روايات وقصص

صاحب ااقصر حكايات صافي هاني

الراجل ده بقاله 20 سنة محدش قدر يشوفه بيبتسم… لحد ما صحي الساعة 5:17 الفجر، ولقي خدامته نايمة جنب سريره وإيدها ماسكة إيده وابنها في حضنها. 😳

الساعة خمسة وسبعتاشر دقيقة بالظبط فجر يوم التلات، حصل جوه قصري في أتلانتا موقف ولا واحد من الرجالة المسلحين اللي بيشتغلوا عندي كان ممكن يصدقه… أنا ابتسمت.

 

بقالى عشرين سنة، ومن ليلة وفاة أبويا بالذات، محدش قدر يخليني أبتسم ولو مرة واحدة. لكن بطريقة غريبة، خدامتي العنيدة قدرت تعملها وهي نايمة جنب سريري، وابنها الصغير في حضنها.

 

أول ما فتحت عيني، افتكرت إن السخونية خلتني أشوف حاجات مش حقيقية.

 

لكن بعدها لمحت طبق المية المعكرة، والفوط المبلولة، والترمومتر، وكوباية العصير اللي محدش لمسها… ولاحظت إيد ميجان فوستر وهي لسه متعلقة بإيدي من غير ما تحس.

 

كانت نامت وهي قاعدة على كرسي جلد قبل الفجر بوقت، ورأسها مسنودة على طرف المرتبة بتاعتي.

 

شعرها البني كان خرج من رابطة شعرها، والإرهاق باين تحت عينيها، وابنها الصغير اللي عنده سنة ونص كان نايم على رجليها تحت بطانية صفرا قديمة.

 

فضلت أبص عليهم من غير ما أتكلم.

 

محدش كان بيقعد جنب دومينيك ماسون إلا لو بياخد فلوس، أو واخد أمر، أو خايف يمشي.

 

وأنا بنفسي كنت حريص على إن ده يفضل حاصل بقاله عشرين سنة.

 

شركاتي الرسمية كانت مالكة مطاعم ونوادي وعقارات في مناطق كتير من أتلانتا.

 

أما الشغل اللي ورا الشركات دي فكان موضوع تاني خالص.

 

واسم ماسون لوحده كان كفاية يخلي أغلب الناس تفهم إمتى السكوت بيكون مطلوب.

 

لكن ميجان واضح إنها ما وصلهاش الكلام ده.

 

قبلها بست أسابيع، كانت وصلت قصري في باكهيد وهي شايلة شنطة مستعملة، ووجبة غداها جوه كيس بقالة، وكل اللي في حسابها البنكي كان حداشر دولار.

 

نانسي برايس، مديرة البيت اللي عندها اتنين وستين سنة، ادتها تحذير واحد بس.

 

قالت لها:

“لما تبقي حوالين مستر ماسون، اشتغلي بهدوء.”

 

ميجان بصت لها وسألت:

“يعني بهدوء قد إيه؟”

 

نانسي ردت:

“بهدوء شديد.”

 

ميجان سألت:

“هو بينام طول اليوم؟”

 

“لأ.”

 

“بيسجل كتب صوتية؟”

 

“لأ.”

 

“أمال ليه؟”

 

نانسي بصت لها وقالت:

“هو بيحب الهدوء.”

 

ميجان بصت حوالين القصر الضخم وقالت:

“واضح إنه اشترى منه كمية تكفي البلد.”

 

الخدامين التلاتة اللي كانوا قبلها قعدوا عندي حداشر يوم، والتاني تمانية، والتالت أربعة بس.

 

لكن ميجان كانت محتاجة الواحد وعشرين دولار في الساعة لدرجة إنها وعدت نانسي إنها هتقدر تستحملني.

 

نفس اليوم بعد الضهر دخلت مكتبي.

 

كنت قاعد ورا المكتب الخشب الكبير وبراجع تقارير مالية، والكرسي المتحرك بتاعي واقف بين شاشتين كبار.

 

إصابة قديمة كانت خلتني أستخدم الكرسي ده، لكنها ما قدرتش تاخد مني السيطرة على الرجالة اللي بيشتغلوا معايا، ولا تقلل من خوف الناس مني.

 

بصيت لها وقلت:

“إنتِ جديدة.”

 

ردت:

“ميجان فوستر.”

 

قلت:

“أنا عارف.”

 

قالت:

“كويس… وفرنا وقت.”

 

فضلت أربع دقايق كاملة من غير ما تتكلم.

 

وبعدين قالت:

“دي كتب كتير أوي.”

 

وقفت إيدي عن الكتابة.

 

بصيت لها.

 

قالت:

“إنت قريت كل دول؟”

 

قلت:

“أنا طلبت من نانسي حد ينضف.”

 

قالت:

“وأنا بعرف أنضف وأسأل أسئلة كمان. يعني متعددة المواهب.”

 

قلت:

“أنا بحب الهدوء.”

 

قالت:

“حاضر.”

 

وبعد حوالي نص دقيقة، بصت حوالين المكتب وقالت:

“البيت ده أكيد هادي أوي.”

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

قلت:

“كان هادي.”

 

سكتت فجأة.

 

وبعدين هزت راسها وقالت:

“دي كانت في محلها.”

 

طول الأسبوع اللي بعده، كنت بصحح لها كل حاجة بتعملها.

 

الشبابيك.

 

الكراسي.

 

الملفات.

 

حتى الأقلام اللي كانت بتحركها نص سنتي من مكانها.

 

وفي عصر يوم الجمعة، المكنسة اللي كانت في إيدها خبطت في ترابيزة جانبية، والخبطة وقعت أربعطاشر شهر من أوراق المفاوضات على الأرض.

 

قلت بصوت حاد:

“استني.”

 

وقفت ميجان وبصت لي:

“في إيه؟”

 

قلت:

“إنتِ فاهمة إنتِ عملتي إيه؟”

 

قالت:

“وقعت شوية ورق.”

 

رديت:

“الورق ده كان مترتب.”

 

قالت:

“طيب قول لي كان مترتب إزاي.”

 

صوتي بقى أشد:

“إنتِ مش فاهمة.”

 

قالت بكل هدوء:

“غالبًا لأ… وعشان كده بقولك فهمني.”

 

محدش كان بيتكلم معايا بالطريقة دي.

 

كنت شايف نبضها سريع من شدة التوتر، وكنت عارف إنها محتاجة الشغل ده.

 

لكن بدل ما تنهار قدام غضبي، نزلت على الأرض وبدأت تجمع كل ورقة بحرص.

 

وقالت:

“أنا غلطت. أنا آسفة. وريني الترتيب الصح وأنا هظبطه.”

 

معظم الناس كانوا بيعتذروا لي كأنهم أسرى.

 

أما ميجان، فكانت بتعتذر وهي لسه حاسة إنها صاحبة قرارها.

 

فضلت ساكت شوية.

 

وبعدين قلت:

“الملف الرمادي الأول.”

 

قالت:

“حاضر.”

 

قلت:

“والأزرق تحته.”

 

بدأت تجمع الورق من جديد، وفي دقايق قليلة رجعته زي ما كان بالظبط.

 

بعدها زقت عربية التنظيف ناحية الباب.

 

ناديت:

“ميجان.”

 

لفت وبصت لي وهي مستنية.

 

ولسبب أنا نفسي ما كنتش فاهمه، الكلام اللي كنت ناوي أوبخها بيه اختفى من دماغي.

 

قلت بس:

“خلاص… تقدري تروحي.”

 

خرجت من مكتبي.

 

وبعد ثواني سمعت نانسي بتهمس لها وهي شبه منهارة:

“إنتِ بتحاولي تتفصلي من الشغل بإيدك؟”

 

ميجان ردت:

“هو كان قليل الذوق.”

 

نانسي قالت:

“ده صاحب البيت.”

 

ميجان ردت على طول:

“وبعدين؟”

 

لأول مرة من عشرين سنة، كان في حد جوه بيتي بيتكلم عني من غير خوف.

 

والأغرب من كده إني بدل ما آمر بطردها، لقيت نفسي ساكت وبسمع صوت خطواتها وهي بتبعد في الممر.

 

ماكنتش أعرف وقتها إن الست دي، اللي ما بتخافش مني، بعد ست أسابيع بس هتقضي ليلة كاملة جنب سريري وأنا بحترق من السخونية، وابنها الصغير نايم على صدرها.

 

وماكنتش أعرف إن أول ما هفتح عيني وألاقي إيدها لسه ماسكة إيدي، دومينيك ماسون، الراجل اللي نص أتلانتا كانت بتخاف تقرب منه، هيبتسم لأول مرة من ليلة وفاة أبوه.

 

القصة طويلة ومش هتنفع تتحط كلها في المنشور

باقي القصه موجو علي صفحة W A A D اضغط وهاتلاقي القصه كامله هناك. وماتنساش تعملي متابعه عشان يوصلك كل جديد ♥♥♥♥♥

@أبرز المعجبين .

 

لو عايزة تعرفي باقي الحكاية اكتبي “نعم”، والتكملة كاملة هتكون في التعليقات تحت في الصفحه 👇👇

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

فضلت واقف عند اللحظة دي وأنا ببص على ميجان وهي نايمة جنب سريري وإيدها ماسكة إيدي كأنها كانت خايفة إني أختفي لو سابتها.

 

الساعة كانت خمسة وسبعتاشر دقيقة الصبح.

 

وبرغم إن جسمي كان لسه ضعيف من السخونية اللي ضربتني طول الليل، إلا إن عقلي كان صاحي بشكل غريب.

 

بصيت لوشها فترة طويلة.

 

كانت مرهقة.

 

واضح إنها ما نامتش غير دقائق قليلة.

 

وفي حضنها ابنها الصغير، لوكاس، نايم بمنتهى البراءة، إيده الصغيرة متعلقة في هدوم أمه ووشه مدفون في صدرها.

 

افتكرت اللي حصل قبل كده بساعات.

 

كنت داخل في نوبة سخونية شديدة.

 

حرارتي كانت عالية بشكل يخوف.

 

وأنا رفضت أروح المستشفى.

 

كالعادة.

 

قلت إن الموضوع مجرد إرهاق وهينتهي.

 

لكن ميجان كانت الوحيدة اللي ما سمعتش كلامي.

 

فضلت تقول لي:

 

“إنت حر تعمل اللي إنت عايزه في حياتك، لكن طول ما إنت تحت سقف البيت ده وأنا مسؤولة عنك، مش هسيبك تموت قدامي.”

 

وقتها كنت تعبان لدرجة إني حتى ما قدرتش أرد عليها.

 

قلت لها:

 

“أنا مش محتاج حد.”

 

فردت:

 

“كل الناس بتحتاج حد.”

 

وساعتها خرجت منها جملة ما نسيتهاش.

 

قالت:

 

“حتى الناس اللي فاكرة إنها أقوى من الدنيا.”

 

وبعدها قضت الليل كله جنبي.

 

كانت تغير الفوطة المبلولة على جبيني.

 

تقيس حرارتي.

 

تحاول تخليني أشرب.

 

وتتصل بالدكتور كل فترة.

 

وفي نفس الوقت ابنها كان بيصحى كل شوية من السخونية اللي في جسمه أو من صوت أمه.

 

ففي الآخر جابت كرسي وحطته جنب السرير.

 

وقعدت عليه.

 

ومسكت إيدي.

 

وبعدها واضح إنها نامت.

 

وأنا أول مرة من سنين طويلة حسيت إن المكان اللي أنا عايش فيه مش قصر.

 

حسيته بيت.

 

ابتسامتي اختفت بسرعة لما سمعت حركة في الممر.

 

دخل نانسي.

 

أول ما شافتني صاحي وقفت مكانها.

 

بصت لي.

 

وبعدين بصت لميجان.

 

وبعدين رجعت تبص لي.

 

قالت بصوت واطي:

 

“إنت صاحي؟”

 

هزيت راسي.

 

نانسي قربت مني وقالت:

 

“إزاي حاسس؟”

 

قلت:

 

“أحسن.”

 

بصت للترمومتر.

 

وبعدين قالت:

 

“الحمد لله.”

 

وفجأة لاحظت إني لسه ماسك إيد ميجان.

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

وقالت:

 

“واضح إنك أحسن بكتير.”

 

بصيت لها بحدة.

 

قالت بسرعة:

 

“أنا ما قلتش حاجة.”

 

وسكتت.

 

بعدها اتحركت ناحية ميجان وهزت كتفها.

 

“ميجان.”

 

ميجان فتحت عينيها بسرعة.

 

أول حاجة عملتها إنها بصت عليا.

 

“إنت صاحي؟”

 

قلت:

 

“آه.”

 

رفعت إيدها من إيدي بسرعة وكأنها اتقفشت بتعمل حاجة غلط.

 

وقالت:

 

“أنا… آسفة. أنا ما كنتش أقصد أنام.”

 

قلت:

 

“ابنك؟”

 

بصت له.

 

“نايم.”

 

قلت:

 

“خليه نايم.”

 

بصت لي باستغراب.

 

“إنت مش متضايق؟”

 

قلت:

 

“من إيه؟”

 

قالت:

 

“إني قعدت هنا.”

 

رديت:

 

“لأ.”

 

نانسي كانت واقفة عند الباب وبتحاول تمنع نفسها من الابتسام.

 

بصيت لها.

 

فقالت:

 

“أنا هروح أبلغ الدكتور إنك صحيت.”

 

خرجت.

 

ميجان فضلت واقفة قدامي.

 

وبعد لحظات قالت:

 

“حرارتك نزلت.”

 

قلت:

 

“واضح.”

 

قالت:

 

“أيوه.”

 

وبعدين سكتت.

 

قلت:

 

“ميجان.”

 

“نعم؟”

 

“إنتِ كنتِ هنا طول الليل؟”

 

سكتت ثواني.

 

وبعدين قالت:

 

“أيوه.”

 

“ليه؟”

 

ضحكت ضحكة صغيرة.

 

“عشان لو مشيت يمكن تموت.”

 

بصيت لها.

 

قالت بسرعة:

 

“قصدي… مش قصدي أخوفك. الدكتور قال لازم حد يفضل جنبك.”

 

قلت:

 

“الدكتور قال كده؟”

 

هزت راسها.

 

“أيوه.”

 

كنت عارف إنها بتكدب.

 

الدكتور كان طلب مني أروح المستشفى.

 

ما طلبش منها تقضي الليل كله ماسكة إيدي.

 

لكن ما حبيتش أحرجها.

 

قلت:

 

“روحي نامي.”

 

قالت:

 

“هروح لما أطمّن عليك.”

 

“أنا كويس.”

 

“إنت لسه وشك أبيض.”

 

“ميجان.”

 

“نعم؟”

 

“روحي.”

 

بصت لي شوية.

 

وبعدين قالت:

 

“حاضر.”

 

شالت ابنها بهدوء.

 

وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب وقالت:

 

“على فكرة…”

 

بصيت لها.

 

قالت:

 

“إنت ابتسمت.”

 

تجمدت.

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“لما فتحت عينك.”

 

قلت:

 

“أنا ما ابتسمتش.”

 

ضحكت.

 

“ابتسمت.”

 

“ما حصلش.”

 

“حصل.”

 

“ميجان.”

 

“حاضر يا مستر ماسون.”

 

خرجت وهي بتضحك.

 

وأنا فضلت أبص للباب بعد ما قفلته.

 

ولأول مرة من سنين، ما حسيتش بالغضب من حد اتجرأ عليا.

 

حسيت بحاجة مختلفة.

 

حاجة أنا ما كنتش عارف أسميها.

 

لكن الحاجة دي ما استمرتلكش كتير.

 

لأن بعد حوالي عشر دقايق دخل ريتشارد.

 

ذراعي اليمين.

 

الراجل اللي كان معايا بقاله خمسة عشر سنة.

 

دخل وقفل الباب وراه.

 

وقال:

 

“لازم نتكلم.”

 

قلت:

 

“اتفضل.”

 

وقف قدامي وقال:

 

“الراجل اللي حاول يدخل المخزن الشرقي امبارح اتحرك.”

 

سكت.

 

“مين؟”

 

قال:

 

“نفس المجموعة اللي كانت بتراقب مخازننا من أسبوعين.”

 

قلت:

 

“عرفوا إيه؟”

 

“لسه مش متأكدين.”

 

“يبقى اتأكدوا.”

 

هز راسه.

 

وبعدين قال:

 

“وفي حاجة تانية.”

 

بصيت له.

 

“إيه؟”

 

قال:

 

“الست الجديدة.”

 

عرفت فورًا إنه يقصد ميجان.

 

“مالها؟”

 

قال:

 

“أنا مش مرتاح لها.”

 

سكت.

 

ثم قلت:

 

“ليه؟”

 

“لأنها قربت منك بسرعة.”

 

قلت:

 

“هي خدامة.”

 

“أنا عارف.”

 

“وبعدين؟”

 

“مش طبيعي.”

 

رفعت عيني له.

 

“إيه اللي مش طبيعي؟”

 

قال:

 

“إن كل اللي بيشتغلوا هنا بيخافوا منك. هي لأ.”

 

قلت:

 

“يمكن لأنها غبية.”

 

ضحك بخفة.

 

“ممكن.”

 

ثم أضاف:

 

“بس الغباء أوقات بيكون ستار.”

 

سكت.

 

كان كلامه منطقي.

 

لكن الغريب إني لأول مرة ما كنتش عايز أصدق شكوكه.

 

قلت:

 

“راقبوها.”

 

قال:

 

“من غير ما تعرف؟”

 

“آه.”

 

“حاضر.”

 

خرج.

 

لكن قبل ما الباب يتقفل، ناديت عليه.

 

“ريتشارد.”

 

لف.

 

“ما حدش يقرب منها.”

 

بص لي ثواني.

