منوعات

طردوني من الشغل

حمايا وحماتي طردوني بعد ولادتي بتلات أيام، فبعت البيت اللي كانوا عايشين فيه بلاش!

الجزء الأول

بعد تلات أيام من عمليتي القيصرية، دخلت حماتي «فايزة» الأوضة وفي إيدها طبق شوربة لسان عصفور، وحطته على الترابيزة بطريقة ناشفة كأنها بتأدي واجب وخلاص.

لا كان فيه فرخة، ولا حتى حتة لحمة.

مجرد مية دافية، وعودين بقدونس عايمين على الوش، ونظرة ضيق في عينيها.

— «كُلي،» قالتها بجفاف.

أنا ساعتها ماكنتش قادرة أقعد من غير ما أحس إن جرح القيصرية بيوجعني من جوة.

وابني يا دوب كان لسه رايح في النوم.

في الصالة برة، قرايب جوزي كانوا مالين الكنب، بيتكلموا بصوت عالي، وصوتهم واصل لآخر الشارع، كأنهم جايين يتفرجوا على الولد وفي نفس الوقت يستنوا يشوفوا حستحمل قد إيه قبل ما أتعب.

حماتي «فايزة» حتى ما كلفتش نفسها توطي صوتها.

— «بنات اليومين دول بقى جلدها حساس أوي، تحبل وتولد وتعمل فيها البطلة اللي عملت إنجاز كبير.»

ومن على الكنبة، عمي «فتحي» — حمايا — طلع ضحكة ناشفة.

— «على أيامنا، الواحدة كانت تولد من هنا وتطلع الغيط تاني يوم من هنا، محدش جرى له حاجة يعني.»

حد من القرايب في الصالة ضحك بصوت عالي.

بصيت للطبق بصة قهر.

الست الشاطرة اللي أمي جابتهالي عشان تساعدني في فترة الولادة، حماتي طلبت منها تمشي من إمبارح. قالت إن دخول حد غريب البيت مش مناسب، وبعدها قالت إن الدفع لست عشان تساعد واحدة لسه والدة ده «رمي فلوس في الأرض».

ووعدت إنها هي اللي حتشيلني وتساعدني.

صحينا الصبح الساعة تمانية، وأول حاجة سألتني عنها هي ليه أنا ما قمتش أعمل الفطار!

جوزي «تامر» كان واقف على باب الأوضة ماسك تليفونه.

ما بصليش حتى. ولا مرة.

شخطت «فايزة» وهي تكمل:

— «لو أمك خايفة عليكي أوي كده، تاخدك عندها بيتها وترعاكي هناك، مش تيجي تصرفي فلوسك وتخلصي خيرنا هنا!»

رفعت رأسي وبصيت لها:

— «وهو ده رأي الكل هنا؟»

فايزة وقفت مكانها ثانية، ماكنتش متوقعة إن لساني ينطق أو أسأل.

حمايا خبط كوباية الشاي على الترابيزة برزع:

— «أيوة! لو هتدلعي كده يبقى ترجعي بيت أمك. إحنا عيلتنا مش هتشغل عندك حد عشان تسوقي فيها الهانم!»

بصيت لـ «تامر».

أخيراً رفع عينه من التليفون.

ماكانش في عينيه أي نقطة قلق أو حنية… كان فيها زهق وبس.

— «خلاص بقى يا نورهان، بلاش دراما وتكبري الموضوع! أبوي وأمي عايزين مصلحتك. روحي قضي لك يومين عند أمك ولما تهدى أعصابك ابقي ارجعي.»

ضحكت.

الضحكة زودت وجع بطني لدرجة إن العرق غرق ضهري من التعب.

بس برضه ضحكت.

— «تمام. ماشي.»

الأوضة سكتت خالص.

فايزة ضيقت عينيها واستغربت:

— «قلتي إيه؟»

— «قلت ماشي.»

شلت الغطا من عليا.

أول ما رجليا لمست الأرض، ركبي ما شالتنيش. اتسندت على السرير بالعافية ومضيت لحد سرير البيبي.

ابني اتحرك حركة خفيفة.

كان صغير أوي… دافي أوي… وكل اللي كان محتاجه حضني.

شيلته بحذر وبست جبهته.

— «ماما وخداك وماشية يا حبيب ماما،» زمزمت بصوت واطي.

تامر خطى خطوة ناحيتي:

— «الولد يفضل هنا.»

بصيت له بثبات:

— «تعرف تعمل له الرضعة؟»

سكت وما نطقش.

— «تعرف بياخد كام ملّي؟»

وشه اتشنج وما لاقاش إجابة.

— «أمي هي اللي هترعاه.»

بصيت لـ «فايزة» وقلت:

— «أمك ما رضيتش تعمل لي لقمة كويسة أرتاح بيها بعد ما بطني اتعملت فيها عملية من تلات أيام… بأمارة إيه فاكرة إن ليها عين تاخد بالها من ابني؟»

وش فايزة أحمر من الضيق:

— «يا قليلة الأصل! يا جاحدة!»

ما رديتش عليها.

فتحت الدولاب وطلبت شنطة المستشفى. حطيت فيها هدوم البيبي، البامبرز، شهادة الميلاد، الأدوية، وكل الحاجات المهمة.

في الصالة برة الكلام بدأ يزيد:

— «شوفوا القسوة والأخلاق!»

— «لسه والدة وشايلة ابنها ورايحة تعاند عند أهلها!»

— «يا غلبك يا تامر يا بني، وقعت في واحدة صعبة!»

قفلت سوستة الشنطة.

الصوت كان واطي، بس الكل سكت وسمعه.

تامر وقف قبالي وسد الطريق:

— «نورهان، بلاش جنان وما تسوقيش فيها.»

بصيت في عينيه مباشرة:

— «أوعى من وشي.»

وقف متسمر مكانه.

زمان، ماكنتش أقدر أنطق معاه بالنبرة دي.

زمان كنت ببتسم لما أمه تتريق على أكلي.

كنت بصب الشاي وأنا ساكتة لما أبوه يتجاهل وجودي.

كنت ببلع لساني لما أخته تدخل بيتي وتاخد اللي هي عايزاه من غير ما تستأذن.

هم افتكروا إن أدبي وذوقي ضعف وقلة حيلة.

بس النهاردة الوضع مختلف.

بعد تلات أيام من عمليتي، كانوا بيحاولوا يخرجوني من البيت وياخدوا ابني مني.

دي مش عيلة… ده كابوس.

على الباب، فايزة حاولت تقف في وشي وتمنعني:

— «عايزة تمشي امشي لوحدك! إنما الواد يفضل هنا، ده شايل اسم عيلة “العزازي”!»

حضنت ابني لصدري بقوة:

— «شيلته في بطني تسع شهور، ولحم جسمي اتفتح عشان أطلعه للدنيا… وأنتم ما اهتمتوش حتى إني آكل كويس، وجايين دلوقتي تقولوا يفضل هنا؟»

قربت منها بصوت واطي وحاسم:

— «مش هيحصل.»

فايزة مدّت إيدها عشان تاخد البيبي مني.

في اللحظة دي، باب الشقة الكبير اتفتح.

أمي دخلت وفي إيدها حافظة الطعام الحرارية.

شافت الصالة مليانة ناس، وشي الأبيض من التعب، والبيبي في حضني، وإيد فايزة ممدودة ناحيتي.

صوت أمي نزل في الصالة بقوة:

— «مين ده اللي يتجرأ يمد إيده على بنتي؟!»

فايزة غيرت نبرتها في ثانية:

— «يا أهلاً يا حجة، جيتي في وقتك! بنتك دلوعة ومش قادرة تتحمل، وإحنا بصراحة مش فاضيين لطلبات الهوانم دي!»

أمي ولا عبرتها ولا بصت لها حتى.

مشيت ناحيتي على طول، وأول ما شافت وشي، عينيها اتملت دموع:

— «نورهان… يلا بينا يا ضنايا.»

هزيت رأسي.

تامر اتكلم من ورايا وبصوت ناشف:

— «لو خطيتي برة الباب ده النهاردة، ما ترجعيش تعيطي وتترجي!»

عديت من جنبه ولا كأني سمعته:

— «اللي هيفكر يرجع للموضوع ده مش أنا يا تامر.»

قبل ما أخرج، بصيت على الشقة بصة أخيرة.

نجفة الصالة دي أنا اللي نقيتها.

الباركيه ده أنا اللي وقفت على إيد العمال وهو بيركب.

المطبخ ده أنا اللي دافعة ثمنه من جايبي.

في الحقيقة… الشقة دي كلها أنا اللي شرياها.

قبل ما أتجوزه.

كاش، ومن معادي الخاص.

والعقد مكتوب باسمي أنا وبس.

عاشوا فيها سنتين ببلاش، لدرجة إنهم نسوا مين صاحب الملك الأصلي!

في عربية أمي، ما نزلتش مني دمعة واحدة.

طلعت التليفون وبعتت رسالة للسمسارة:

«اعرضي شقة الجواز للبيع. بكرة الصبح. وبأسرع سعر.»

تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كانت يافطة «للبيع» متعلقة على باب العمارة وعلى البلكونة.

ولما فايزة رجعت من السوق وشافتها، شنطة الخضار وقعت من إيدها في الشارع.

تليفوني رن.

رديت ببرود.

صوتها كان جاي من السماعة:

— «يا نورهان! انتي اتجننتي ولا جرى لعقلك حاجة؟! إزاي تتجرأي تبيعي بيتنا؟!»

ابتسمت، وابني نايم في حضني في هدوء:

— «بيتنا؟»

الجزء الثاني والأخير

وقف الكلام في حلق «فايزة» على الناحية التانية من الخط.

لثواني كاملة، ماكنتش سامعة غير صوت أنفاسها وهي متضايقة جدًا.

كنت قاعدة في الأوضة اللي اتولدت وكبرت فيها في بيت أمي، وابني نايم في سرير صغير أمي اشترته له في نفس الصباحية.

كانت ريحة البيت دافية؛ شوربة فراخ بلدي، غسيل نظيف، وراحة بال… راحة بال عميقة لدرجة إن صوت حماتي كان جايلي وكأنه من مكان بعيد.

— «نورهان!» قالت في التليفون: «ترجعي فوراً وتشلي اليافطة دي من على الباب!»

بصيت لابني.

كان ضامم إيديه الصغيرين جنب وشه، وبؤه مفتوح سنة، نايم في سلام تام… سلام طفل لسه ما يعرفش إن فيه ناس بتخلط بين صلة الرحم والمصلحة.

— «مش راجعة يا طنط.»

— «يعني إيه مش راجعة؟! دي شقة زوجية!»

— «دي شقتي أنا.»

— «دي شقة ابني!»

— «لا، دي الشقة اللي أنا اشتريتها بفلوسي قبل ما أعرف ابنك، والعقد مكتوب باسمي أنا وبس.»

سكتت ثانية، وبعدها طلعت منها ضحكة متوترة:

— «انتي اتجوزتي تامر! وماله هو ملكك، ومالك هو ملك عيلة العزازي!»

— «غريبة أوي،» قلتها ببرود: «إمبارح لما كنت محتاجة لقمة كويسة وراحة بعد ما بطني اتعملت فيها عملية، ماكانتش عيلة العزازي تعرفني ولا اهتمت بيا. لكن النهاردة لما جيت أبيع ملكي، الكل بقوا أصحاب ملك؟»

دخلت أمي الأوضة وفي إيدها صينية عليها طبق شوربة دافي، وسمعت آخر جملة.

ما نطقتش… حطت الصينية على الترابيزة وبصت لي بنظرة قهر وألم من بتوع الأمهات اللي بيحبسوا دموعهم بالعافية عشان يقووا بناتهم وما ينهاروش.

فايزة وِطت صوتها شوية، كأنها افتكرت إن الجيران ممكن يسمعوها في الطابق:

— «بلاش مشاكل! مشاكل العائلات ما تطلعش على الملا.»

ضحكت.

— «دلوقتي افتكرتي المشاكل والأصول؟ إمبارح قللتي مني قدام قرايبكم عشان محتاجة حد يساعدني وأنا والدة! حمايا قال لي ارجعي بيت أمك! وابنك قال لي بلاش دراما! وحاولتي تاخدي البيبي مني! والنهاردة جاية تتكلمي في الستر؟»

— «أنا ما طردتكيش!»

— «لا طردتيني.»

— «أنا قلت لك روحي ارتاحي عند أمك يومين!»

— «وأنا سمعت الكلام ونفذت، ورايحة أرتاح عند أمي… وعشان كده أنتم خلاص ما بقتوش محتاجين الشقة في حاجة.»

قفلت السكة في وشها.

مش عشان ما عنديش كلام أقوله، بس لأني اتعلمت درس مهم في أقل من 24 ساعة:

النقاش مع ناس شايفين إنهم يملكوك، ما بيدهومش غير وهم إن لسه ليهم كلمة عليك.

بعد نص ساعة بالظبط، «نورا» السمسارة بعتت لي رسالة:

«يا مدام نورهان، معايا مشترين جاهزين كاش، وعايزين يشوفوا الشقة الساعة حداشر.»

رديت عليها:

«اتفضلي المعاينة في ميعادها.»

ما نزلتش… ماكنتش محتاجة أكون هناك.

نسخة المفتاح الثانية كانت مع أمن العمارة بتفويض رسمي مني، والأوراق كلها مسجلة باسمي.

كل حاجة فايزة وفتحي عاشوا فيها سنتين وكأنها ملكهم، كانت بالقانون بعيدة تماماً عن إيديهم.

الساعة حداشر ونص، نورا كلمتني فيديو كول.

أول ما فتحت، لقيت فايزة واقفة عند باب الشقة، شعرها منكوش، وشنطة الخضار لسه في إيدها، ووشها متغير من الضيق.

وحمايا فتحي واقف وراها، مربع إيديه وعلى وشه نظرة الشخص اللي شايف إن من حقه يقرر.

وجنب نورا كان واقف راجل ومراته في الخمسينات، لبسهم بسيط ووشهم باين عليه الإحراج من الموقف.

— «مدام نورهان،» نورا اتكلمت بمهنية متوترة: «المشترين وصلوا، بس الأستاذة مش راضيين يدخلونا.»

فايزة قربت من الكاميرا:

— «الست دي مالهاش حق تبيع! دي شقة ابني!»

— «يا نورا،» قلت بثبات: «افتحي الميكروفون.»

عملت الميكروفون سبيكر، وصوتي رن في الصالة والممر:

— «يا طنط فايزة، إمبارح قلتي لي إن عيلتكم مش هتقدر تساعدني، وطردتيني لبيت أمي بعد ولادتي بتلات أيام. أنا النهاردة بعمل الصح بالظبط: برجع ملكي.»

أبواب الشقق في الدور بدأت تتفتح… الجيران طبعاً، يجوا يشوفوا سبب الصوت.

فايزة لما سمعت كلام الجيران، وِطت صوتها:

— «ما تفضحينِاش قدام الغريب!»

— «انتي اللي سببتِ المشكلة لما حاولتي تاخدي ابني من حضني إمبارح!»

الست اللي جاية تشتري الشقة بصت لفايزة باستغراب.

حمايا فتحي خطى خطوة لقدام، ونزل بنفس نبرة الأوامر:

— «يا نورهان، التصرف ده مش في مصلحتك!»

أهو… ده الأسلوب بتاع كل مرة. الراجل الكبير اللي بيصدر أحكام وكأن كبر سنه ده بيديله حق يقرر عن غيره.

بصيت له من خلال الشاشة:

— «يا عمي فتحي، حضرتك قاعد في شقتي، بتاكل من الأكل اللي أنا بدفع ثمنه، وبتستهلك مية ونور وإنترنت وعفش أنا اللي دافعة ثمنهم من جايبي… وجاي دلوقتي تقول لي إيه اللي في مصلحتي؟»

وشه اتغير من الغضب:

— «أنتي بتكلمي كبار العيلة بالطريقة دي؟!»

— «لما تصرفاتكم تبقى تصرفات كبار، أبقى أكلمكم بأسلوب الكبار!»

صوت همس الجيران زاد في الممر:

— «هي الشقة ملك العروسة؟»

— «أومال كانوا قايلين إنها شقة ابنهم العزازي ليه؟»

— «طردوها وهي لسه والدة قيصري؟ يا ساتر يا رب!»

فايزة لما سمعت الكلام ده، خطتها اتغيرت في ثانية.

قعدت قدام الباب وقالت بصوت عالي:

— «محدش هيدخل هنا! أنا مش موافقة حد يدخل الشقة!»

المشترين رجعوا لورا، ونورا بصت لي في الشاشة:

— «مدام نورهان…»

أنا ساعتها أخدت بق شوربة.

جرح بطني كان بيوجعني؟ أيوة.

ماكنتش قادرة أقعد ولا أمشي ولا آخد نفسي بسهولة؟ أيوة.

بس لأول مرة من يوم ما اتجوزت، ماكنتش حاسة بألم القهر… كنت حاسة بإني برجع حقي.

— «مش لازم تدخلوا الشقة يا نورا،» قلت بثبات: «ابعتي للمشتري الفيديو الكامل للشقة، بالمساقط المترية، والصور الاحترافية، وفواتير الصيانة. لو عاجبهم السعر، نخلص البيع النهاردة.»

فايزة اتسمرت مكانها.

كانت فاكرة إن رفضها يوقف البيع… ماكنتش فاهمة إن العقارات مش بالصوت العالي… العقارات بالورق والعقود.

المشتري اتكلم بحذر:

— «يا مدام، الشقة عليها أي نزاعات قانونية أو مشاكل؟»

— «ولا أي حاجة،» رديت: «خالصة الثمن بالكامل، متشرية قبل الجواز باسمي أنا وبس، والعفش والتوضيبات معايا فواتيرهم. الناس اللي جوة دول كانوا قاعدين بإذني، ودلوقتي سحبت السماح ده.»

فايزة قالت:

— «كذابة! إحنا دفعنا في التوضيبات!»

— «دفعتم إيه؟» سألتها.

فتحت بقها وما عرفتش تنطق.

لأن أكبر مساهمة لفايزة في الشقة دي كانت إنها اشترت مساحتين بلاستيك يوم النقلة، وجات طلبت مني ثمنهم تاني يوم!

حمايا مسكها من دراعها:

— «خلاص يا فايزة… اسكتي.»

بس هي كانت خلاص متوترة:

— «يا نورهان، ما تنسيش إنك لسه على ذمة تامر ابني!»

— «بالظبط، فاكرة كويس،» قلت لها: «وفاكرة كمان إنه شافني تعبانة وشايلة ابنه بين إيديا، وقال لي روحي يومين عند أمك.»

الممر كله سكت.

في اللحظة دي، ظهر «تامر».

جاي بسرعة، قميصه مش متزرر عدل، باين إن أهله كلموه يلحق الموضوع.

سحب التليفون من إيد نورا بعصبية، الشاشة اتهزت جامد، وبعدين وشه ظهر قدامي.

— «نورهان!» قالها وهو ضاغط على سنانه: «خلصتي التمثيلية بتاعتك دي ولا لسه؟»

بصيت في وشه… الوش اللي كنت فاكراه في يوم من الأيام أماني وستري.

ما حسيتش بأي حزن أو حنين، حسيت بنقاء وصفاء عجيب.

— «أمك قالت نفس الكلمة من شوية. باين كده إن أي حد في عيلتكم لما يلاقي حد بيوقفه عند حده، بيسميها تمثيلية.»

— «دي شقتنا!»

— «دي شقتي أنا.»

— «دي الشقة اللي عايشة فيها عيلتنا!»

— «لا، دي الشقة اللي عيلتك كانت عايشة فيها عشان أنا كنت قابلة وساكتة.»

جز على سنانه:

— «مش هتعرفي تبيعيها.»

— «هبيعها وهتشوف.»

— «جربي تاخدي عربون واحد وشوفي أنا هعمل إيه!»

