جدًا، والألوان فيه متناسقة كأنه خارج من محل حلويات محترف.

بصيت لها بفخر وقلت: “إنتي اللي عملتي ده كله؟”

ضحكت وقالت: “أيوه، بس الأستاذة نادية عدلت لي شوية حاجات في طريقة التسوية.”

قطعت قطعة صغيرة ودقتها.

كانت فعلًا لذيذة، لكن الأجمل بالنسبة لي كان إن بنتي رجعت تتكلم عن الطبخ بحماس، من غير ما كل جملة تقولها تنتهي بسؤال إذا كانت شاطرة كفاية ولا لأ.

حضنتها وقلت: “أنا فخورة بيكي يا حبيبة.”

قالت: “أنا كمان بقيت فخورة بنفسي يا ماما.”

الجملة دي كانت أغلى عندي من أي جائزة ممكن تاخدها.

بعد شهرين، وصلني اتصال من البنك.

قال الموظف إن مراجعة الاعتراض خلصت، وإنهم توصلوا لنتيجة بخصوص العملية محل الشكوى. شرح لي القرار والإجراءات المتاحة، وطلب مني تأكيد بعض البيانات.

قدمت المطلوب، وبعد فترة اتعملت تسوية للمبلغ وفقًا لنتيجة المراجعة.

ما احتفلتش، ولا حسيت إن الموضوع بقى معركة كسبتها ضد أبويا.

بالعكس، كنت حزينة إن الأمور وصلت للمرحلة دي أصلًا.

لكن كان فيه فرق واضح بين إني أطالب بحقي وبين إني أتنازل عنه لمجرد إن اللي أخده مني شخص قريب.

وبعدها بأيام، المطعم بعت لي رسالة اعتذار عن طريقة التعامل مع بيانات الدفع، وأكدوا إنهم راجعوا الإجراءات الداخلية الخاصة بالحجوزات واستخدام البطاقات المحفوظة.

احتفظت بالمراسلات، وقفلت الملف من ناحيتي.

كنت عايزة أرجع أعيش حياتي من غير ما كل يوم أصحى أفكر في اللي حصل.

لكن يبدو إن العيلة كان لسه عندها كلام تاني.

في مساء يوم جمعة، كنت بحضر العشاء لما جرس الباب رن.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى