روايات وقصص

مفاجاه في المحكمه حكايات صافي هاني

دخل أبويا وأمي قاعة المحكمة وهما فاكرين إنهم جايين ينقذوا ابنهم وأخيرًا يدفنوا سيرة البنت. وفجأة أبواب القاعة اتفتحت، والبدلة العسكرية البيضاء بتاعتي لمعت تحت النور، وأخويا همس بصوت مخنوق: “مش معقول… ده بيحصل بجد؟”، لأن الأخت اللي كان شالها من تاريخه، كانت خلاص على وشك تبقى أعلى وأخطر شاهد إثبات للحكومة.

 

يوم الثلاث الصبح ده، كانت قاعة المحكمة ريحتها مرمر ملمّع، قهوة محروقة، وخوف مستدار. أخويا لُطفى كان قاعد على ديسك الدفاع، لابس بدلة كويسة، كتافه مفدودة وفكه مشدود، ومرسوم على وشك نظرة الملاك اللي ضحكت على الجيران وأهل الشارع كله وخلتهم يثقوا في شركة “درع الصفا للمقاولات”.

ورا منه كانوا قاعدين أبويا وأمي، عم الحاج وماما صفا، لابسين كأن الشياكة والاحترام هيقدروا ينقذوهم في آخر لحظة. أمي كانت ماسكة شنطتها بإيديها الاتنين كأنها بتتشبث بطوق نجاة، وأبويا بيبص ناحية منصة القاضي، وغلبان ومش عارف إني كنت أصلاً جوه المبنى من بدري.

طول عشر سنين، كانوا عايشين جوه قصة لُطفى اللي ألفها عن حياتي. حسب روايته، أنا ما استملتش الضغط، اترفضت من الجيش، هربت في الخفاء وأنا مكسورة، وبعدين رجعت أرجاه يستر على اسم العيلة.

فضل يعيد الكدبة دي ويحكيها كتير لحد ما أمي وأبويا بقوا يصدقوها. يمكن لأنهم استسهلوا يصدقوا إن بنتهم فاشلة، أهون بكتير من إنهم يواجهوا الحقيقة ويشكوا في ابنهم.

كنت عندي تسع سنين لما قلتلهم إني نفسي أدخل الكلية العسكرية، وأبويا حذرني وقال لي ما تبدأيش حاجة ما تقدريش تخلصيها. والقسوة بجد إني خلصتها بامتياز، وسط تدريبات ناشئة، ليالي من غير نوم، وشغل علمني إزاي أثبت وسط ما الدنيا كلها تنهار حواليا.

لُطفى كان محتاجني مكسورة ومنتهية، لأن نجاحي كان بيصغره قدام نفسه. عشان كده زوّر إيميلات من حسابي القديم، وعمل ورق رفد مفبرك، وسحب تحويشة عمري اللي سبتها في البنك، ومهد طريقه لحد ما وصل لأملاك جدنا وضحك على الكل.

في العزومات والمؤتمرات، السمعة اللي لبسها لي بقت جزء من دراما النجاح بتاعه. لُطفى بقى الابن البار، وأما أهلي فمش بس صدقوه، دول كمان حموه ودافعوا عنه.

آخر مرة نزلت فيها البلد وكنت لابسة نفس البدلة العسكرية اللي لُطفى ادعى إني اترفضت منها، أبويا بص للورق المضروب اللي قدامه، وبعدين بص لي في عيني، واختار لُطفى في النهاية. وسؤال أمي الوحيد كان: “أنتِ راجعة عشان محتاجة فلوس؟”.

في الليلة دي، حسيت إن فيه حاجة جويا ماتت وسكتت للأبد. بطلت أترجي أهلي يبصوا لي بإنصاف.

بعد سنين، وقت مراجعة حكومية لقرارات ومناقصات تخص تعويضات وأزمات، ظهر اسم شركة لُطفى قدامي على اللابتوب. مميزات خاصة لقدامى المحاربين، نسبة شراكة للمحاربين، تاريخ خدمة معتمد، وفصل مشرف، مع قصة كفاح مربوطة باسم العيلة.

كل سطر في الملف ده كان بتاعي. إمضتي المنسوخة، تاريخ خدمتي، وهويتي.

لُطفى حوّل موتي الوهمي لمصدر سبوبة ودخل ثابت، ولما المحققين شدوا الخيط ده، شبكة العيلة كلها بدأت تفك. لقوا إمضاءات أمي وأبويا على ضمانات وأصول مرهونة ومدخرات تقاعد ضايعة، وكل ده في قضية نصب كانوا فاكرين إنهم بيحموا بيها ابنهم.

لما الحكومة سألتني لو موافقة أشهد، ردي كان بسيط وحاسم: أيوه. مش عشان انتقم، بس عشان حرام الكدبة تعيش وتدفن صاحبها الحقيقي.

أهلي دخلوا وهم مستنيين يشوفوا البنت المكسورة الضعيفة اللي لُطفى صورها لهم. بس بدل ده، وكيل النيابة وقف، والأبواب الخلفية اتفتحت، وجزمي خبطت على المرمر وأنا داخلة القاعة بكامل هيئتي العسكرية ونياشيني تلمع.

شنطة أمي وقعت على الأرض بصوت مسموع. وأبويا قام نص وقفة من على الكرسي، مابين الفخر والرعب، بينما لُطفى لف ببطء ورا. عيونه نزلت من البدلة البيضاء على النياشين، ولحد رتبتي، ولأول مرة من سنين، شفت اليقين بيموت ويهرب من وش أخويا.

القاعة بقت هادية بطريقة تخوف. وكيل النيابة رفع ملف تخين، وبص لي وقال بصوت عالي: “من فضلك، اذكري اسمك ورتبتك وسجل العسكرية بوضوح للمحكمة”.

