
أهلي اختفوا من حياتي ثلاث سنوات بحالها، وبعدين رجعوا فجأة وعاوزين مبلغاً كبيراً عشان عيد ميلاد أختي، بس سؤال واحد مني مسح الابتسامة من على وش أمي لأنها أدركت إني كنت عارف كل حاجة.. أهلي اختفوا من حياتي ثلاث سنوات كاملة. مفيش أي تليفون. مفيش رسالة في عيد ميلاد. مفيش حتى كلمة حلوة.
وبعدين ظهروا عندي في الشقة يوم ثلاثاء بالليل وجايين ياخدوا خمسين ألف دولار.
قالت أمي كأننا كنا لسه متكلمين إمبارح: “علشان أختك.. عيد ميلادها الثلاثين لازم يكون حاجة تفتح النفس ومميزة.”
فضلت باصص لهم من على الباب.
أبويا شكله كبر وعجز. أمي هي هي متغيّرتش.. شعر مظبوط، بالطو غالي، ونظرة الوش اللي متعودة بيها تطلب الطاعة والسمع وخلاص.
“هو إيه عيد الميلاد اللي يتكلف المبلغ ده كله؟”
أمك تنفست بعمق وقالت: “عيد ميلاد أصول.. قاعة، عشاء معتبر، وسفرية مفاجأة.. إنت عارف ميّا عانت قد إيه.”
كنت هضحك بصوت عالي.
ميّا هي اللي عانت؟ دي دخلت مدارس خاصة، وعملت مشروعين وفشلوا وأهلي مولوهُم، ده غير فرح كلفوه قطم دراع قبل ما جوازتها تخلص وتخرب بعد حداشر شهر.
أنا بقى اللي عانت لما قاطعوني.
من ثلاث سنين، رفضت أمضي كضامن في قرض عشان أبويا ينقذ بوتيك ميّا. وبعدها بأسبوعين، أمي قالت للعيلة كلها إني بقيت قاسي وأناني، ومن وقتها التليفونات اقطعت.
ودلوقتي واقفين في طرقة الشقة عشان محتاجين فلوس.
أبويا وطى صوته وقال: “مكناش جينا وطلبنا لو الموضوع مش مهم قوي.”
وسعت لهم ودخلتهم جوه.
مش عشان كنت ناوي أساعدهم خالص.
ده عشان الساعة أربعة وستة بعد الظهر، المحامي بتاعي بعت لي على الإيميل ملف كنت مستنيه بقالي ستة أشهر.
أمي قعدت على الكنبة وفتحت ملف جلد. جواه ورق مطبوع لاتفاق سداد.
خمسين ألف دولار.
بدون فوائد.
والسداد يبدأ “لما ربنا يفرجها ويبقى فيه سيولة”.
بصيت على مكان التوقيع.
“إنتو مجهزين الورق وخلصانين كمان!”
أبويا قال: “إحنا بنحاول نحافظ على الاستقرار.”
أمي ابتسمت وقالت: “ميّا متعرفش إننا جينا نطلب الفلوس.. عايزين نعملها مفاجأة.”
هزيت راسى ببطء.
وبعدين سألت السؤال.
“هو ميّا تعرف إنكم بعتوا بيت الجدة السنة اللي فاتت؟”
وش أمي اتغير في ثانية.
مش استغراب.. ده كان خوف حقيقي.
أبويا اتسمّر مكانه.
البيت ده كان مفروض اتحط في وصية العيلة بعد ما الجدة ماتت، وأمي قالت للكل إن البيت مش هيتبيع إلا لما الأحفاد التلاتة يوافقوا.
أنا عمري ما وافقت.
ولا ميّا وافقت برضه.
بس السجلات الرسمية أثبتت إن الملكية اتنقلت من حداشر شهر.
أمي استردت توازنها بسرعة وقالت: “أنا مش فاهمة إنت بتقول إيه.”
مديت إيدي وجبت الملف اللي المحامي بعته.
“يبقى جايز تقدري تشرحي ليه المشتري حول المبلغ على حساب باسمك؟”
أبويا همس بصوت ضعيف: “يا كريمة…”
بصيت له وقلت:
“أنا عارف كل حاجة عن البيعة، وعارف قصة الوصية، وعارف الفلوس راحت فين وكل قرش راح فين.”
إيد أمي مسكت في شنطتها بغل.
ولأول مرة في حياتي أشوف في عيونها الخوف من اللي هقوله بعد كده.
أمي فضلت ساكتة كام ثانية، وبعدين حطت شنطتها جنبها وقالت بنبرة حاولت تخليها ثابتة:
“إنت فاهم الموضوع غلط.”
ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما يكون فيها أي فرحة.
“غلط؟”
بصيت لأبويا.
“طب بابا؟ هو كمان فاهم غلط؟”
أبويا كان باصص في الأرض.
وده لوحده كان كفاية.
أنا عرفت إن الملف اللي قدامي مش مجرد ورق بيع بيت قديم.
كان فيه حاجة أكبر.
حاجة أهلي قضوا شهور بيخبّوها.
أمي مدت إيدها للملف.
“هات الورق ده.”
قفلت الملف بسرعة وحطيته جنبي.
“ليه؟”
“عشان ده شأن عائلي.”
“من إمتى؟”
سكتت.
قلت:
“من إمتى بقى شأني أنا وشأن العيلة؟ من يوم ما كنتوا محتاجين شقتي ضامن؟ ولا النهارده عشان محتاجين الفلوس؟”
أبويا رفع عينه وقال:
“إحنا جايين نطلب مساعدتك مش نتخانق معاك.”
“المساعدة؟”
هزيت راسي.
“أنا مش فاهم إزاي بتطلبوا المبلغ ده من واحد ما سألتوش عليه ثلاث سنين.”
أمي قالت بسرعة:
“إحنا كنا زعلانين.”
“زعلانين؟”
“أيوه.”
“عشان رفضت عرّض شقتي للخطر؟”
أمي سكتت.
قلت:
“عشان رفضت أوقّع على التزام كان ممكن يخليني أخسر بيتي؟”
أبويا قال:
“كنا بنحاول ننقذ أختك.”
بصيت له طويلاً.
“وأنا مين؟”
ما ردش.
السؤال فضل معلق في الصالة.
أنا كنت محتاج أسمع الإجابة دي من سنين.
مش النهارده بس.
من يوم ما خرجت من بيت أهلي وأنا حاسس إن فيه حاجة جوايا مكسورة ومش عارف أصلحها.
كنت دايمًا الابن اللي مطلوب منه يفهم.
يفهم إن ميّا محتاجة.
يفهم إن بابا تعبان.
يفهم إن ماما مضغوطة.
يفهم إن البيت محتاج فلوس.
يفهم إن أختك لسه صغيرة.
حتى بعد ما كبرت ميّا وبقت عندها ثلاثين سنة، فضلت أنا الشخص اللي المفروض يتنازل.
أما هي، فكانت دايمًا محتاجة فرصة جديدة.
مشروع جديد.
سيارة جديدة.
شقة جديدة.
سفرية جديدة.
حياة جديدة.
وأنا؟
كان مطلوب مني أكون الشبكة اللي تمسكهم كل مرة يقعوا.
لكن المرة دي، أنا ما وقعتش.
أنا بس وقفت بعيد.
وشوفتهم وهم بيقعوا.
أمي قالت:
“إنت كنت عارف منين؟”
سندت ظهري على الكرسي.
“من السجلات.”
“إنت فتشت ورانا؟”
“لا.”
طلعت نفس طويل.
“إنتوا اللي سيبتوا أثر وراكم.”
أبويا قرب بجسمه للأمام.
“إنت عارف إن البيت ده كان باسم جدتك.”
“عارف.”
“وعارف إنها كانت عايزة البيت يفضل للعيلة.”
“عارف.”
“يبقى عارف إن البيع حصل لسبب.”
بصيت له.
“قول السبب.”
سكت.
أمي دخلت بسرعة:
“كان لازم يتباع.”
“ليه؟”
“كان عليه التزامات.”
“أي التزامات؟”
“دي تفاصيل مش هتفهمها.”
ابتسمت.
“أنا محاسب يا أمي.”
سكتت.
“أقدر أفهم أكتر مما تتخيلي.”
أبويا بص لأمي.
نظرة سريعة جدًا.
لكن أنا شفتها.
قلت:
“الفلوس راحت فين؟”
محدش رد.
فتحت الملف تاني.
طلعت ورقة.
“أربعمية وستة عشر ألف.”
حطيت الورقة على الترابيزة.
“المشتري دفعهم.”
وبعدين طلعت ورقة تانية.
“بعدها بثلاث أيام، مية وعشرين ألف راحوا لشركة باسم مختلف.”
طلعت ورقة تالتة.
“وبعدها سبعين ألف.”
ورابعة.
“وبعدها خمسة وخمسين ألف.”
بصيت لأمي.
“والباقي اتسحب على دفعات.”
أمي قالت:
“إنت بتتهمنا بسرقة أموال العيلة؟”
“أنا ما اتهمتش حد.”
“أمال إيه؟”
“بسأل.”
“وإحنا مش ملزمين نجاوبك.”
هزيت راسي.
“تمام.”
قفلت الملف.
“يبقى أنا كمان مش ملزم أجاوب على طلب الخمسين ألف.”
أبويا اتوتر.
“استنى.”
“أنا مستني.”
“الموضوع مش زي ما إنت فاهم.”
“طب فهمني.”
أبويا بلع ريقه.
“ميّا…”
وقف.
“ميّا مالها؟”
أمي بصت له بسرعة.
أبويا كمل:
“ميّا ما تعرفش كل حاجة.”
“عرفت.”
“وعشان كده إحنا محتاجين الفلوس.”
“يعني إيه؟”
أمي قامت فجأة.
“إحنا هنمشي.”
بصيت لها.
“لا.”
وقفت مكانها.
قلت بهدوء:
“المرة دي لأ.”
“إنت هتمنعنا؟”
“مش همنعكم.”
وقفت أنا كمان.
“بس قبل ما تخرجوا، عايز أعرف حاجة واحدة.”
أمي بصت لي.
“إيه؟”
“مين المشتري؟”
سكتت.
“مين اللي اشترى بيت التيتا؟”
أبويا قال:
“شركة.”
“اسمها؟”


