
بعد تلات شهور جواز، بدأت حماتي تسألني كل يوم: “لسه مفيش خبر حلو يا ندى؟”.. وبعد ست شهور جواز بالظبط، دخلت على جوزي وبكل قسوة وبجاحة قالتله قدامي: “مراتك شكلها مش هتخلف، و شكل البنية دي عقيمة!”
كنت بدخل أوضتي وأقفل على نفسي الباب، أعيط لوحدي لحد ما دموعي تنشف. كنت حاسة بعجز وقلة حيلة مالهاش أول من آخر، وبنظرات الاتهام ببتلاحقني في البيت من الصبح للمغرب. جوزي حسام كان مضحوك عليه بنظرات الحنان المزيفة بتاعة أمه، وكان دايماً يقولي بطيبة هبلة: “معلش يا حبيبتي، أصلها مستعجلة تشوف حفيدها، هي بتحبك وبتحطلك الأكل بإيدها عشان تتغذي! اصبري عليها.”
وفعلاً.. كانت الست دي كل يوم تعمل نفسها الحنينة أوي، وتدخل عليا الأوضة بطبق دافي، شوية شوربة لسان عصفور، ولا كوباية عصير فريش، وتقولي بصوت ناعم يخترق الصخر: “اشربي يا ضنايا عشان صحتك، العيب منك ولازم نصلحه.. تعالي في حضن طنط.”
لحد ما جه اليوم اللي اتكشف فيه المستور..
كنت قاعدة في الصالة لوحدي، ودخلت عليا بطبق الشوربة المعتاد. حطته قدامي على الترابيزة ووقفت فوق رأسي وهي بتتفرج عليا بابتسامة غريبة، ابتسامة ما فيهاش أي ريحة للدفء. قربت الطبق من وشي، وفجأة.. نغزتني ريحة نفاذة جداً، ريحة مرارة مكتومة على حاجة شبه الأعشاب المحروقة أو مواد غير مألوفة تماماً مالهاش أي علاقة بالشوربة اللي أنا متعودة عليها.
مسكت المعلقة بحذر، وحاولت أدوّق نُقطة صغيرة على طرف لساني. الطعم كان مرارة غريبة تفرس القلب وتغطي على طعم الأكل كله.
رفعت راسي وبصيت لها وقلت بثبات: “طنط.. الشوربة دي طعمها وريحتها غريبة أوي، هي فيها إيه؟”
ملامحها اتغيرت في أقل من ثانية، والابتسامة المزعومة اختفت وحل محلها توتر حاد يخلي الحجر ينطق. خطفت الطبق من قدامي بسرعة البرق ووشه أصفر وبقى أبيض زي الكفن، وقالت بصوت متلجلج ومرجوف: “غريبة إيه يا مجنونة إنتِ؟ دي أعشاب مقوية للرحم جايباها لك مخصوص من عند العطار القديم عشان تحبلي وتخلصينا! إنتِ كمان بتبلّي عليا وباتشكري في نعمتي؟!”
في اللحظة دي، شك قديم كان محبوس جوة قلبي من أيام الجواز انفجر زي القنبلة. من غير ما أرد عليها بكلمة، استغلت إنها دخلت المطبخ تغسل الطبق، وأخدت أزايز العصير والأكل اللي كانت بتجيبهولي الأيام اللي فاتت، وخدت عينة صغيرة من الشوربة اللي لحقت أخبّي منها شوية في كوباية بلاستيك من غير ما تحس.. وطلعت على أترس وأضمن معامل التحاليل في المنطقة.
بعد يومين بالضبط، التليفون رن.. الدكتور بتاع المعمل كان صوته جاد ومصلوم وهو بيكلمني:
“مدام ندى؟ الحاجات اللي بعتيها للمعمل فيها نسبة عالية جداً ومحترمة من مواد ضارة وأعشاب غير مألوفة بتسبب انقباضات حادة ومنع دائم للحمل.. دي مواد لو استمرت في دخول جسمك، مش بس مش هتخليكي تخلفي، دي كانت هتدمر رحمك تماماً للأبد!”
الدم اتجمد في عروقي، وحسيت الأرض بتمور بيا. اللغز اتحل في ثواني.. هي ما كانتش مستعجلة على حفيد زي ما بتقول، هي كانت بتضمن إني ما أخلفش أبداً عشان تلاقي حجة تزوّج ابنها لعروسة ثانية تختارها هي على مزاجها!
رجعت البيت والدموع اللي في عيني اتحولت لنار مستعرة. وقفت في نص الصالة، وناديت على حسام وأمه بصوت هجّ من صميم قلبي.
أول ما جمعتهم قدامي، رميت التقرير الطبي والتحاليل في وشها قدام ابنها، وقلت بصوت هز أركان الشقة: “السر اللي كنتِ حابسة رحمي فيه انكشف يا طنط.. والتقرير ده بيقول إنك بتموتيني بالبطيء!”
جوزي مسك الورق، وعينيه بتتسع من الصدمة، وبص لأمه اللي كانت بتترعش ومش عارفة تنطق بحرف..
لكن المفاجأة الكبرى ما كانتش في التقرير وبس.. المفاجأة كانت في الحركة اللي عملها حسام في اللحظة دي بالذات!
كنت فاكرة إنه أول ما يقرأ الكلام المكتوب بالختم والتوقيع من معمل معتمد، هيتجنن، هيصرخ في وشها، هيمسكها من إيدها ويطلعها برة البيت، أو على الأقل يطبطب عليا ويمسح دموعي اللي نازلة كأنها نار بتكوي خدودي. بس اللي حصل صدم قلبي صدمة أقوى من سمّ أمه مليون مرة.
حسام مسك الورق، إيديه كانت بتترعش، قرأ السطر الأول والثاني.. وبعدين بص لأمه، وبصلي. الملامح اللي كنت فاكراها صدمة تحولت في ثانية لوجه باهت، خالي من أي مشاعر إنسانية. رمى الورق على الترابيزة بالراحة، وقرب من أمه، حط إيده على كتفها وقالي ببرود يذبح:
“إنتِ اتجننتِ يا ندى؟ جايبة شوية ورق مجهول المصدر وجاية تتبلّي على أمي؟! أمي اللي كانت بتخدمك برمش عينيها؟!”
صرخت فيه وأنا مش مصدقة وداني ولا عقلي:
“ورق مجهول إيه يا حسام؟! ده تقرير معمل تحاليل رسمي! الشوربة والعصير كان فيهم حاجات وأعشاب ضارة بتعمل انقباضات وتدمر الرحم! أمك كانت بتسقيني سم عشان تتهمني بالعقم وتجوزك غيري!”
أمه أول ما شافت موقف ابنها، زي ما يكون روحها ردت فيها في ثانية. لوي وجهها في لحظة من التوتر للتمثيل المتقن.. نزلت على ركبتها على الأرض وبدأت تعيط بدموع التماسيح وتلطم على وشها:
“يا كبدي يا ابني! بقى أنا اللي ربيت عمري عشانك وعشان أفرح بحفيد منك، يتعمل فيا كده؟! بقى أتسقى المر وأتخدم في بيتك وفي الآخر تقولي بتحطيلي مواد ضارة؟! يا رب خذني وارتاح من التبلي ده! دي شكلها هي اللي برحمها فيه حاجة وجاية ترمي بلاها عليا عشان تغطي على عيبها!”
حسام بصلي بنظرة كلها قسوة، نظرة عمري ما شفتها في عينيه طوال سنة خطوبة وست شهور جواز. قرب مني ومسكني من دراعي بقوة وجعاني:
“اسمعي يا بت الناس.. أمي خط أحمر. الكلام ده لو اتعاد تاني أو فكرتي تروحي لشبكة تحاليل ولا دكاترة من ورايا، مش هتشوفي الشارع ده تاني. التقرير ده يتولع فيه حالاً، وتدخلي تبوسي إيد أمي وتتأسفي لها فوراً!”
في اللحظة دي، حسيت إن السقف وقع على دماغي. الدنيا دارت بيا والكون لڤ بيا دورة كاملة. الشك اللي كان جوايا ما كانش مجرد شك في أمه، ده كان عمى مطبق من جوزي! اكتشفت إن حسام مش بس مضحوك عليه، حسام ضعيف.. شخصيته ممسوحة قدامها، أو ربما جوه عقله الباطن كان مصدق إن المشكلة مني ومستني الفرج من ناحيتها هي!
نفضت إيده عني بقوة شديدة، وبصيتله بجميع مشاعر الكره اللي اتولدت في قلبي في لحظة واحدة:
“أتأسف مين يا حسام؟! ده أنا اللي هوديك أنت وهي في داهية! التقرير ده العينة الأصلية بتاعته والتحاليل المحفوظة موجودة في المعمل، والقانون هيجيبلي حقي منكم أنتم الاتنين!”
سبتهم وجريت على أوضتي، لمّيت شنطة هدومي بسرعة وأنا ببتعد عن إيديه لما حاول يمسكني ويرمي الشنطة. قفلت الباب على نفسي، ولمّيت كل حاجتي المهمة.. دهبي، ورق صحتي، والموبايل اللي عليه تسجيلات وصور التحاليل. طلعت من الباب وأنا بدق الأرض برجلي، وهي قاعدة على الكنبة بتدعي عليا بصوت واطي وتعمل نفسها بتموت، وهو واقف يبصلي بقرف ويقولي:
“لو طلعتِ من الباب ده يا ندى، مش هترجعيلي تاني أبداً!”
رديت عليه وأنا بدس دمعتي بقوة وثبات:
“وده أنضف وأحسن قرار هخده في حياتي كلها!”
طلعت على بيت أبويا.. حارة صغيرة هادية في حي السيدة زينب العريق. دخلت وأنا ببتسم ابتسامة مكسورة والدموع مغرقة وشي. أول ما أمي شافتني بالشنطة، اتخضت وقامت من مكانها مخلوعة:
“في إيه يا ندى؟! مالك يا بنتي؟! حسام عمل فيكي حاجة؟!”
أبويا كان قاعد على السفرة بيقرا الجريدة، حطها وقام وقف بثبات الرجال:
“احكي يا بنتي.. في إيه؟ إيه جابك بالشنطة دي؟”
قعدت على الكنبة وحكيتلهم كل كلمة.. من أول نظرات حماتي وسؤالها اليومي، لحد الشوربة اللي ريحتها مرارة، للتقرير الطبي اللي معايا، ورد فعل حسام اللي بايعني وبايع حق ناسي وعِزوتي.
أمي فضلت تلطم على صدرها وهي مش مصدقة اللي تسمعه:
“يا مري! كل ده يحصل فيكي ونحن مش عارفين؟! كانت بتدّيك سم في عسل يا ضنايا؟!”
أما أبويا.. فملامحه اتغيرت تماماً وبقت صارمة. راجل مكافح قضى عمره يربينا بالحلال وبكرامة. مسح على رأسي وقال صوت دافي بس مليان غضب مكتوم يهد الجبال:
“حقك عندي يا ندى. والنعمة الشريفة ما هسيب حق نقطة دم واحدة نزلت من عينك. التقرير ده معايا، وصباح ربنا هنعمل الإية بالقانون ونعرف كل واحد مقامه.”
بس الأحداث ما مشيتش بالسهولة اللي كنا متخيلينها.. لأن حماتي ما كانتش ست سهلة ولا هينة.
تاني يوم الصبح، وأنا قاعد مع أبويا بنفكر نروح للمحامي، تلفون أبويا رن. كان حسام!
أبويا فتح السبيكر وقال بصوت ثابت لا يرتجف:
“نعم يا حسام؟ خير؟”
حسام بكل ببساطة وبصوت مليان تكبر وغرور قال:
“عمي.. بنتكم طلعت من بيتي غضبانة وبتبلّي على أمي بتهمة كذابة ملهاش أساس. أنا مديها فرصة ترجع وتعتذر لأمي قدام الكل، لو ما رجعتش خلال 24 ساعة، يوصلها ورقة طلاقها غيابي، ومش هتشوف قايمة ولا دهب ولا أي حق من حقوقها عندي!”
أبويا ضحك ضحكة استهزاء هزت الصالة كلها:
“طلق يا حسام! طلق يا ابن الأصول! بس وحياة جلال الله، الرد مش هيكون منك، الرد هيكون من المحكمة والنيابة العامة بتهمة الشروع في إيذاء وإلحاق الضرر العمد!”
قفل أبويا السكة في وشه من غير ما يستنى رده، ونزلنا فوراً للمحامي.. الأستاذ فاروق، راجل كبير وفاهم شغلانات البيوت والقضايا الكبيرة بخبرة السنين. قعدنا معاه وشاف تقرير المعمل، وفحص الحرز اللي كان معايا.. الكوباية الصغنونة اللي خبيت فيها شوية الشوربة بحرص.
الأستاذ فاروق هز رأسه وقال بجدية:
“التقرير ده ممتاز وفي الصميم، بس عشان القضية تبقى مقفولة بالضبة والمفتاح في النيابة، محتاجين محضر إثبات حالة فوراً، ونطالب بإعادة تحليل العينة في الطب الشرعي بقرار من النيابة.. وهنرفع قضية تبديد وقضية طلاق للضرر مع حماية كاملة لكل حقوقك.”