قبل ما أرد، نورا اتكلمت من جنب الشاشة:

— «مدام نورهان، الأستاذ المشتري موافق يخلص في السعر النهاردة بشرط واحد: يستلم الشقة فاضية قبل بكرة الصبح.»

الكاميرا اتفتحت على الموقف كله…

فايزة وشها أصفر زي الليمونة.

فتحي وقف مكانه.

تامر صوابعه ابيضت من كتر ما هو ضاغط على التليفون.

مالت رأسي للشاشة وقلت:

— «يبقى ابدأوا لموا حاجتكم من دلوقتي.»

تامر ما صدقش إن الكلام ده بجد… وده كان أكبر غلطة عملها.

كان فاكر إن واحدة لسه طالعة من غرفة العمليات من تلات أيام مش هتقدر تعمل حاجة، فاكرني ضعيفة.

وأنا فعلاً كنت ضعيفة جسدياً؛ جسمي مكسر، اللبن يا دوب بدأ ينزل، المشي كان عذاب، ودموعي بتنزل لوحدها لما البيبي يعمل أي صوت من كتر التعب.

بس الضعف الجسدي مش معناه الاستسلام.

وهم لخبطوا بين أدبي وبين ضعفي لسنوات طويلة.

نورا بعتت العقود للمشتري، وأنا بعت تفويض رسمي للسمسارة بالبيع وتفريغ الشقة.

أمي كلمت مستشار قانوني وصديق للعيلة، الأستاذ «رفعت».

راجع العقود وقال لي كلمة واحدة:

— «الشقة ملكك خالص من قبل الجواز، مالهمش فيها قيد أنملة. البيع قانوني، المشكلة الوحيدة إن لو رفضوا يخرجوا، هناخد الإجراءات القانونية اللازمة.»

— «أنا مش عايزة أقعد شهور في المحاكم يا متر.»

— «يبقى نديهم إنذار رسمي بالإخلاء فوراً، مع عمل محضر إثبات حالة لأي تلفيات في الشقة.»

نورا نزلت سجلت فيديو كامل للشقة:

النجفة اللي اخترتها بنفسي…

الانتريه…

سرير البيبي اللي تامر حتى ما كلفش نفسه يجمعه…

المطبخ اللي فايزة اتهمتني فيه بإني بصرف كتير…

الأوضة اللي بكيت فيها في سرّي طول فترة الحمل وتامر يقول لي «انتي هرموناتك نكدية».

كل حتة في الشقة اتسجلت بالصوت والصورة.

وفايزة في الخلفية بتقول:

— «مش هنخرج! ده بيت حفيدنا!»

صوت رفعت المحامي لما سمع التسجيل قال لي:

— «ممتاز… الكلمة دي ممكن تفيدنا جداً في الإجراءات القانونية.»

على الساعة تمانية بالليل، تامر وجايب أهله وأخته الصغيرة «شهد» وجايين بيت أمي.

أمي فتحت الباب، وما عزمتش عليهم يدخلوا.

— «نورهان نايمة بترتاح.»

فايزة حاولت تبص من ورا كتف أمي:

— «عايزين نشوف الولد!»

أمي وقفت عند الباب:

— «الولد مع أمه.»

فتحي قال:

— «إحنا أهله وجدوده!»

ردت أمي بهدوء:

— «وأنتم إمبارح كنتوا عايزين تاخدوا البيبي من واحدة لسه خارجة من القيصرية… النهاردة ما لكمش دخول هنا.»

تامر مسك دراع أمه وقال لأمي:

— «يا طنط أرجوكي، عايز أتكلم مع مراتي.»

أمي ما اتحركتش.

أنا ظهرت من وراها شايلة البيبي، كنت لابسة روب نظيف، وشي أبيض وشفتي ناشفة، بس كنت واقفة على رجليا.

تامر أول ما شافني، نظرة التحدي في وشه اتغيرت… يمكن كان متوقع يلاقيني تعبانة وبعيط ومستنية حنيته.

— «نورهان… الموضوع كبر وزاد عن حده.»

— «لا يا تامر، الموضوع بس خرج عن السيطرة بتاعتكم.»

أخته شهد ربعت إيدها وقالت:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى