روايات وقصص

بعد. تلات شهور من جوازي لبسمه

وبدأت الحقيقية..

بعد يومين بالضبط، وصلني خبر إن حسام عمل للأسف الحركة المتوقعة.. راح ودى ورقة طلاقي غيابي عند المأذون! فاكر إنه بكده بيخلص من وجع الدماغ وبيقطع عليا طريق المطالبة بحقوقي، بس ما كانش يعرف إن اللعبة لسه دوبها تبدأ.

حماتي، الست نجوى، كانت فاكرة إن الموضوع خلص بطلاقي وأنها انتصرت. بدأت تمشي في المنطقة عندهم وتقول للناس بكل وقاحة:
“الحمد لله اللي نجى ابني من الست العاقر اللي كانت عاوزة تتهم أمه وتخرب بيته! ده أنا جايبالة عروسة ست العرايس، بنت أختي، هاتجوزهالوا الشهر الجاي على طول!”

الكلام ده كان بيوصلني عن طريق جارتنا الطيبة اللي ساكنة جنبهم. كانت القسوة بتموتني من جوة، بس الوجع ده تحول لقوة رهيبة.. قوة خلاني أصر إني أرد كرامتي وصحتي اللي اتدمرت.

رحت لدكتورة نسا وتوليد كبيرة جداً ومعروفة على مستوى الحيز، عشان أطمن على نفسي بجد. الدكتورة كشفت عليا وطالبت بتحاليل دقيقة كاملة لأنسجة الرحم والهرمونات عشان تشوف تأثير المادة اللي كنت بشربها على مدار أشهر طويلة.

قعدت قصاد الدكتورة وأنا برتجف من الخوف:
“دكتورة.. طمنيني، أنا كده مش هعرف أخلف خالص؟ رحمي اتقفل للأبد؟”

الدكتورة بصتلي بحنان واحتواء وقالتلي:
“بصي يا ندى.. المادة اللي كانت بتدخل جسمك مادة ضارة شديدة بتعمل انقباضات مستمرة وبتمنع ثبوت أي جنين وبتسبب ضمور مؤقت في بطانة الرحم.. الحمد لله ألف مرة إنك اكتشفتي الموضوع ده قبل ما المادة تدمر الأوعية الدموية بشكل نهائي كامل! الرحم بتاعك متأثر، ومحتاجة علاج مكثف لمدة 6 شهور عشان نطرد السموم والمواد دي ونرجع البطانة لطبيعتها، لكن أمل الشفاء والخلفة موجود وبقوة.. بفضل ربنا ثم إنك وقفتي الجرعات في الوقت المناسب تماماً!”

سجدت على الأرض في عيادة الدكتورة وأنا بدمع بغزارة وبشكر ربنا.. الأمل رد فيا تاني وكأني اتولدت من جديد.

مرت الأيام، والنيابة استدعت نجوى وحسام للتحقيق بعد ما الطب الشرعي أثبت فعلاً وجود مواد أعشاب ضارة وكيماوية خطيرة في الشوربة اللي اتسلمت للنيابة رسمياً.

لما دخلت نجوى النيابة، كانت فاكرة إن الموضوع مجرد كلام بيوت وهينتهي على خير، بس لما شافت وكيل النيابة بيتكلم بجدية صارمة ويوجهلها تهمة الشروع في إلحاق أذى جسدي جسيم والمساس بالسلامة الجسدية، وشها تحول للون الأسود من الخوف!

حسام كان واقف جنبها زي الأبلة، مش فاهم حاجة.. يحاول يقول للنيابة بتخبط:
“يا باشا دي أمي.. دي كانت بتديلها أعشاب مقوية عادية!”

وكيل النيابة بص له بصرامة هزت روحه وقال:
“الأعشاب دي فيها عناصر ومواد ممنوعة من التداول، ومذكورة في تقرير الطب الشرعي كعناصر تسبب العقم والضرر الجسيم لو زادت الجرعة! أمك متهمة رسمياً، وإنت هيحقق معاك كشريك لو ثبت علمك باللي بيحصل!”

هنا بقى.. الموقف اتقلب 180 درجة بطريقة لا تُصدق!

حسام أول ما سمع كلمة شريك ولقى السيناريو داخل في حبس وسجن حقيقي، بص لأمه بنظرة رعب وصدمة.. بدأ يتراجع للخلف ويقول لوكيل النيابة بسرعة وسذاجة:
“أنا ماليش دعوة يا باشا! أنا ما كنتش اعرف هي بتحط إيه في الأكل! هي اللي كانت بتعمل كل حاجه بإيدها وتقولي دي أعشاب من عند العطار! أنا مكنتش حاضر لما كانت بتجيب الحاجة دي ولا ليا يد!”

نجوى بصت لابنها بصدمة عمرها كله! ابنها الوحيد.. اللي عملت كل ده عشان تضمن إنه يفضل تحت دراعها وتجوزه على مزاجها.. بايعها في أول قلم عشان ينفد بجلده من الحبس!

صرخت فيه في مكتب النيابة بصوت مكسور:
“بقى كده يا حسام؟! بتبيع أمك عشان خايف على نفسك وعى جلدك؟! ده أنا كنت بعمل كل ده عشان أخلصك من الست دي وتجوز بنت أختي اللي بتسمع الكلام! جاحد يا ابني!”

وكيل النيابة خبط على الترابيزة وقال بغضب:
“بس أنت وهي! المحضر مكتمل، والمواد التالفة مثبتة تقريرياً وفنياً.”

أمرت النيابة بحبس نجوى على ذمة التحقيق مع مراعاة السن، وإخلاء سبيل حسام بكفالة مالية على ذمة القضية لحين الجلسة!

اللحظة اللي شفت فيها حماتي ماشية بالكلابشات في إيدها وحسام واقف برة مبلم، ومش عارف يعمل إيه ولا يروح فين، حسيت إن ربنا عدل.. عدل مطلق ملوش مثيل.

لكن القصة ما خلصتش هنا.. الأحداث خدت مجرى تاني خالص بعد 8 شهور!

خلال الثمانية شهور دول، أنا كنت مركزة في حاجتين أساسيتين في حياتي:
أولاً، صحتي وعلاجي.. وفعلاً بالتزام تام مع الدكتورة، جسمي بدأ يتعافى تماماً، ورحمي رجع لطبيعته بفضل ربنا ثم تغذيتي الكويسة وراحة البال والهدوء اللي عشته في بيت أبوي.

ثانياً، شغلي.. أنا كنت خريجة حاسبات ومعلومات، وقبل جوازي كنت سايبة شغلي عشان أتفرغ لحسام وبيته. رجعت قدمت على شغل في شركة برمجة كبيرة ومعروفة، واشتغلت بجهد مضاعف، وفي ظرف كم شهر أثبت نفسي وبقيت مسؤولة عن فريق كامل، ومرتبي بقيت بعتمد بيه على نفسي وبساعد أبويا كمان.

أما حسام.. فحياته اتقطعت وتدمرت تماماً.

القضية فضلت شغالة في المحاكم، أمه خدت حكم بالسجن مع وقف التنفيذ نظراً لسنها ووضعها الصحي، بس الفضيحة غطت المنطقة كلها وبقت على كل لسان. بنت أختها رفضت تجوزه تماماً أول ما عرفت باللي حصل ووساخة أفعالهم، والناس في الشارع بقوا يبصوله بقرف واحتقار.

أخدت كل حقوقي منه بالقانون.. القايمة بكامل محتوياتها، الدهب، مؤخر الصداق، والنفقة.. المحامي جابلي كل مليم لحد عندي في بيت أبويا.

في يوم من الأيام، وأنا طالعة من مقر الشركة رايحة لعربيتي، لقيت حد واقف جنبها مستنيني.

كان حسام!

بس ما كانش حسام بتاع زمان.. الغرور راح، وشعره كش، ووشه شاحب، وعينيه فيها انكسار غريب ومقرف. أول ما شافني، قرب مني بسرعة وقال بصوت مبحوح ومهتز:
“ندى.. ارجوكي اسمعيني دقيقة واحدة.. والله متمسك بيكي.”

وقفت بعيد عنه بحذر شديد وقلت ببرود جاف:
“خير يا حسام؟ عاوز إيه تاني؟ مش كفاية اللي حصل؟ جاي تفتكرني إمتى؟”

نزل على ركبتيه في الشارع قدام المارة، وبدأ يعيط بدموع ندم متأخرة:
“أنا آسف يا ندى.. أنا اتعميت! أمي ضيعتني وضيعت بيتي بجهلها. من يوم ما سبتيني وأنا عايش في جهنم.. البيت ميت، وأمي أكلها السم والندم، وبقت مريضة ومش قادرة تقوم من السرير. أنا عرفت قدرك وعرفت إني كنت عيل ومش راجل لما ما صدقتكيش ووقفت ضدك.. ارجعيلي يا ندى، أنا مستعد أعملك أي حاجة في الدنيا، أكتبلك الشقة باسمك، وأبعدك عن أمي خالص، بس ارجعيلي وارجعي لبيتك!”

بصيت له وأنا حاسة بقمة الشفقة والازدراء.. مش الحب، ولا الكره حتى.. مجرد شفقة تامة على بني آدم ضيع جوهرة غالية من إيده عشان يرضي مرض أمه النفسي.

قلت له بثبات وصوت مسموع وواثق:
“حسام.. أنت ما ظلمتنيش وبس، أنت كسرت الأمان اللي بيني وبينك للأبد. الراجل اللي ما يحميش مراته وما يصدقهاش لما تكون بتموت، ما يلزمهاش يكون جوزها أساساً. أنا صحتي رجعتلي، وحياتي بدأت من جديد في العالي، والرحم اللي كنتوا فاكرين إنه مش هيخلف.. الدكتور أكدلي إنه سليم 100% والحمد لله.. بس العيب ما كانش في رحمي يا حسام، العيب كان في اختيارك ونقص رجولتك وضعف شخصيتك.”

لفيت وشي وركبت عربيتي الفخمة، وسبته قاعد على الأرض بيبكي على اللبن المسكوب، ومشيت وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة من غير ما يكون محمل بمرارة الأعشاب ولا بظلم الناس.

بعد سنة واحدة بالظبط..

ربنا عوضني براجل تاني خالص.. مهندس محترم شغال معايا في نفس مجال البرمجة، عرف قصتي كلها من الأول ووقف جنبي بكل حب واجترام، راجل بجد بيعرف يعني إيه حماية وبيوت وأمان وسند حقيقي.

واليوم.. وأنا بكتب السطور دي، أنا قاعدة في بيتي الهادي الجميل، وماسكة في إيدي إيد بنتي الصغيرة ليلى اللي كملت شهرها الثالث.. بنتي اللي كانت شاهدة إن ربنا لما بياخد حاجة، بياخدها لحكمة، وبيوضنا بأحسن منها بكتير ميت مرة.

وأمي وحماتي القديمة؟
نجوى فضلت عايشة في بيتها معزولة عن العالم، ابنتها وبناتها أتعلموا الدرس بمرارة وما حدش بقى يزورها، وحسام لسه بيلف في الشوارع يدور على زواجة تانية ومش لاقي ست عاقلة ترضى بيه بعد الفضيحة الكبيرة اللي شالتها عيلته.

الظلم ليلته قصيرة مهما طال.. والنيات الطيبة هي اللي بتعيش وتنتصر في الآخر.

تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى