
فتحت، لقيت أمي واقفة لوحدها.
ما كانش معاها أبويا، ولا أختي.
كانت ماسكة علبة حلوى صغيرة، ووشها باين عليه التعب.
قالت: “ممكن أدخل يا هالة؟”
اترددت لحظة، وبعدها فتحت لها الباب.
دخلت وقعدت في الصالة، وفضلت تبص حواليها كأنها بتفتكر الليلة اللي كانت فيها الترابيزة مليانة أكل، والكراسي كلها فاضية.
قلت لها: “تحبي تشربي حاجة؟”
هزت راسها وقالت: “لأ، أنا جاية أتكلم معاكي.”
قعدت قدامها.
بدأت كلامها وهي بتبص في إيديها: “أنا عارفة إنك زعلانة مني.”
ما رديتش.
كملت: “وأنا كمان كنت زعلانة من اللي حصل. حسيت إن الناس كلها بتبص لي، وإن صورتي قدامهم اتغيرت.”
سألتها بهدوء: “وطب حبيبة؟ فكرتي هي حست بإيه؟”
رفعت عينيها لي، وسكتت.
قلت: “إنتي كنتي عارفة إنها بتحبك. كنتي عارفة إنها فضلت تلات أيام تطبخ عشان عيد ميلادك. ولما سألتك عن الأكل، قلتي لها إنها مش شيف حقيقي. هي كانت محتاجة تسمع منك كلمة تشجعها، مش حكم يخليها تشك في نفسها.”
أمي مسحت عينيها بمنديل وقالت: “أنا ما كنتش أقصد أوجعها.”
قلت: “ممكن تكوني ما قصدتيش، لكن ده ما يغيرش إنها اتوجعت.”
فضلت ساكتة شوية، وبعدها سألت: “هي لسه زعلانة مني؟”
قلت لها الحقيقة: “هي بتحبك، لكن ثقتها اتأثرت. ومش هقدر أطلب منها تنسى كل حاجة عشان إنتي زعلانة من النتيجة.”
أمي نزلت عينيها، وبعد لحظات قالت: “أنا عايزة أشوفها.”
ناديّت على حبيبة، وقلت لها إن جد
ناديّت على حبيبة، وقلت لها إن جدتها موجودة وعايزة تتكلم معاها، وإن القرار قرارها.
نزلت بعد شوية، ووقفت عند باب الصالة.
أمي قامت من مكانها، وبصتلها بعينين مليانين دموع.
“حبيبة، أنا آسفة.”
حبيبة ما اتحركتش.
أمي كملت: “أنا غلطت لما ما جيتش العزومة، وغلطت أكتر لما قللت من تعبك وموهبتك. كان المفروض أفرح بيكي وأشجعك، حتى لو كنت شايفة إنك لسه بتتعلمي.”
حبيبة سألتها: “طيب ليه ما قولتيليش كده من الأول؟ ليه استنيتي لما الناس اتكلمت؟”
السؤال كان مباشر، وأمي ما حاولتش تهرب منه.
قالت: “لأني كنت بفكر في نفسي وفي كلام الناس أكتر ما كنت بفكر فيكي. ودي كانت غلطة مني.”
حبيبة بصت لها فترة طويلة، وبعدين قالت: “أنا مش عايزة أفضل زعلانة منك يا تيتا. بس مش عايزة لما أعمل حاجة حلوة تحسسيني إنها مالهاش قيمة.”
أمي قربت منها بحذر، وسألتها إذا كانت تسمح لها تحضنها.
حبيبة وافقت، واتحضنوا.
لكن أنا كنت عارفة إن حضن واحد مش هيمسح كل حاجة، وإن الاعتذار الحقيقي لازم يظهر في التصرفات اللي جاية.
وقبل ما أمي تمشي، قالت إنها هتتكلم مع أبويا، وإنها مش هتطلب مني أتنازل عن حقي في موضوع الفلوس.
لأول مرة من شهور، حسيت إن فيه احتمال إن العلاقة تتصلح، حتى لو ببطء.
أما أبويا، فكان موقفه أصعب.
لما أمي رجعت البيت وحكت له اللي حصل، اتعصب وقال لها إنها بتضعف قدامنا، وإن المفروض العيلة تقف مع بعضها بدل ما كل واحد يدور على مصلحته.
لكن أمي ردت عليه بكلام ما كانتش بتقوله له قبل كده.
قالت له: “إحنا اللي غلطنا يا محمود. مش معنى إن هالة بنتنا إنها ملهاش حق علينا. ومش معنى إن حبيبة حفيدتنا إننا نقدر نجرحها وبعدين نطلب منها تنسى.”
أبويا رفض الكلام، وانتهت المناقشة بينهم من غير اتفاق.
مر أسبوع تاني، وبعدين اتصل بيا.
صوته كان هادي، لكنه ما كانش معتذر.
قال: “إنتي راضية عن اللي حصل؟”
قلت: “أنا مش راضية عن اللي حصل، يا بابا. بس مش هقدر أرجع الزمن وأغيره.”
قال: “الناس لسه بتتكلم.”
قلت: “الناس هتتكلم يومين وبعدين تنشغل بحياتها. إنما حبيبة كانت ممكن تفضل سنين فاكرة إن أهلها مش شايفين تعبها ولا مقدرينها.”
سكت، وبعدها قال: “أنا غلطت في موضوع الكارت.”
استنيت أكمل كلامه.
قال: “كان المفروض أستأذنك.”
قلت: “أيوه، كان المفروض.”
لكنه ما اعتذرش عن الطريقة اللي عامل بيها حبيبة، وما قالش إنه غلط لما وصفها إنها مش شاطرة.
فقلت له: “يا بابا، أنا مش محتاجة منك تقول كلام مش مقتنع بيه. لكن لو عايز علاقتنا ترجع، لازم تفهم إن بنتي مش أقل من أي حد في العيلة، وإن مشاعرها مش حاجة نستهين بيها.”
رد بعد لحظة: “هفكر في كلامك.”
ما ضغطتش عليه.
كنت عارفة إن فيه ناس بتحتاج وقت عشان تواجه أخطاءها، لكن كنت عارفة كمان إن الوقت لوحده مش كفاية من غير تغيير حقيقي.
عدت الشهور، وحبيبة كملت تدريبها.
بدأت تتعلم أساسيات سلامة الغذاء، وتنظيم المطبخ، وحساب تكلفة الوصفات، وطرق تقديم الأطباق بشكل احترافي.
كانت بتغلط أحيانًا، وتعيد الوصفة مرتين وتلاتة، وفي بعض الأيام كانت بترجع محبطة لأن حاجة ما طلعتش زي ما كانت متخيلة.
لكن الفرق إنها ما كانتش بتعتبر الغلطة دليل على إنها فاشلة.
كانت تفتح دفترها، تكتب إيه اللي حصل، وتسأل مدربتها إزاي تحسن النتيجة في المرة اللي بعدها.
وفي نهاية البرنامج الأول، نظمت المدرسة يومًا لعرض الأطباق اللي اتعلمها المتدربون.
حبيبة اختارت تعمل طبق بط مشوي بصوص البرتقال، ومعاه خضار موسمي، وبعده تارت صغير بالفواكه.
افتكرت ليلة عيد ميلاد أمي، لما كانت واقفة في المطبخ قدام تورتة تلات طبقات، ودموعها بتنزل لأنها افتكرت إن تعبها مالوش قيمة.




