
المستشفى كانت ريحتها مطهرات والهدوء فيها يوتر الأعصاب. أحمد كان قاعد على السرير، رأسه ملفوفة برباط أبيض، وكتفه الشمال متثبت، بس نظرة عينيه كانت أشد صلابة من الأوقات اللي فاتت كلها.
الدكتور دخل طمنا إن الخياطة في رأسه عشر غرز، والكتف فيه جزع شديد بس مفيش كسر. أنا كنت قاعد جنبه، ماسكة إيده اللي بتترعش من التعب، وكل ما أفتكر المنظر بتاع البلطجية وهما رابطينه والدم نازل على وشه، جسمي كله يترعش.
على الساعة تسعة الصبح، والنيابة لسه بتبدأ التحقيق في المحضر، الباب بتاع أوضة المستشفى اتفتح فجأة من غير استئذان.
دخل الحاج متولي، عم أحمد الكبير، ومعاه تلاتة من كبار العيلة. ملامحهم كلها كانت متجهة وناشفة، مفيش في عينيهم أي عاطفة ولا حتى سؤال عن صحة ابن أخوهم المرمي على سرير المستشفى.
الحاج متولي قرب من السرير، وقفت أنا بسرعة ووقفت ورا أحمد. عمك متولي بص لأحمد بنظرة كلها غضب ونطق بصوت جاف زي الحطب:
— حمد الله على السلامة يا أحمد… أظن اللعبة كده زادت عن حدها، والقلم اللي كنت عايز تديه لأمك وأختك تحول لمهزلة العيلة كلها بتتفرج عليها!
أحمد بص لعمك متولي بهدوء، ومسح جبهته بإيده السليمة وقال ببرود:
— الله يسلمك يا حاج متولي. بس هي مش لعبة… دي جريمة سطو مسلح واقتحام بيت وشروع في قتل، والنيابة هي اللي بتهندم المسألة دلوقتي.
الحاج متولي ضرب عصايته في الأرض بقوة هزت الأوضة وصادها صدى عالي:
— نيابة إيه وزفت إيه اللي بتتكلم عنه؟! أمك الحاجة سناء وأختك سمر بايتين في التخشيبة من امبارح مع الحرامية والبلطجية! الستات اللي صانوا اسم أباك الله يرحمه يترد بيهم في الأقسام عشان خاطر حتتين دهب وشوية فلوس في البنك؟! انت اتجننت يا أحمد؟!
أحمد اتعدل في قعدته بالعافية، رغم الوجع اللي كان باين في وشه، وبص لعمك متولي في عينه مباشرة وقال بثبات يرعب:
— الستات دول يا حاج… جابوا بلطجية بعتلات وشوم، كسروا باب بيتي في نص الليل، طفوا الكهرباء، ربطوني ونزفوني دم، وكانوا هيقتلوا مراتي أو يأذوها عشان ياخدوا فلوس بالForce والسرقة! هما اللي رموا اسم أبويا في الطين لما مشيوا مع البلطجية
اسمع يا أحمد… العيلة ملهاش دعوة بالغلط اللي حصل، بس العيلة مش هتقبل إن سناء وسمر يفضلوا في التخشيبة ساعة كمان. المحامي بتاعنا برة، وحضر إقرار تنازل عن المحضر. هتمضي التنازل دلوقتي، والقضية تتقفل وتطلع أمك وأختك.
أحمد ابتسم ابتسامة سخرية وقال:
— وإذا ممضيتش؟
الحاج متولي بصلي أنا الأول، وبعدين رجع بص لأحمد وقال بوضوح:
— إذا ممضيتش… هتنزل من المستشفى دي تلاقي نفسك برة العيلة تماماً. لا ليك أرض، ولا ليك حق في ورث أبوك الباقي، ولا حد من العيلة هيدخل بيتك ولا يقف معاك في واجب ولا جوار. وهتبقى العيلة كلها خصمك في السوق وفي المحاكم. مش بس كده… أهل مدحت جوز سمر مش هيسيبوك يا أحمد، والطار بينك وبينهم اتفتح من الليلة دي!
الجو في الأوضة بقى مكتوم بشكل يقطع النفس. التهديد كان واضح وصريح: يا إما يتنازل عن حقه ويسيب أمه وأخته يخرجوا بدون حساب، يا إما يواجه العيلة كلها وأهل مدحت في حرب ملهاش نهاية.
أنا اتدخلت وبكيت وقلت بصوت بيترعش:
— يا حاج متولي حرام عليكم! أحمد كان هيموت امبارح! شوف دماغه وجسمه! انتو ليه جايين تلوموا الضحية وتنسوا إن أمه هي اللي جابت البلطجية؟!
الحاج متولي ما بصليش حتى، وشاور بإيده وهو بيكلم أحمد:
أحمد سكت ثواني. الأوضة كلها كانت مستنية قراره. أنا كنت خايفة عليه، خايفة يسيب حقه عشان خايف من الفضيحة أو من كلام الناس، أو يخاف على حياته وحياتي من البلطجية.
وفجأة… أحمد بصلهم كلهم، ونزع المحلول من إيده بثبات. الدم نزل نقط صغيرة من وريده، بس مفرطش فيها. قام وقف على رجله بالعافية، ووقف قدام عمك متولي وطوله يغطيه:
— أنا اخترت يا حاج متولي…
الحاج متولي طلع القلم والورقة من جيبه وقال بلهفة:
— التنازل أهو…
أحمد مسك الورقة من إيد عمك متولي… ومزقها نصين، وبعدين أربعة، ورمى القصاصات على الأرض قدام جزمهم!
الأوضة كلها اتصدمت. الحاج متولي وشه احمر من الغضب وصوته طار:
— أنت عملت إيه يا مجنون؟!
أحمد نطق بصوت زي الرعد:
— أنا ممضيش تنازل للي استحل دمي وبيت مراتي! أمي وأختي يتحاكموا بالقانون زي أي مجرم دخل بيت بشرع اليد والعتلة! وإذا كنتو فاكرين إن العيلة هي اللي بتستر السرقة وتدعم البلطجة، فأنا متنازل عن العيلة دي من الليلة! من النهاردة ماليش عم ولا ماليش عيلة غير بيتي ومراتي
لحاج متولي رفع عصايته وكان هيضرب أحمد من غيظه، بس الرجالة اللي معاه مسكوه بالعافية. الحاج متولي زعق وهو بيتسحب لبرة الأوضة:
— والله لتندم يا أحمد! والله لتتدفع تمن الكبرياء ده غالي أوي! انت ومراتك مش هتعرفوا تمشوا في الشارع بعد النهاردة!
خرجوا وقفلوا الباب وراهم برزع هز المستشفى كلها.
أحمد قعد على السرير وهو بينهج من التعب والوجع، أنا جرت عليه وحضنته وأنا ببكي بحرقة:
— ليه عملت كده يا أحمد؟ كانوا هيقتلوك! العيلة كلها بقت ضدنا دلوقتي!
أحمد مسك وشي بإيديه، وعينيه كان فيها ثبات عجيب وقوة ما شفتهاش فيه قبل كده:
— الحق مافيهوش نص نص يا روضة… لو كنت تنازلت النهاردة، كانوا هيدخلوا بيتنا بكرة وياخدوا اللقمة من بقنا ويقولوا “عيلة”. اللي يرضى بالإهانة مرة يعيش طول عمره مكسور. الدهب رجع، والفلوس حماها القانون باسمك، والقلم اللي أخدوه النهاردة هيعلم فيهم طول عمرهم.
في اللحظة دي، جرس التليفون رن… المرة دي كان الأستاذة نيفين المحامية.
أحمد فتح السبيكر، وجاء صوتها السريع والواضح:
— أهلاً يا أستاذ أحمد… أنا في النيابة دلوقتي. التحقيقات شغال، وأمك وأختك المعاينة أثبتت وجودهم في الشقة وقت الاقتحام، والنيابة أصدرت قرار بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق مع البلطجية!
أحمد تنفس بعمق وقال:
— والقضية رايحة فين يا أستاذة؟
الأستاذة نيفين ردت بنبرة جادة جداً:
— القضايا متقلة أوي يا أحمد… جناية اقتحام وسرقة بالإكراه وإحداث عاهة. بس اسمعني كويس، محامي أهل مدحت رفع قضية بطلان لتنازل المزرعة وبيحاولوا يثبتوا إن التوكيل اتستغل بغرض النصب! الحرب القضائية بدأت بجد، وهما حاشدين كل كروت العيلة ضدنا بكرة في الجلسة.
أحمد بصلي وبص لعلبة الدهب القطيفة اللي كانت في شنطتي، وقال بثقة:
— خلّيهم يحشدوا اللي يقدروا عليه يا أستاذة… اللي معاه الحق والقانون مش بيخاف من كثرة الباطل.
صباح اليوم التالي، كانت قاعة النيابة تغلي كأنها جمر.
الريحة جوة القاعة كانت خليط من الورق القديم، والرطوبة، وتوتر العيون اللي بتبص لبعضها بنظرات كره. أحمد كان واقف جنب المحامية الأستاذة نيفين، دماغه لسه ملفوفة بالرباط، ووشه شاحب بس عينيه كان فيها جمر مش بيطفي. أنا كنت قاعدة على الدكة الخشب وراهم، ماسكة شنطتي اللي فيها علبة القطيفة
الحاجة سناء وأخت جوزه سمر واقفين جوة القفص الحديدي. الحاجة سناء كانت باصة للأرض، وشها دبلان، وثوبها اللي كانت بتتفاخر بيه بقى مبهدل ومطرب من بيت النيابة. سمر كانت بتبكي بحرقة وتصرخ كل ما عينها تجي في عين أحمد. وبرة القفص، كان واقف جيش كامل: الحاج متولي، وإخوات مدحت الأربعة، ومعاهم تلات محامين كبار العيلة أجرهم مخصوص عشان يقلبوا الطاولة.
وكيل النيابة دخل، وساد الصمت القاتل في القاعة.
بدأت الجلسة، وقام محامي العيلة “الأستاذ فاروق”، راجل في الستينات بصوت جهوري ونبرة فيها مكر وسنين خبرة في المحاكم. وقف قدام منصة النيابة وقال بنبرة تمثيلية مليانة حزن:
— يا سيادة المستشار… القضية دي مش قضية اقتحام ولا سرقة بالإكراه، دي مأساة عائلية تسبب فيها طمع جارف وتدليس! المتهمة الأولى هي أم المجني عليه، مسنة ومريضة، والمتهمة الثانية هي أخته الشقيقة. اللي حصل ليلة الأربعاء كان مجرد محاولة من الأم لاسترداد أموالها وأملاكها اللي استولى عليها ابنها بالتدليس وبنوكيل رسمي استغله ضد إرادتها!
وكيل النيابة بصل لأحمد وبعدين بص للمحامي وقال:
— وإيه قولك في البلطجية والشوم وكسر الباب وإصابة المجني عليه بتسع غرز في رأسه؟
المحامي فاروق ابتسم بمكر وقال:
— البلطجية دول هما أقارب زوج الابنة، اتدخلوا بشهامة صعيدية لما عرفوا إن الابن بيحاول يهرب بأموال العيلة ويبيع أرض المزرعة بربع تمنها لحساب زوجته الغريبة! وما حدث من إصابات كان نتيجة اشتباك بالأيدي ودفاع عن النفس بعد ما الابن هدد الجيران بشومة! ونحن نطالب بالإفراج الفوري عن المتهمتين بأي ضمان، ونقدم دعوى بطلان للتوكيل واسترداد الأموال المهربة لحساب الزوجة!
الهمهمات علت في القاعة، والحاج متولي هز رأسه بابتسامة انتصار وهو بيبص لأحمد كأنه بيقوله: “قلتلك العيلة هي اللي هتكسب”.
أنا قلبي سقط، ومسكت في طرف الدكة الخشب. المحامي فاروق قدر بكلمتين يقلب الحقيقة ويخلي المجرم ضحية، ويصور أحمد على إنه الابن العاق اللي نصب على أمه عشان مراته!
في اللحظة دي، وقفت الأستاذة نيفين بكل ثبات، فتحت روب المحاماة الأسود، وحطت حافظة مستندات على مكتب وكيل النيابة بصوت مسموع:
معالي المستشار… الكلام المعسول والمظلومية المزيفة لا تغير من واقع القوانين والأدلة الجنائية بشيء. نحن لا نتكلم عن ادعاءات شفاهية، نحن نتكلم عن أدلة موثقة بالصوت والصورة، وشهادات النجدة الرسمية!
القاعة كلها سكتت. المحامي فاروق وشه اتغير ونظر للأستاذة نيفين بقلق.
كملت الأستاذة نيفين وهي بتبص لوكيل النيابة بثقة:
— أولاً: التوكيل الرسمي اللي بسببه تم بيع نصيب المتهمة الأولى في المزرعة، هو توكيل إدارة وتصرف موثق بالشهر العقاري من أكثر من عام، وتمت عملية البيع وتسوية القضايا المرفوعة من باقي الورثة بحضور المتهمة الأولى وتحت علمها، والشيك المقبول الدفع المتبقي من البيع موجود بملف القضية ومستلم باسمها!
ثانياً: المتهمون لم يكتفوا باقتحام المسكن في منتصف الليل وفصل التيار الكهربائي، بل حُرر ضدهم بلاغ استغاثة فورية بالرقم 122 نجدة بصوت الزوجة المرتعدة أثناء كسر الباب، وتم تسجيل التفاصيل بالكامل من قِبل غرفة عمليات وزارة الداخلية!
وكيل النيابة بص للأوراق وقال:
— هل تسجيل مكالمة النجدة متاح في الحافظة؟
الأستاذة نيفين ابتسمت ابتسامة حادة وقالت:
— متاح يا فندم… ومرفق معاه تقرير وتفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالصيدلية اللي تحت العمارة! الكاميرات سجلت لحظة وصول المتهمين، صعود البلطجية بالعتلات والشوم، ولحظة توجيه المتهمة الأولى (الأم) للبلطجية بكسر الباب الخارجي!
صدمة نزلـت على القاعة زي الصاعقة.
الحاجة سناء جوة القفص شهقت بصوت عالي وحطت إيدها على بقها، وسمر قعدت على الأرض وبقت تبكي بانهيار. المحامي فاروق وشه جاب ألوان وبدأ يتلعثم وهو بيبص للحاج متولي بغضب مكتوم.
الأستاذة نيفين كملت بكل قسوة قانونية:
— موكلي أحمد لم يدلس ولم يسرق… موكلي دافع عن شرفه وبيته ومال زوجته الشريفة اللي تم سرقته في وضح النهار! والآن نطالب بتطبيق أقصى العقوبة في مواد السرقة بالإكراه، واقتحام مسكن ليلاً، والشروع في القتل، واستعراض القوة طبقاً لقانون العقوبات!
— سكون في القاعة!
الوكيل بص للمستندات والتقرير الطبي وتفريغ التفريغ لعدة دقائق، كانت بالنسبة لنا أطول دقائق في حياتنا. أحمد كان واقف ثابت، مش بيتحرك ولا بيهتز، باصص للقفص الحديدي بنظرة مفيهاش أي شماتة، بس فيها حزن عميق على أم وأخت اختاروا الشر والسرقة على ابنهما.
الجزء الرابع 👇👇🙈
الشمس كانت حامية، والشارع قدام المحكمة زحمة وعربيات، بس أنا كنت حاسة ببرد بيجري في جسمي كله. أحمد كان ماسك إيدي بقوة، صوابعه ضاغطة على صوابعي كأنه بيستمد مني القوة، أو بيطمني من غير ما يتكلم. لكن عيني لما جرت على الجانب التاني من الشارع، قلبي اتعصر.
كانوا واقفين هناك.
الحاج متولي، وإخوات مدحت الأربعة، ومعاهم بتاع تلات رجالة غريبين، جثث عريضة وهدومهم سودا، واقفين جنب عربيتين بنص نقل. كانوا بيبصولنا بنظرات كلها غل وشر. واحد من إخوات مدحت، اسمه “شريف”، تف على الأرض وهو بيبص لأحمد، ورفع إيده وحطها على رقبته في إشارة
أحمد شاف الإشارة، بس ما اتهزش. كمل مشي بثبات، ونزل معايا سلالم المحكمة. الأستاذة نيفين كانت ماشية جنبنا، ولمحت نظراتهم، فقربت من أحمد وقالت بنبرة حازمة:
— أستاذ أحمد… العيلة دي مجروحة في كبريائها، واللي حصل النهاردة في النيابة كسر شوكتهم قدام الناس. مش هيسيبوك ترجع بيتك بسهولة، وهيحاولوا يضغطوا عليك بفيزيائية أو يرهبوك عشان تتنازل قبل ما الملف يترفع للجنايات رسمياً.
أحمد بص لها وهو بيمسح العرق من على جبهته تحت الرباط الطبي:
— عارف يا أستاذة… اللي يبيع ضميره ويرضى يسجن أمه وأخته عشان قرشين، يعمل أي حاجة. أنا مش هأمن أرجع روضة الشقة دي تاني الفترة دي.
أنا بصيت له بلهفة وخوف:
— أومال هنروح فين يا أحمد؟ الشقة هي المكان الوحيد اللي فيه حاجتنا، والدهب أهو معايا في الشنطة!
أحمد مسك كتفي بالإيد السليمة وقال:
— هنروح مكان محدش يخطر على بالهم فيه… بيت أختك في أطراف الجيزة. محدش من العيلة يعرف عنوانها ولا عمرهم زاروها. هنقعد هناك يومين لغاية ما الأمور تهدى والقوة الأمنية تتنفذ على بقية البلطجية الهاربين.
الأستاذة نيفين شاورت لتاكسي كان معدي، وقالت:
— أرِكبو التاكسي ده فوراً وما تروحوش على موقف ولا مكان مألوف. وأنا هتابع مع رئيس المباحث خط سير الضبط وإحضار البلطجي الأخير اللي كان مع أُمك.
أحمد فتح باب التاكسي، ركبني الأول، وبعدين دخل وركب وهز رأسه للمحامية. أول ما التاكسيتحرك وشق الشارع، بصيت من الشباك الوراني… شفت إخوات مدحت بيجروا على العربيات النص نقل عشان يحصلونا!
أحمد! ماشيين ورانا! العربيات النقل ماشية ورا التاكسي!
أحمد اتلفت بسرعة، شاف العربييتين بيتنقلوا بين الحارات عشان يفضلوا ورا التاكسي. بص للسواق وقال بصوت صارم وواثق:
— يا أستاااذ… شايف العربيتين البيض اللي ورانا دول؟ دول ناس عايزين يقطعوا علينا الطريق وياخدوا اللي معانا. لو طلعتنا منهم على الطريق الدائري ولغبطت الخط… ليك حلاوة محترمة.
سواق التاكسي كان راجل كبير، بص في المراية، وشاف منظر أحمد والرباط اللي على رأسه والعربيات اللي بتطاردنا. ملامحه اتغيرت وشغّل الغيار بسرعة:
— أمانة في رقبتي يا ابن الأصول… اربطوا الحزام واثبتوا!
التاكسي زاد سرعته، وبدأت مطاردة مرعبة في شوارع القاهرة. سواق التاكسي كان حافظ الخرائب والحارات الضيقة، بدأ يدخل في شوارع جانبية في السيدة زينب، يلف من حارة ويدخل في شارع مقفول ويطلع منه على كوبري. العربيتين النص نقل كانوا بيحاولوا يزنقوا التاكسي، وفي لحظة… عربية منهم قطعت الطريق من اليمين وحاولت تخبط جنب التاكسي عشان توقفه!
أنا صرخت وغطيت رأسي بإيدي.
سواق التاكسي كسر الدركسيون على الشمال في آخر لحظة، واحتك بجنب العربية النقل بصوت صرير حديد يرعب! التاكسي اهتز بقوة، بس كمل طريقه وطلع على مطلع الدائري وهو بيمشي بسرعة جنونية.
أحمد كان حاطط جسمه قدامي عشان يحميني، وبص للسواق وقال:
— ادخل على أول نزلة للشرطة أو موقف فيه أمن!
سواق التاكسي غيّر اتجاهه وفجأة دخل في نزلة نفق بيلف، واختفينا وسط أتوبيسات نقل عام كبيرة. العربيات النقل تقلت في الزحمة ومقدرتش تحصلنا. بعد نص ساعة من التوتر والأعصاب المجهزة، التاكسي وقف في منطقة هادية وريفية في الجيزة.
نزلنا من التاكسي وأحمد دفع للسواق وزوده، والسواق دعالنا ومشي.
أحمد مسك إيدي، ودخلنا في حارة ضيقة لغاية ما وصلنا لبيت أختي. أول ما أختي فتحت الباب وشافت منظرنا… أحمد بدمه ورباطه، وأنا منهكة وعيوني ورمانه من البكاء والشنطة في حضني، صرخت وحضنتني.
أحمد قعد على الكنبة وهو مش قادر يتنفس، التعب والجزع في كتفه كانوا بيعصروه من الوجع. أنا جرت جبتله مية، وحطيت علبة القطيفة على الترابيزة قدامه.
لحد إمتى يا أحمد؟ لحد إمتى هنفضل نتهرب ونخاف؟ أُمك وأختك في السجن، وأهل مدحت مطاردينّا في الشوارع، وعيلتك كلها بايعاك! الفلوس والدهب دول بقوا لعنة علينا!
أحمد مسك علبة الدهب القطيفة، فتحها وبص للدهب اللي بيلمع جوة، وبعدين رفع عينيه وبصلي بنظرة كلها وجع بس فيها كبرياء ينطح السحاب:
— الدهب ده مش لعنة يا روضة… الدهب ده هو الميزان اللي كشف المعادن الحقيقية. كشف إن أُمي كانت فاكرة إني ملكها وأني هسكت على سرقتها، وكشف إن أختي جوزها نصاب، وكشف إن عيلتي عيلة فوت وتغطية على الباطل. لو كنت سكتت من أول يوم وعطيتهم الدهب، كانوا بكرة أخدوا اللقمة من إيدنا، وبعده رمواكي في الشارع!
في اللحظة دي، تليفون أحمد رن.
الرقم كان غريب… رقم أرضي.
أحمد فتح السبيكر وحط التليفون على الترابيزة.
جاء صوت ثقيل، وبطيء، وفيه نبرة تهديد مرعبة مش زي صوت الحاج متولي… ده كان صوت “أبو مدحت”، الراجل الكبير بتاع عيلة مدحت، اللي عمره ما اتكلم ولا اتدخل إلا في الدم!
قال الصوت من التليفون:
— مساك بالخير يا أحمد يا ابن الحاج متولي… أظن عرفت صوته مين؟
أحمد رد بثبات رغم التعب:
— عرفتك يا حاج. خير؟
أبو مدحت نطق ببرود يرعب النفوس:
— الخير إنك تعقل. إنت حبست كبيتي، وحبست ابني، وأخدت فلوس المزرعة وشايالها مع مراتك. إحنا لحد الوكت ده بنتعامل معاك كابن عيلة ونسب. بس نسوانا في التخشيبة دي حاجة مش هتنزل من زورنا أبداً. قدامك 24 ساعة يا أحمد… يا إما تنزل النياية بكرة الصبح وتمضي التنازل وتخرج سناء وسمر وتدفع كفالة مدحت من الفلوس اللي معاك… يا إما بكرة زي الوكت ده، مش هتدور على دهب مراتك… هتدور على مراتك نفسها!
التليفون اتعلق في وشنا!
الصوت كان صدى في الأوضة الهادية. أنا جمدت في مكاني، الشربات وقعت من إيدي واتكسرت على الأرض.
أحمد قام وقف على حيله بسرعة، وشه اسود من الغضب، ومسك التليفون وكان هيحدفه في الحيطة، بس مسك نفسه.
بصلي وهو بينهج وصوته طالع زي النار:
— بتهددني بمراتي يا ابن…؟ والله العظيم لأوريك الرجولة على أصولها!
أحمد مسك تليفونه واتصل بالأستاذة نيفين، وقال جملة واحدة بس هزت الشقة:
أستاذة نيفين… جهزي أوراق القضية كلها. إحنا مش هنستنى الجلسة… إحنا هنرفع قضية حجر، وقضية رد اعتبار، وهنبلغ الأمن الوطني بالتسجيل والتهديد ده الليلة!
الليلة دي، الليل ما مرش علينـا. كان أطول ليلة في حياتي.
أحمد ما غمضش عينيه لحظة واحدة. كان رايح جاي في الصالة بتاعة بيت أختي، ماسك تليفونه ومش بيسيبه. التهديد بتاع أبو مدحت صابني برعب غير طبيعي، كل حركة برة الشارع، كل صوت جزمة على السلم كان بيخلي قلبي يقف وأتخيل إنهم وصلوا للعنوان ونازلين يكسروا الباب علينـا.
على الساعة أربعة الفجر، الأستاذة نيفين المحامية اتصلت بأحمد.
فتحت السبيكر وصوتها كان مشحون بالجدية والسرعة:
— أستاذ أحمد… التسجيل بتاع مكالمة أبو مدحت أنا فرغته وأرفقته في محضر رسمي عاجل بإرهاب وتهديد بالخطف والقتل في مبنى الأمن العام والنيابة الكلية! التهديد بإنهم يمسوا الزوجة نقل القضية من مجرد خناقة عيلة وجناية اقتحام، لقضية أمن عام وتشكيل عصابي!
أحمد بصلي بنظرة كلها إصرار وقالها:
— وإيه الخطوة الجاية يا أستاذة؟ الرجالة دول مش هيرتدعوا بالكلام ورسائل الواتساب، دول صعيدة وعصابات، وأبو مدحت ده بياع كلام ودمه تقيل!
ردت الأستاذة نيفين بصوت ثاقب:
— رئيس المباحث أخد أومر مباشرة بالتحرك. النيابة الكلية أصدرت قرار بضبط وإحضار أبو مدحت وإخواته الأربعة بتهمة إدارة تشكيل عصابي والتهديد بالخطف والابتزاز! القوة الأمنية نازلة دلوقتي تداهم بيوتهم في المنطقة وعمارة مدحت! بس الأهم يا أحمد… الجلسة بتاعة تجديد الحبس لأمك وأختك سمر الصبح الساعة عشره، والمرة دي النيابة طلبت حضورك الشخصي وحضور زوجتك للإدلاء بأقوالكم في التهديد الجديد!
قمت وقفت وأنا برتعش وقلت:
— نروح النيابة تاني يا أحمد؟! دول واقفين برة وممكن يترصدوا لينا في سكة المحكمة!
أحمد قرب مني، مسك إيدي الأثنين وضغط عليهم بقوة عشان يثبتني، وبص في عيني بجمود يرعب:
— مش هيهوبوا ناحيتنا يا روضة… اللي بيستخبى ورا التهديدات بيبقى جبان. والنهاردة هيدفعوا تمن كل كلمة وكل لحظة رعب عشتيها من يوم ما أمي مدّت إيدها على دهب أمك!
على الساعة تمانية الصبح، ما نزلناش ناخد تاكسي من الشارع زي المرة اللي فاتت.
الأستاذة نيفين بعتت لنا عربية خاصة حراسة تابعة لمكتبها، ونزلنا تحت حراسة مشددة. الشوارع كانت زحمة، بس أنا كنت حاسة إن العيون كلها بتراقبنا. أول ما وصلنا مجمع المحاكم، كان المنظر مختلف تماماً عن امبارح.
المرة دي، سيارات الشرطة كانت مالية الميدان قدام المحكمة.
أول ما نزلنا من العربية، شفت المفاجأة اللي أثلجت صدري وخلت دموعي تنزل…
أبو مدحت وإخواته الأربعة كانوا واقفين على سلالم المحكمة بالكلبشات!
القوة الأمنية كانت داهمت بيوتهم الفجر، وجابوهم متكلبشين ومربوطين في بعض بالحديد بعد التهديد المكتوب والمكالمة المسجلة!
أحمد وقف على السلالم، وبص لأبو مدحت اللي كان وشه أسود زي الطين، وكبريائه المزعوم اتمسح بالأرض وهو مقيد بالحديد قدام الناس والجيران.
أبو مدحت بص لأحمد بعيون مليانة غل وهو بيحاول يرفع رأسه، وقال بصوت مبحوح:
— فاكر إنك كسبت يا أحمد؟ حبست العيلة كلها؟ حبست النسوان والرجالة؟!
أحمد قرب منه خطوة واحدة، وبص في عينيه ببرود شديد وقاله بصوت واطي بس كل حرف فيه كان زي السيف:
— إنت اللي اخترت طريقة اللعب يا حاج… هددتني بمراتي، وافتكرت إنك فوق القانون. اللي يمد إيده على حرمة بيتي أو يهددها، أقطعهاله بالقانون وبشرع ربنا. إنت وولادك هتنوروا التخشيبة جنب مدحت وجنب أمي وأختي، عشان تتعلموا يعني إيه احترام بيوت الناس!
جوة القاعة، الحراس جابوا الحاجة سناء وأخت جوزه سمر من التخشيبة التحتانية.
أول ما الحاجة سناء دخلت وشافت أبو مدحت وإخواته متكلبشين، ووراهم أحمد واقف زي الجبل وبجنبه أنا والشنطة اللي فيها الدهب… انهارت تماماً.
سقَطت على الركبتين على الأرض الخشب، وبقت تبكي بصوت عالي وهي بتبص لأحمد وترفع إيدها بالرجاء:
— يا أحمد! يا بني يا حبيبي! انقذنا يا أحمد… إحنا بنتمسح في التراب يا بني! الشرف راح والعيلة اتقفلت في الكلابشات! عشان خاطر أباك الله يرحمه يا أحمد اتنزل وسيبنا نخرج من المصيبة دي!
سمر أخته كانت بتصرخ وهي بتلطم على خدودها:
— سامحنا يا أحمد! والنعمة الشريفة ما كنا نعرف إن الموضوع هيوصل لهنا! مدحت محبوس، وأبوه وإخواته محبوسين، وأمي بتموت جوة! حقك علينا يا أحمد، دهب مراتك رجع والفلوس معاها بس انقذنا!
القاعة كلها كانت بتبص للمشهد بذهول. العيلة اللي كانت جاية قبل يومين تكسر الباب بالعتلات والشوم وتهدد بالخطف والقتل، بقت مقيدة وبتتوسل قدام القاضي والناس!
أنا بصيت للحاجة سناء، وحسيت بغصة في قلبي. المرأة اللي دخلت أوضة نومي بمنتهى البجاحة وقالتلي: “الست الأصيلة تفدي أهل جوزها بمالها”، وباعت دهب أمي الميتة بدم بارد… هي هي اللي واقفة دلوقتي بتتوسل وتتمنى الأرض تنشق وتبلعها من الخزي والفضيحة!
وكيل النيابة دخل، والمحامي فاروق بتاع العيلة كان واقف وشه أصفر ومش قادر ينطق كلمة واحدة، لأن كل كروته اتحرقت ومسألة التهديد بالخطف ثبتت بالتسجيلات والتحريات.
وكيل النيابة ضرب بالمطرقة على المنصة، وبص للجميع وقال بلهجة حاسمة وقاسية:
— بعد الاطلاع على محضر التهديد بالخطف والابتزاز المرفق بالصوت والصورة، وتفريغ المكالمات، وشهادة القوة الأمنية، وتكرار الاعتداء… قررت النيابة العامة:
أولاً: تثبيت قرار الحبس الاحتياطي 15 يوماً لجميع المتهمين، مع مراعاة تجديد الحبس تلقائياً!
ثانياً: ضم قضية التهديد بالخطف والابتزاز الجسيم إلى قضية الاقتحام والسرقة بالإكراه وإحالة الملف كاملاً إلى محكمة الجنايات العاجلة!
ثالثاً: توفير حراسة أمنية مشددة للمجني عليه وزوجته!
المطرقة نزلت: “رُفعت الجلسة!”
الصراخ والعويل ضرب القاعة! العساكر سحبوا الحاجة سناء وسمر وأبو مدحت وولاده بالحديد، وهما بيتسحلوا لبرة القفص وسط دموع الحسرة والندم. الحاجة سناء كانت بتبص لأحمد لأخر لحظة وهي بتبكي وتقول:
— سامحني يا بني… سامحني يا أحمد!
أحمد وقف في نص القاعة، تنفس بعمق، وبص للسقف كأنه بيزيح جبل ثقيل كان كاتم على صدره لسنين.
لف وبصلي، مسك العلبة القطيفة من الشنطة، وحطها في إيدي قدام الكل، وقال بصوت هز القاعة:
— القلم العلم فيهم كلهم يا روضة… واللي يفتكر إن مال اليتيم وذكريات الميتين ملهاش صاحب، يتداس تحت رجل القانون.
خرجنا من المحكمة مرفوعين الرأس، الحراسة كانت معانا، والشر اللي كان بيحاوطنا بدأ يتهاوى حتة حتة… بس كانت فاضلة خطوة واحدة وأخيرة: الجلسة النطق بالحكم في الجنايات، واللي كانت هتحسم المصير النهائي لأمي وأخته والعيلة كلها!
الهدوء كان يسود المكان، والأقفاص الحديدية مكتظة بالمتهمين: الحاجة سناء، سمر، مدحت، وأبوه وإخواته البلطجية. الجميع كانوا يرتدون ملابس السجن البيضاء، الوجوه شاحبة، والأنظار كسيرة لا تستطيع النظر في عين أحمد أو عيني.
دخلت هيئة المحكمة الموقرة، وصمتت القاعة تماماً. فتح رئيس المحكمة أوراق القضية، وبدأ يقرأ الحيثيات بنبرة صوت تقشعر لها الأبدان:
«بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع أداء الشهود، وتفريغ تسجيلات النجدة وكاميرات المراقبة، وتفريغ التسجيلات الصوتية… تبين للمحكمة بشكل لا يدع مجالاً للشك أن المتهمين قد تجردوا من أواصر الرحمة والقرابة، واستباحوا حرمة البيوت، واستعملوا القوة والترهيب والسرقة بالإكراه ضد المجني عليهم. وإن القرابة لا تعفي من العقاب، والأمومة ليست ترخيصاً للاعتداء على الحقوق وسلب الأمانات».
ضرب رئيس المحكمة بالمطرقة، ونطق بالحكم الذي أثلج القلوب:
— حَكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات على المتهم مدحت وباقي التشكيل العصابي بتهم السطو المسلح والتهديد والابتزاز.
ثانياً: بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات على المتهمة الأولى (سناء) والمتهمة الثانية (سمر) بتهم السرقة بالإكراه واقتحام مسكن والتعدي!
ثالثاً: إلزام المتهمين بالمصاريف الجنائية وتعويض مدني مؤقت للمجني عليها!
انفجر الصراخ والعويل داخل القفص، سقطت الحاجة سناء مغشياً عليها، وسمر كانت تصرخ وتضرب رأسها بالحديد، بينما كان مدحت وعائلته ينظرون بذهول إلى مصيرهم المحتوم.
خرجنا من القاعة، وأحمد يمسك يدي بثبات. تنفسنا هواء الحرية والكرامة الشديد. نظر أحمد إلى علبة القطيفة في يدي، ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
— حقك وحق أمك الله يرحمها رجع بالقانون يا روضة… ومفيش مخلوق هيتجرا يظلمك بعد النهاردة.
الحكمة:
إن «الأصول» ليست كلمة تُقال لتغطية الباطل، ولا هي رخصة تُعطى للأقارب لاستباحة الحقوق وسرقة الأمانات.
الست الأصيلة لا تُقاس بمدى صمتها عن الظلم، ولا بتركها لكرامتها وذكريات أحبائها تُباع وتُشترى لتغطية طمع الآخرين وطيشهم. والابن البار الحقيقي هو من يفرق بين طاعة الوالدين بالمعروف، وبين السكوت عن سرقتهم وبلطجتهم، فالرجولة والشهامة هي أن تقف كالسد المنيع تحمي بيتك وزوجتك، وترد الحق لأهله مهما كان الثمن، لأن المال يمكن تعويضه… أما الكرامة وحرمة البيوت إذا أُهينت، فلا تُسترد أبداً.