 

وقال:

 

“مفهوم.”

 

خرج.

 

بعدها بدقائق رجع الدكتور.

 

كشف عليا.

 

وطلب مني أفضل في السرير اليوم كله.

 

وبعد الكشف قال:

 

“الحرارة كانت عالية جدًا.”

 

قلت:

 

“بس نزلت.”

 

“أيوه. لكن لو كنت اتأخرت في العلاج كان ممكن الموضوع يبقى أخطر.”

 

سألته:

 

“إيه السبب؟”

 

قال:

 

“إجهاد شديد مع عدوى بسيطة، والجسم كان مرهق.”

 

هزيت راسي.

 

ثم قال:

 

“وفي حاجة تانية.”

 

“إيه؟”

 

“إنت محتاج ترتاح.”

 

ضحكت بسخرية.

 

“دي أصعب وصفة ممكن تكتبها لي.”

 

الدكتور ضحك.

 

“عشان كده كتبتها.”

 

بعد ما خرج، فضلت لوحدي.

 

لكن مش لفترة طويلة.

 

لأن باب الغرفة اتفتح مرة تانية.

 

دخلت ميجان.

 

كانت لابسة هدوم بسيطة، وشعرها مربوط، وابنها مش معاها.

 

قلت:

 

“لوكاس فين؟”

 

قالت:

 

“نانسي أخدته.”

 

“ليه؟”

 

“قالت لي إني لازم أنام.”

 

“وإنتِ؟”

 

قالت:

 

“أنا جيت أشوفك.”

 

قلت:

 

“إنتِ كمان محتاجة دكتور.”

 

ضحكت.

 

“أنا محتاجة مرتب.”

 

ولأول مرة من فترة طويلة ضحكت بصوت واضح.

 

ميجان بصت لي بدهشة.

 

وقالت:

 

“أهو.”

 

قلت:

 

“أهو إيه؟”

 

“إنت ضحكت.”

 

سكت.

 

هي ابتسمت.

 

“أنا بدأت أشك إنك إنسان.”

 

قلت:

 

“إنتِ بتلعبي بالنار.”

 

قالت:

 

“يمكن.”

 

وبعدين قربت من السرير.

 

“بس عايزة أسألك سؤال.”

 

“اسألي.”

 

“ليه إنت عايش لوحدك؟”

 

السؤال نزل عليا زي حجر.

 

وشي كله اتغير.

 

هي لاحظت.

 

فقالت:

 

“آسفة.”

 

قلت:

 

“أبويا مات.”

 

“عارفة.”

 

“أمي ماتت بعده بسنتين.”

 

سكتت.

 

قلت:

 

“ومن يومها البيت ده بقى فاضي.”

 

قالت:

 

“عندك أصحاب؟”

 

“لأ.”

 

“عيلة؟”

 

“لأ.”

 

“حد بتثق فيه؟”

 

سكت.

 

فهمت الإجابة.

 

قالت:

 

“ده صعب.”

 

قلت:

 

“أنا متعود.”

 

هزت راسها.

 

وقالت:

 

“الواحد ممكن يتعود على الوحدة، بس ده مش معناه إنها ما بتوجعش.”

 

بصيت لها.

 

كان في حاجة في كلامها خلتني أسأل:

 

“وإنتِ؟”

 

“أنا إيه؟”

 

“ليه إنتِ لوحدك؟”

 

سكتت.

 

ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شفت الخوف في عينيها.

 

قالت:

 

“أنا مش لوحدي.”

 

وأشارت ناحية الباب.

 

“عندي لوكاس.”

 

قلت:

 

“قصدي والدك؟ والدتك؟”

 

سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

“أبويا مات من زمان.”

 

“وأمك؟”

 

بصت للأرض.

 

“موجودة.”

 

“فين؟”

 

“مش معايا.”

 

ما ضغطتش عليها.

 

لكن حسيت إن ورا الكلام حكاية كبيرة.

 

في نفس اللحظة دخل نانسي وقالت:

 

“ميجان، ممكن تيجي معايا دقيقة؟”

 

ميجان خرجت.

 

لكن قبل ما الباب يتقفل، سمعتها بتقول:

 

“حاضر.”

 

بعد حوالي عشرين دقيقة، كنت واقف عند باب الغرفة لما سمعت صوت من الدور السفلي.

 

صوت رجل.

 

غريب.

 

مش من الحراس.

 

نزلت بهدوء.

 

لقيت ريتشارد واقف في المدخل.

 

وفي المقابل كان في رجل لابس بدلة رمادي.

 

قلت:

 

“مين ده؟”

 

ريتشارد قال:

 

“بيطلب يقابلك.”

 

بصيت للرجل.

 

“اسمك؟”

 

قال:

 

“جيمس كول.”

 

ما عرفتش الاسم.

 

قلت:

 

“إنت عايز إيه؟”

 

قال:

 

“أطلب منك تسمعني بس.”

 

قلت:

 

“اتكلم.”

 

بص حواليه.

 

ثم قال:

 

“والدك ما ماتش بسبب الحادث.”

 

سكت البيت كله.

 

حتى ريتشارد رفع عينه.

 

أنا قربت منه.

 

“كرر.”

 

قال:

 

“والدك ما ماتش في حادث.”

 

قلت:

 

“إنت جاي تقول لي إن أبويا اتقتل؟”

 

“أيوه.”

 

“مين قتله؟”

 

هز راسه.

 

“قبل ما أقول لك لازم تعرف إن الشخص اللي قتله كان قريب جدًا منك.”

 

مسكت ذراع الكرسي بقوة.

 

قلت:

 

“مين؟”

 

فتح فمه.

 

لكن قبل ما ينطق، سمعنا صوت زجاج بيتكسر من الناحية التانية للقصر.

 

في ثانية واحدة، كل الحراس اتحركوا.

 

ريتشارد سحب سلاحه.

 

وأنا قلت:

 

“خدوه.”

 

لكن جيمس اختفى من قدامنا.

 

ثواني.

 

بس.

 

كأنه تبخر.

 

ريتشارد جري ناحية الباب الخلفي.

 

وأنا فضلت مكاني.

 

ثم سمعت صرخة.

 

صرخة ميجان.

 

اتجمدت.

 

“ميجان!”

 

تحركت بأقصى سرعة قدرت عليها.

 

وصلت للممر.

 

لقيت ميجان واقفة عند السلم، ولوكاس في حضنها.

 

وفي آخر الممر رجل ملثم بيجري ناحية الباب.

 

ميجان كانت بتصرخ:

 

“دومينيك!”

 

ما فكرتش.

 

تحركت ناحية الرجل.

 

لكن قبل ما أوصل، ريتشارد ظهر وضربه وأسقطه.

 

الحراس مسكوه.

 

أنا بصيت لميجان.

 

كانت بتتنفس بسرعة.

 

لوكاس بيعيط.

 

قربت منها.

 

“إنتِ كويسة؟”

 

هزت راسها.

 

“أيوه.”

 

“حد لمسِك؟”

 

“لأ.”

 

“لوكاس؟”

 

“كويس.”

 

أخدته منها لحظة.

 

لأول مرة أمسك طفل من سنين.

 

كان بيعيط.

 

حطيته على كتفي.

 

وبدون ما أعرف ليه، هدي.

 

ميجان بصت لي.

 

“هو بيحبك.”

 

قلت:

 

“هو لسه ما يعرفنيش.”

 

قالت:

 

“الأطفال بيحسوا.”

 

فضلت شايل لوكاس.

 

والرجل الملثم كان بيتسحب بعيد.

 

لكن قبل ما يخرج، قال جملة واحدة:

 

“اسألها عن أبوها.”

 

بصيت لميجان.

 

وشها اتغير.

 

“إيه؟”

 

هي ما ردتش.

 

كرر الرجل:

 

“اسأل ميجان عن أبوها.”

 

وبعدها أخدوه.

 

سكت المكان.

 

بصيت لميجان.

 

“إيه معنى الكلام ده؟”

 

قالت:

 

“ما أعرفش.”

 

قلت:

 

“ميجان.”

 

“والله ما أعرف.”

 

قربت منها.

 

“مين أبوكي؟”

 

دموعها نزلت.

 

وقالت:

 

“أنا ما كنتش عايزة أقول لك.”

 

“قولي.”

 

قالت:

 

“اسمه توماس فوستر.”

 

الاسم ضربني.

 

لأني كنت أعرفه.

 

توماس فوستر كان واحد من أقرب رجال أبي.

 

واحد من الأشخاص اللي اختفوا بعد وفاة أبي مباشرة.

 

قلت:

 

“أبوكي كان شغال مع أبويا؟”

 

هزت راسها.

 

“أيوه.”

 

“كان فين ليلة وفاة أبويا؟”

 

ميجان سكتت.

 

قلت:

 

“جاوبيني.”

 

قالت:

 

“مات.”

 

قلت:

 

“إمتى؟”

 

قالت:

 

“بعد أبوك بأسبوع.”

 

رجعت بكرسيي خطوة.

 

المعلومة دي ما كانتش موجودة في أي ملف عندي.

 

أنا كنت فاكر إن توماس اختفى.

 

لكن ما كنتش أعرف إنه مات.

 

قلت:

 

“إنتِ كنتِ تعرفيني قبل ما تيجي هنا؟”

 

قالت:

 

“لأ.”

 

“أكيد؟”

 

دموعها نزلت أكتر.

 

“أيوه.”

 

“ليه اشتغلتي هنا؟”

 

قالت:

 

“عشان الفلوس.”

 

“بس.”

 

“أيوه.”

 

بصيت لها طويلًا.

 

ثم قلت:

 

“ليه كل مرة بسألك عن الماضي بتخافي؟”

 

سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

“عشان الماضي هو الحاجة الوحيدة اللي أنا قضيت عمري كله بهرب منها.”

 

ما ردتش.

 

في اللحظة دي، ريتشارد رجع.

 

قال:

 

“الراجل مات.”

 

بصيت له.

 

“إيه؟”

 

“قبل ما نوصل لأي معلومات.”

 

قلت:

 

“قتل نفسه؟”

 

هز راسه.

 

“لأ.”

 

ثم أضاف:

 

“حد أنهى الموضوع قبل ما يتكلم.”

 

سكت.

 

بدأت أفهم إن اللي بيحصل أكبر من مجرد تهديد.

 

وفي نفس الليلة، طلبت من ريتشارد يراجع كل ملفات أبي القديمة.

 

كلها.

 

حتى الملفات اللي ما حدش فتحها من عشرين سنة.

 

قعدنا لحد الفجر.

 

وفي الساعة أربعة صباحًا، لقينا ملف.

 

ملف بني قديم.

 

عليه اسم:

 

توماس فوستر.

 

فتحته.

 

أول ورقة كانت صورة.

 

صورة لأبويا.

 

وصورة لتوماس.

 

وفي الخلفية رجل ثالث.

 

أنا عارفه.

 

وقعت الورقة من إيدي.

 

ريتشارد قال:

 

“مين ده؟”

 

قلت:

 

“عمي.”

 

سكت.

 

عمي كان الشخص الوحيد اللي فضل قريب مني بعد وفاة أبويا.

 

هو اللي ساعدني أبني كل حاجة.

 

هو اللي كان بيقولي:

 

“ابعد عن الماضي يا دومينيك.”

 

فجأة كل كلمة قالها بقت لها معنى تاني.

 

فتحت الملف بسرعة.

 

لقيت ورقة مكتوب فيها بخط أبويا:

 

“لو حصل لي أي حاجة، ما تثقش في أخويا.”

 

فضلت ساكت.

 

ريتشارد قرأها.

 

وقال:

 

“إحنا لازم نتصرف.”

 

قلت:

 

“لأ.”

 

“دومينيك…”

 

“مش دلوقتي.”

 

“ليه؟”

 

بصيت ناحية الباب.

 

“عشان ميجان.”

 

قال:

 

“مالها؟”

 

“أبوها كان عارف الحقيقة.”

 

ثم رفعت الورقة.

 

“وحد قتل أبوها.”

 

ريتشارد قال:

 

“إنت شاكك فيها؟”

 

بصيت له.

 

“أنا شاكك في كل الناس.”

 

“حتى هي؟”

 

سكت.

 

ثم قلت:

 

“خصوصًا هي.”

 

لكن رغم كلامي، كنت عارف إن في حاجة غلط.

 

لأن في نفس اللحظة، ميجان كانت قاعدة في غرفتها وبتبكي.

 

وكان في إيدها صورة قديمة لأبوها.

 

وخلف الصورة كانت مخبية ورقة صغيرة.

 

الورقة اللي أبوها سلمها لها قبل وفاته.

 

وكان مكتوب فيها:

 

“لو حصل لي حاجة، روحي لقصر دومينيك ماسون.”

 

لكن ميجان ما كانتش عارفة ليه.

 

ولا كانت تعرف إن أبويا كتب قبل موته بيوم:

 

“احموا ابنة توماس.”

 

—

 

تاني يوم الصبح، طلبت ميجان تقابلني.

 

دخلت مكتبي.

 

وقفت قدامي.

 

وقالت:

 

“أنا لازم أمشي.”

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

“عشان وجودي هنا بيعرضك للخطر.”

 

“إنتِ عارفة حاجة.”

 

سكتت.

 

“قولي.”

 

طلعت الورقة من جيبها.

 

وحطتها قدامي.

 

قريتها.

 

وبعدين رفعت عيني لها.