ضحكت
“الحساب كام؟”
بصتلي لحظة
وبعدين قالت
“مفيش حساب”
ضحكت
قالت
“أنا اتعلمت”
“البيت اللي يفتح بابه لحد مش بيبيعله الأكل”
“والعيلة مش فاتورة”
سكت شوية
وبعدين قالت
“بس عندي طلب”
قلت
“إيه؟”
قالت
“لو زعلتك في يوم تاني قوليلي”
“متهربيش”
ابتسمت
“وعد”
وبعدها بشهر
قررت أوسع الكافيه
وأعمل فرع جديد
وأحمد كان واقف جنبي
وليلى وعمي حسن حضروا الافتتاح
لكن المرة دي
ليلى كانت أول واحدة تدخل
وأول حاجة عملتها
إنها حطت ظرف صغير على المكتب
قلت
“إيه ده؟”
قالت
“افتحيه”
فتحته
لقيت الفاتورة القديمة
فاتورة الشاليه
لكن عليها جملة مكتوبة بخط إيدها
“الفاتورة دي اتلغت”
ضحكت
وبصيت لها
قالت
“وفيه واحدة جديدة”
قلت
“إيه؟”
قالت
“فاتورة حب”
وتحتها كانت كاتبة
“رانيا
بنتي
الرصيد المستحق: عمر كامل من المحبة”
بصيت لها ودموعي نزلت
وقلت
“دي أول فاتورة مش هزعل منها”
ضحك أحمد
وقال
“أهو كده ماما أخيرًا فهمت”
ليلى ضربته على كتفه
“اسكت يا أحمد”
وضِحكنا كلنا
وساعتها فهمت إن اللي حصل مكنش مجرد قصة عن حمات حاسبت مرات ابنها على الأكل
كانت قصة عن الخوف
والسيطرة
والندم
والغفران
وعن إن الإنسان ممكن يغلط غلطة كبيرة
لكن لو امتلك الشجاعة يعترف بيها
ممكن يبدأ من جديد
أما أنا
ففضلت محتفظة بالفاتورة القديمة
مش علشان أفتكر الإهانة
لكن علشان أفتكر اليوم اللي اتعلمت فيه إن كرامتي مش مرتبطة ببيت حد
ولا بأكلة
ولا بفلوس
ولا برضا أي إنسان عني
أنا رانيا
البنت اللي دخلت بيت حماتها وهي خايفة إنها متكونش من العيلة
وخرجت منه وهي عارفة إن العيلة الحقيقية
مش اللي تقولك
“كل حاجة ليها تمن”
العيلة الحقيقية هي اللي تقولك
“كلي يا بنتي”
وتحط الطبق قدامك
من غير ما تستنى منك مقابل
ومن يومها
كل ما ليلى تعمل أكل
تنده عليا وتقول
“رانيا تعالي كلي”
وأقول لها
“من غير فاتورة؟”
فتضحك وترد
“الفاتورة الوحيدة إنك متبعديش عني.”
وأنا كل مرة كنت بحضنها
وأقول
“خلاص يا ماما.”
لأن بعض الفواتير فعلًا لازم تتدفع
لكن مش بالفلوس
فيه فواتير بتتدفع بالاعتذار
وفواتير بتتدفع بالغفران
وفواتير بتتدفع بحب صادق
وأغلى فاتورة في الدنيا
هي فاتورة الندم
لأن لما تيجي متأخر
مفيش فلوس في الدنيا تقدر ترجّع الوقت.
ومن يومها
بقيت مؤمنة إن اللي بيزرع في قلوب الناس حسابات
هيلاقي نفسه في الآخر
عايش لوحده وسط أرقام كتير
أما اللي يزرع رحمة
حتى لو خسر مرة
هيكسب عمر كامل من القلوب.
وده كان بالضبط اللي حصل مع ليلى
هي بدأت الحكاية بورقة
وفاتورة
وكلمة قاسية
لكنها انتهت بكلمة واحدة
“سامحيني”
وأحيانًا
كلمة واحدة صادقة
تقدر تمسح وجع سنين.

المشهد الأخير والخاتمة

عدت سنين على اليوم اللي ليلى حاسبتني فيه على كل لقمة أكلتها في بيتها
وساعات لما أفتكر الموقف أضحك
مش علشان اللي حصل كان بسيط
لكن علشان عمري ما كنت أتخيل إن فاتورة صغيرة مكتوبة بقلم أسود هتغير حياة عيلة كاملة
أنا ورانيا اللي كنت وقتها داخلة بيت ليلى وأنا بحاول أرضيها بأي طريقة
بقيت بعد سنين صاحبة بيت مفتوح ليها قبل أي حد
والأغرب إن ليلى نفسها هي اللي بقت تقول لأي حد يدخل بيتها
“البيت بيتك”
وأنا كنت كل مرة أسمعها أبتسم
لأن الكلمة دي كانت زمان ناقصة منها حاجة
كانت بتقولها للناس بلسانها
لكن قلبها مكنش مصدقها
لحد ما فهمت إن البيت مش حيطان
وإن العيلةisComposite مش اسم مكتوب في البطاقة
العيلة هي المكان اللي تقدر تدخله وإنتِ مطمنة إن محدش هيحاسبك على وجودك
وفي يوم من الأيام
كنت قاعدة في الكافيه بعد ما قفلنا
والدنيا كانت هادية
العمال مشيوا
والأنوار كانت نصها مطفية
وأنا قاعدة قدام الشباك وبراجع حسابات اليوم
سمعت صوت الباب
رفعت عيني
لقيت ليلى داخلة
كانت شايلة شنطة صغيرة
وقالت

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى