
فرح سيلفى الصغير كان قرب، وسلفتي قالتلي بحماس: – إحنا عاوزين نأجر فساتين نلبسها يوم الفرح، ونروح نعمل ميكب آرتست، وكمان نأجر لحماتي تونيك حلو كده يليق بيها. تعالي نقول للعريس يتكفل بالكلام ده… المفروض إن ده فرحه، وإحنا واجهة الفرح!
الفكرة عجبتني، واتفقنا إننا نطلب منه المبلغ كله مرة واحدة بدل ما كل واحدة تشيل هم حاجة.
اتكلمنا معاه وقلنا:
– إحنا عايزين 12 ألف جنيه. خمسة ليا، وخمسة لسلفتي، وألفين لحماتك، نعمل لها ميكب آرتست ونجهزها معانا.
ولما عرف إن أمه داخلة في الموضوع، وافق من غير تردد:
– حاضر.
هو كان لسه جاي من الكويت، وربنا موسع عليه، فاعتبرنا إن المبلغ مش هيأثر عليه.
أخدنا
حماتي معانا وقلنا لها:
– تعالي الأتيليه اختاري تونيك حلو للفرح.
بصتلنا وقالت:
– بس أنا ما معيش فلوس.
سلفتي ردت بسرعة:
– مالكيش دعوة بالفلوس يا ماما، سيبيها علينا. أنا وهي هنقسم الحساب بالنص.
رحنا الأتيليه، وقسنا الفساتين، وحماتي اختارت تونيك عجبها، واتفقنا إننا نرجع قبل الفرح بساعتين نلبس ونعمل الميكب.
وقبل ما نمشي، حماتي قالت بإصرار:
– أنا هدفع تمن إيجار لبسي، محدش يدفعلي حاجة.
قولنالها:
– خلاص يا ماما، براحتك.
وبعدها سلفتي اقترحت:
– طب ما نروح نشتري إكسسوارات وشوزات كمان.
وفعلًا اشترينا كل اللي ناقصنا، وبقينا مستنيين يوم الفرح.
وجِه اليوم…روحنا الأتيليه في معادنا، لبسنا
الفساتين، ودخلنا الكوافير نعمل الميكب.
كنت قاعدة قدام المراية ومبسوطة، وبقول لنفسي إن أخيرًا هنفرح ونعدي اليوم ده على خير.
وفجأة سلفتي مسكت موبايلها واتصلت على حماتها:
– اللبس عجبك يا ماما؟
ردت عليها باستغراب:
– إيه؟ عرفك منين؟
سلفتي ضحكت وقالت:
– إحنا كلنا هنا بنجهز.
وبعد المكالمة بدقايق، باب الكوافير اتفتح بعنف…لقيت حماتي داخلة وهي في حالة عصبية شديدة، وأول ما شافتنا بدأت تصرخ:
– إنتوا عملتوا فيا كده ليه؟!
إحنا ما لحقناش حتى نفهم بتتكلم عن إيه، لقيتها هجمت علينا وبدأت تشد في شعرنا!
فضلنا نصوت من الألم، والميكب آرتست بتحاول تبعدها وتهديها:
– يا مدام،
اهدي بس… إيه اللي حصل؟
لكن حماتي كانت في حالة هيستيريا، وصاحبة المكان اضطرت تطلعنا كلنا بره لحد ما أهلنا يجوا.
بعد شوية جوزي وجوز سلفتي جم، ومعاهم أهلنا، وقعدوا يهدوا حماتي لحد ما عرفنا سبب اللي حصل.
اتضح إن ابنها كان قال لها إنه دفع لنا الـ12 ألف جنيه.
حماتي أول ما سمعت الرقم، اتجننت أكتر وقالت:
– يعني ابني دفعلكم 12 ألف جنيه وأنا آخر واحدة أعرف؟! وإنتوا كمان عاملين لي حساب بألفين جنيه؟! هو أنا شحاتة؟!
حاولنا نفهمها إننا دخلناها في الموضوع عشان نفرحها، وإننا ما قصدناش نهينها أو نقلل منها، لكنها كانت رافضة تسمع أي كلام.
وبعد وقت طويل، هديت أخيرًا،
ورجعنا دخلنا نكمل تجهيزنا.
لكن أول ما سألت الكوافيرة:
– الميكب السواريه بكام؟
قالتلها:
– ألف جنيه للواحدة.
حماتي بصت لها وقالت:
– هاتي الفلوس.
الكوافيرة استغربت:
– فلوس إيه؟
ردت حماتي بعصبية:
– إحنا مش هنعمل ميكب. هنروح نجيب مكياج ونعمله لنفسنا.
وفعلًا خرجتنا من المكان بعد المغرب… بالفستان، ومن غير ميكب، ومن غير أي شكل من أشكال الفرحة… ركبنا وإحنا ساكتين، وكل واحدة فينا بتحاول تخبي إحراجها عن التانية…كنت متضايقة من اللي حصل، لكني قلت لنفسي إن أهم حاجه إن الفرح يعدي وخلاص.
وصلنا الفرح وإحنا بنحاول نضحك قدام الناس ونخبي اللي حصل… لكن أول ما دخلنا القاعة، اتفاجأنا بحاجة محدش فينا كان متوقعها….!!!
دخلنا باب القاعة ورجلينا بتترعش من كتر الكسوف، بنحاول نرسم ابتسامة باهتة على وشوشنا عشان نداري الفضيحة اللي حصلت في الكوافير ووشوشنا اللي مغسولة ومفيهاش نقطة مكياج، الفساتين السواريه الفخمة كانت متبهدلة من الشد والجذب، وطرحنا ملفوفة أي كلام، والعيون كلها بدأت تلف وتبصلنا بذهول، وفجأة اتسمرنا مكاننا لما لقينا حماتي واقفة في صدر القاعة ولابسة فستان سهرة كامل وميكب آرتست معمول على أعلى مستوى ومجوهراتها كلها بتلمع، وكأنها هي العروسة مش أم العريس، وفوق كل ده واقفة بتوزع شربات وبتضحك بأعلى صوتها وكأن مفيش أي حاجه حصلت قبل ساعة واحدة بس!
بصيت لسلفتي ولقيتها مبرقة، الشفايف بتترعش من الغيظ والصدمة، همست في ودني وقالت: “شايفة؟ دي مكنتش متضايقة
من الفلوس ولا حاجة، دي كانت خطة عشان تكسرنا وتنزلنا من غير نقطة ميكب وتظهر هي الملكة في الفرح!”، مقدرتش أرد، كنت حاسة بنار بتغلي في صدري، وخاصة لما لقيت جوزي وأخوه واقفين جنبها بيضحكوا وفرحانين، ولا كأنهم شافوا أمهم من شوية وهي بتشدنا من شعرنا وتطردنا في الشارع قدام الناس والمارة، والمصيبة الأكبر إن المعازيم بدأوا يتهامسوا: “هما سلايف العريس مالهم جايين بوشوشهم كده ليه؟ هما متخانقين ولا قاصدين يقلوا بأصل الفرح؟”، الكلام كان بينزل زي الرصاص على قلبي.
قربنا بالراحة خطوة ورا خطوة عشان نسلم على العريس، أخو جوزي الصغير، اللي أول ما شافنا وشه اتغير وبان عليه الإحراج، جه يقرب مننا عشان يطمن ويسألنا عملتوا إيه في الفلوس اللي خدتوها، لكن حماتي قطعت عليه الطريق بسرعة الصاروخ، وقفت وسطينا وحطت إيدها على كتف ابنها وقالت بصوت عالي سمّع كل الطرابيزات اللي حوالينا: “معلش يا حبيبي، سلايفك حبوا يوفروا عليك، قالوا مش هنعمل ميكب عشان مصاريفك، أصلهم أصلا مش غاويين بهرجة ولا مظاهر، كتر خيرهم برضه شالوا عنك!”، الكلمتين نزلوا علينا زي المية المغلية، الست قلبت الترابيزة بالكامل وطلعت نفسها هي الحنينة اللي حافظت على فلوس ابنها، وخلتنا إحنا اللي شكلنا بخلا أو مهملين وما عملناش حساب لقيمة الفرح.
سلفتي مقدرتش تمسك نفسها، وشها احمر وعروق رقبتها برزت، وقالت بصوت مخنوق وهي بتبص في عين حماتي مباشرة: “إحنا اللي وفرنا برضه يا حماتي؟
ولا إنتِ اللي بوظتي علينا ليلتنا وحرمتينا نفرح زي باقي الستات؟”، الصوت علي شوية والمعازيم القريبين بدأوا يسكتوا ويلتفتوا ناحيتنا، جوزي لمح الموقف من بعيد وجري بسرعة، مسكني من دراعي قوّة وهو بيجز على سنانه وهمس: “اقفلي بؤك إنتِ وهي، مش كفاية الفضيحة اللي عملتوها بعد الظهر؟ مش هسمح لكم تبوظوا فرح أخويا قدام عيلة العروسة والناس اللي جاية من الكويت!”، حسيت بإهانة عمري، الراجل مش شايف الظلم اللي اتعرضنا له ومش فارق معاه غير كلام الناس ومنظره قدام أهله.
الموقف اتأزم أكتر لما أهل العروسة دخلوا يسلموا، وأم العروسة بصت لنا من فوق لتحت بقرف كده وهمست لحماتي: “هما دول سلايف العريس؟ أمال مالهم متبهدلين كده ومفيش في وشهم زوق؟ ده إحنا كنا فاكرين إنكم عيلة بتحب المظاهر زي ما سمعنا!”، حماتي ابتسمت بمكر وردت ببرود: “معلش يا أختي، كل واحد وتربيته وذوقه، المهم الفرحة للعروسة وابني”، في اللحظة دي سلفتي شدتني من إيدي وقالتلي: “تعالي ورايا على الحمام، إحنا مش هنفضل واقفين ملطشة كده للرايح والجاي”، مشينا وسط القاعة وإحنا حاسين إن الأرض بتسحبنا من كتر نظرات الشماتة والاستغراب اللي كانت محاوطانا من كل ترابيزة بنعدي من جنبها.
دخلنا الحمام وقفلنا الباب بالمفتاح، وسلفتي انهارت في العياط وضربت بإيدها على الحوض: “والله ما هعديها لها! الست دي دمرت أعصابنا وخلت العيلة كلها تبصلنا بنظرة وحشة، ولازم نرد كرامتنا النهاردة قبل ما الفرح
يخلص!”، سألتها بقلة حيلة وإحباط: “هنعمل إيه يعني؟ الرجالة كلهم مع أمهم وضدنا، وأي حركة هنعملها هنتطلق فيها في نفس الليلة!”، سلفتي مسحت دموعها بسرعة وبصتلي في المراية بعيون كلها شر وغيظ وقالت: “الفلوس… الـ12 ألف جنيه لسه في شنطتي، والعريس لسه مفكر إننا دفعهم للأتيليه والكوافير، وحماتي بتوهمه إنها هي اللي رجعتهم له، إحنا لازم نكشف اللعبة دي قدام العيلة كلها وقدام العروسة وأهلها قبل ما البوفيه يتفتح!”.
خرجنا من الحمام وبدأنا نراقب التحركات في القاعة، الموسيقى كانت صاخبة والدي جي مشغل أغاني مهرجانات والكل بيرقص، لكن جوانا كان فيه بركان بيغلي ومستني لحظة الانفجار، وحماتي كانت واقفة جنب الكوشة بتوزع أظرف وهدايا دهب على العروسة قدام الكاميرات، وكل شوية تبص ناحيتنا بابتسامة نصر مستفزة تزيد النار حطب. سلفتي استغلت لحظة نزول العريس من الكوشة عشان يشرب مية وراحت ناحيته بخطوات سريعة، وأنا مشيت وراها وقلبي بيدق في رجلي مش عارفة الليلة دي هترسي على إيه، بس كنت متأكدة إن اللي جاي مش هيعدي بسلام، والمواجهة اللي هتحصل هتفتح أبواب جهنم على الكل ومش هتسيب حد سليم في البيت ده.
وفعلاً، أول ما وصلنا للعريس وفتحنا الموضوع، لقينا وشه بيتقلب وألوانه بتتبدل، وسألنا بصوت واطي ومرعوب: “إنتوا بتقولوا إيه؟! يعني أمي هي اللي أخدت الفلوس التانية وقالتلي إنكم ضيعتوهم؟! ده الحوار كده كبير أوي ومفيهوش تراجع!”… والشرارة كانت جاهزة
عشان تولع في الفرح كله.




