منوعات

طردوني من الشغل

— «انتي طول عمرك نكدية ودراما! بابا وماما قالوا لك ارتاحي عند أهلك يومين بس!»

بصيت لـ «شهد».

شهد دي كانت بتدخل شقتي تاخد مكياجي، تلبس هدومي، وتفتح التلاجة تاخد اللي هي عايزاه وكأنها شقتها. مرة أخدت القلاية الهوائية اللي أمي جابتهالي هدية وقالت «أنا محتاجاها أكتر منك».

ولما كنت أشتكي لتامر كان يضحك ويقول: «معلش، صغار العيلة!»… وكان عندها 25 سنة!

— «يا شهد،» قلت لها: «هي حاجتك اللي مالية شقتي هتلميها إمتى؟»

بصت لي باستغراب:

— «إيه؟»

— «جزمك، هدومك، أجهزتك… الحاجات اللي فاكراها ملكك. قدامكم لحد الساعة تمانية بكرة الصبح تلموا حاجتكم، واللي هيتبقى هجيب شركة نقل تشيله وتحفظه.»

فايزة قالت:

— «انتي بتعاملينِا كده إزاي؟!»

— «أنا بعاملكم بالظبط زي ما عملتوني لما اديتوني طبق شوربة خفيف بعد القيصرية وقلتوا لي روحي بيت أمك. أنا كده متساهلة معاكم.»

فتحي شاور على أمي:

— «بنتك بتهد بيتها بإيدها!»

أمي ضحكت ضحكة عمري ما سمعتها منها:

— «لا يا حاج فتحي… انتو سيبتوا المشاكل تكبر، وهي بس رفضت تفضل وسطها.»

تامر مسح وشه بإيده:

— «نورهان، تعالي نتكلم لوحدنا.»

— «لا.»

— «أنا جوزك!»

— «كنت تبقى جوزي لما وقفت جنبي وقت ما أمتك حاولت تاخد ابني مني.»

وشه اتشنج:

— «أمي كانت منفعلة!»

— «وأنا كان عندي غرز في بطني!»

سكت وما عرفش يرد.

— «أنا مستعد أوافق على أي حاجة عشان تبيعي الشقة، بس ما ترميش أهلي في الشارع في يوم وليلة،» قالها بصوت مكسور.

— «يروحوا شقتك اللي في المعادي… الشقة المتأجرة اللي مخبيها عليا من قبل ما نتجوز.»

تامر اتسمر مكانه.

فايزة لفت له بذهول:

— «شقة إيه؟!»

أهو… أول سر اتكشف.

أنا كنت عرفت موضوع الشقة دي بالصدفة من كشف حساب بنكي من كام شهر. تامر كان شاري شقة صغيرة ومأجرها ويدخل إيجارها في حساب مخفي من غير ما يعلمني، ولما واجهته زمان قال لي «بعتها خلاص».

ما كانش يفرق معايا زمان، بس النهاردة فرق جداً.

— «ابنك عنده ملك يا طنط،» قلت لها: «لو خايف عليهم يفضلوا من غير مكان، يوديكم شقته التانية.»

فايزة بصت لبنها كأنه خذلها:

— «عندك شقة تانية يا تامر ومخبي عليا؟!»

تامر بص لي بضيق:

— «ما كانش وقته تتكلمي في الموضوع ده!»

— «وما كانش وقت تطرد مراتك وهي والدة… كلنا بنغلط في المواعيد بقى!»

على الساعة تسعة بالليل، كان العزازية كلهم بيخرجوا من الشقة.

نورا كانت بتبعث لي التحديثات أول بأول.

خرجوا بشنط وملايات مقفولة على هدومهم، والجيران واقفين يتفرجوا عليهم على السلم.

فايزة وقفت على باب العمارة وقالت بصوت عالي:

— «الشقة دي مش هينوبكم منها غير التعب! محدش هيفرح فيها!»

الست المشتري اللي كانت واقفة تستلم الشقة بصت لها وقالت:

— «والله هي أول ما حضرتك خرجتي منها والنبي انصلح حالها أوي!»

نورا حكت لي الجملة دي تلات مرات، وكل مرة كنت ببتسم من قلبي.

البيع اتنفذ، والفلوس دخلت حسابي.

ما حسيتش بانتصار كبير… حسيت بنَفَس نقي، مساحة حرية، وسور أمان بيني وبين ناس كانوا فاكرين إنهم يملكوا حياتي.

اشتريت شقة صغيرة، دور تاني بأسانسير، جنب بيت أمي.

شقة شمسها دافية، مافيهاش حد يقلل مني، ولا أخت زوج تدخل تاخد حاجتي، ولا حما يتكلم بصوت عالي وأنا تعبانة على السرير.

أول ليلة هناك، أمي عملت لي شوربة دافية، وحطيت ابني في سريره الجديد.

وقفت في الصالة الفاضية… ما كانش فيها نجف كريستال، ولا عفش غالي، ولا ذكريات متعبة.

ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن الشقة الفاضية مش خسارة… الشقة الفاضية أحياناً بتبقى صفحة بيضا خالية من الناس الغلط.

إجراءات الطلاق ما كانتش سهلة، تامر حاول يطلب حصة في الشقة أو تعويض، بس الأستاذ رفعت المحامي وضح له الموقف القانوني:

«العقار ملك خالص للمدعية قبل الزواج، ولا يوجد أي إثبات على مساهمتك بقرش واحد.»

فايزة قالت في مكتب المحامي:

— «بس إحنا عشنا فيها سنتين!»

رد المحامي بهدوء:

— «ده اسمه انتفاع واستضافة يا فندم، مش ملكية!»

تامر وافق في الآخر على الطلاق، وبدأت رحلة تنظيم الرؤية والنفقة.

شرطت عليه إنه عشان يشوف الولد، يدخل دورة رعاية أطفال ويتقن أساسيات التعامل مع البيبي: إزاي يعمل الرضعة، إزاي يغير البامبرز، وإزاي يقيس الحرارة.

أول مرة تامر قعد فيها قدام الممرضة في الدورة، كان وشه أحمر من الخجل لما سألته «ابنك بياخد كام ملّي؟» وما عرفش يرد.

بس مع الوقت، اتعلم.

مش عشان يرجعلي… لأن خلاص اللي اتكسر ما بيتصلحش، بس عشان يبقى أب حقيقي لابنه وما يحولش الولد لموضوع خلاف بين الكبار.

فايزة حاولت كذا مرة تجيلي الشقة الجديدة وتعمل مشاكل، بس الأمن كان بيمنعها، ولما الأستاذ رفعت بعت لها إنذار بعدم التعرض، اختفت والتزمت بالأصول القانونية.

بعد ست شهور من الولادة، جرح القيصرية التأم تماماً، وجسمي بدأ يسترد عافيته.

وفي يوم، وأنا قاعدة بشرب قهوتي، ابني بصلّي وابتسم أول ابتسامة حقيقية من قلبه.

ابتسامة صغيرة، بأسنان لسه ما طلعتش، بس كانت كفاية إنها تغسل كل الوجع والتعب اللي شفته.

بكيت من الفرحة… وبكائي المرة دي ما كانش بكاء هزيمة، كان بكاء بداية جديدة.

أنا ما بعتش شقة عشان أستفز حد… أنا بعت الوهم.

وهم إن العيلة دي كانت أماني.

وهم إن تامر كان ضهري.

البيت راح، والجوازة راحت… بس أنا وابني ما ضيعناش.

رجعت لنفسي، وبنيت بيتي الصغير من جديد… بيت ما يدخلوش غير اللي يعرف قيمة صاحبة البيت.

النهاية

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور ووردة أحمد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى