
المرة دي كانت واقفة قدام لجنة من المدربين والزوار، بتشرح مكونات طبقها بثقة.
ولما خلصت، المدربة نادية ابتسمت وقالت لها: “واضح إنك اتعلمتي كتير، والأهم إنك بقيتي عارفة إن التطور محتاج صبر.”
حبيبة حصلت على شهادة إتمام البرنامج، واتصورت مع زملائها وهي رافعة الشهادة وبتضحك.
الصورة دي حطتها في إطار صغير على مكتبها.
مش عشان تثبت لحد إنها نجحت.
لكن عشان تفتكر اليوم اللي قررت فيه ما تستسلمش.
قبل عيد ميلاد أمي اللي بعده بشهر تقريبًا، اتصلت بيا أختي.
قالت: “ماما نفسها تعمل عيد ميلادها في البيت السنة دي.”
سألتها: “طيب؟”
قالت: “كانت بتقول لو حبيبة وافقت، ممكن تساعد في تجهيز الحلو.”
سكت لحظة، وبعدين قلت: “حبيبة مش مطالبة تعمل أي حاجة عشان ترضي حد. لو هي حابة تشارك، يبقى براحتها، ولو مش حابة، لازم نحترم قرارها.”
أختي قالت: “أنا فاهمة.”
وبعد يومين، أمي اتصلت بحبيبة بنفسها.
ما طلبتش منها تطبخ، ولا قالت لها إنها لازم تساعد عشان خاطر العيلة.
قالت: “يا حبيبة، أنا عيد ميلادي قرب، وكنت حابة أعزمكم عندي. مش لازم تعملي أي حاجة، أنا بس نفسي أشوفك.”
حبيبة بصت لي قبل ما ترد.
قلت لها: “خدي وقتك وفكري.”
وبعد شوية قالت لجدتها: “هحضر يا تيتا، بس المرة دي أنا جاية كضيفة. مش هقدر أطبخ للعزومة.”
أمي ردت بسرعة: “طبعًا يا حبيبتي. إنتي ضيفتي، ومش مطلوب منك تعملي أي حاجة.”
ولما قفلت المكالمة، حبيبة ابتسمت ابتسامة صغيرة.
قالت: “أنا عايزة أديها فرصة، بس مش عايزة أرجع لنفس اللي حصل.”
قلت: “وده حقك.”
جاء يوم عيد الميلاد.
رحنا بيت أمي، وكان فيه عدد أقل من الضيوف، لكن الجو كان أهدى وأبسط.
أمي استقبلت حبيبة بنفسها، وحضنتها، وقالت لها إنها مبسوطة إنها جت.
على السفرة كان فيه أكل متنوع، وبعد العشاء دخلت أختي بتورتة صغيرة اشترتها من محل معروف.
أمي قطعت أول قطعة، وبعدين بصت لحبيبة وقالت: “أنا عايزة أقول حاجة قدامكم كلكم.”
الناس سكتت.
قالت: “السنة اللي فاتت، حبيبة تعبت عشان تعمل لي عيد ميلاد مميز، وأنا ما قدرتش تعبها. اتصرفت بطريقة جرحتها، وخلتني أخسر لحظة كانت ممكن تبقى من أجمل ذكرياتي. أنا مش بقول الكلام ده عشان أحرج نفسي أو عشان حد يمدحني، أنا بقوله عشان حبيبة تعرف إني فاهمة غلطتي، وعشان محدش فينا يكررها مع حد تاني.”
حبيبة كانت باصة لجدتها، وعينيها بدأت تدمع.
أمي قربت منها، ومسكت إيديها وقالت: “أنا فخورة إنك ما استسلمتيش، وفخورة إنك بتتعلمي وبتطوري نفسك. وآسفة إني ما قلتلكيش ده وقت ما كنتي محتاجاه.”
حبيبة حضنتها.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة اتغيرت فعلًا.
مش لأن الماضي اختفى، لكن لأن أمي أخيرًا اعترفت بالأذى من غير ما تلوم بنتي عليه.
بعد شوية، أبويا قرب من حبيبة.
كان واضح عليه إنه مش عارف يبدأ كلامه إزاي.
قال: “أنا كمان كان ليا دور في اللي حصل. استخدمت الكارت من غير إذنك، واتصرفت كأن من حقي أقرر عنك وعن أمك. ده كان غلط.”
وبعد تردد، أضاف: “وما كانش من حقي أقول إنك مش شاطرة، وأنا حتى ما دقتش أكلك.”
حبيبة بصت له، وقالت: “أنا كنت محتاجة تسمعني يا جدو، مش تحكم عليا.”
هز راسه وقال: “عارف.”
ما كانش اعتذار طويل، لكنه كان أول مرة يعترف فيها بالغلط من غير ما يضيف بعدها كلمة تبرر تصرفه.
وأنا كنت عارفة إن الثقة مش هترجع في يوم واحد، لكن الباب اتفتح أخيرًا.
بعد العيد، علاقتنا بأهلي بدأت تتحسن بالتدريج.
ما بقيناش نوافق على كل حاجة لمجرد إننا خايفين نزعل حد، وبقينا نتكلم بوضوح عن الفلوس والمواعيد والمسؤوليات.
أبويا ما استخدمش أي كارت من كروتي تاني، وأمي بقت تسأل حبيبة عن تدريبها ووصفاتها، وتسمع لها باهتمام.
أما أختي، فاستغرقت وقت أطول عشان تتجاوز اللي حصل، لكنها في يوم بعتت لحبيبة رسالة تعتذر فيها عن اتهامها إنها رتبت الموضوع عشان تفضح العيلة.
حبيبة قبلت اعتذارها، لكن العلاقة رجعت بالتدريج، من غير وعود كبيرة ولا توقعات مستحيلة.
وفي يوم، بعد حوالي سنة من الليلة الأولى، رجعت البيت لقيت حبيبة بتحضر تارت فاكهة في المطبخ.
كانت لابسة مريلتها، وشعرها مربوط، ودفتر الوصفات مفتوح جنبها.
سألتها: “بتعملي إيه يا شيف؟”
ضحكت وقالت: “بجرب وصفة جديدة. عندي تدريب عملي الأسبوع الجاي، وعايزة أكون جاهزة.”
بصيت على التارت، وافتكرت التورتة اللي كانت بتعملها لجدتها، واللي فضلت مستنياها وسط تلاتة وعشرين كرسي فاضي.
المرة دي ما كانش فيه كراسي فاضية، ولا حد بيحكم عليها قبل ما يدوق، ولا بنت واقفة مستنية حد يقول لها إنها تستحق الحب.
كان فيه بنت بتتعلم، وبتغلط، وبتنجح، وبتبني حلمها بإيديها.
قربت منها، ودقت حتة صغيرة من الحشو.
بصت لي بقلق وقالت: “إيه رأيك؟”
ابتسمت وقلت: “محتاجة تتظبط حاجة بسيطة.”
ضحكت وقالت: “عارفة! أنا كمان حسيت إن السكر محتاج يقل شوية.”
وبعدها رجعت تكمل شغلها، وهي بتتكلم عن خططها للمستقبل.