 

“أبوكي كتبها؟”

 

هزت راسها.

 

“قبل ما يموت.”

 

قلت:

 

“ليه ما وريتيهاش لي؟”

 

قالت:

 

“كنت خايفة.”

 

“من مين؟”

 

قالت:

 

“من كل حاجة.”

 

سكتنا.

 

ثم قالت:

 

“أنا ما جيتش هنا عشان أؤذيك.”

 

قلت:

 

“أنا مصدقك.”

 

رفعت عينيها بدهشة.

 

“بجد؟”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

“بعد كل اللي حصل؟”

 

“أيوه.”

 

دموعها نزلت.

 

وقالت:

 

“ليه؟”

 

قلت:

 

“لأن لو كنتِ جاية تأذيني، كان عندك فرص كتير.”

 

سكتت.

 

ثم قلت:

 

“بس في حاجة لازم تعرفيها.”

 

طلعت صورة أبوها.

 

وحطيتها قدامها.

 

“أبوكي كان بيحاول يحمي أبويا.”

 

ميجان قربت من الصورة.

 

“إزاي؟”

 

قلت:

 

“مش عارف.”

 

ثم أضفت:

 

“لكن هعرف.”

 

في اللحظة دي دخل ريتشارد بسرعة.

 

قال:

 

“دومينيك، في خبر.”

 

“إيه؟”

 

“عمك طلب اجتماع.”

 

رفعت عيني.

 

“إمتى؟”

 

“النهارده.”

 

ابتسمت.

 

لكن المرة دي ابتسامتي كانت مختلفة.

 

ميجان بصت لي.

 

وقالت:

 

“إنت بتبتسم.”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

“ليه؟”

 

رديت:

 

“عشان أخيرًا عرفت مين لازم أسأله.”

 

—

 

في المساء، وصل عمي.

 

دخل القصر بنفس الثقة اللي دخل بيها مئات المرات.

 

رجل كبير، شعره أبيض، وبدلته غالية.

 

قال:

 

“دومينيك.”

 

قلت:

 

“عمي.”

 

ابتسم.

 

“سمعت إنك كنت مريض.”

 

“خفيت.”

 

بص لميجان اللي كانت واقفة بعيد.

 

وبعدين قال:

 

“مين دي؟”

 

قلت:

 

“موظفة.”

 

ابتسم.

 

“موظفة؟”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

جلس.

 

وقال:

 

“أنا جاي أحذرك.”

 

“من إيه؟”

 

“الناس اللي حواليك.”

 

قلت:

 

“مين؟”

 

قال:

 

“أي حد جديد.”

 

ابتسمت.

 

“ليه؟”

 

“لأنك ما تعرفش نواياهم.”

 

بصيت له.

 

“أحيانًا الشخص اللي تعرفه من عشرين سنة بيكون أخطر من الغريب.”

 

وشه اتغير.

 

ثانية واحدة بس.

 

لكن أنا شفتها.

 

قلت:

 

“إنت متوتر؟”

 

ضحك.

 

“أنا؟”

 

“أيوه.”

 

“ليه؟”

 

“مش عارف.”

 

ثم حطيت ملف توماس على المكتب.

 

وجهه شحب.

 

قلت:

 

“تعرف الراجل ده؟”

 

سكت.

 

قلت:

 

“كان شغال مع أبويا.”

 

قال:

 

“أكيد أعرفه.”

 

“ومات إمتى؟”

 

“من سنين.”

 

“إمتى بالظبط؟”

 

سكت.

 

قلت:

 

“ليه مش فاكر؟”

 

قال:

 

“دومينيك، الموضوع قديم.”

 

دفعت الورقة قدامه.

 

“أبويا كتب إنه كان بيثق فيه.”

 

ثم حطيت الورقة التانية.

 

“وكتب إنه ما يثقش في أخوه.”

 

الصمت كان كامل.

 

عمي بص لي.

 

وبعدين قال:

 

“إنت فاهم غلط.”

 

قلت:

 

“يبقى صحح لي.”

 

وقف.

 

“أنا مش هقبل الاتهام ده.”

 

قلت:

 

“أنا ما اتهمتكش.”

 

ابتسمت.

 

“لسه.”

 

خرج.

 

بعد ما مشي، ريتشارد دخل.

 

قال:

 

“هو خاف.”

 

قلت:

 

“أنا عارف.”

 

ثم سألت:

 

“فين ميجان؟”

 

قال:

 

“في المطبخ.”

 

نزلت لها.

 

لقيتها قاعدة على الأرض جنب لوكاس.

 

كانت بتطعمه.

 

أول ما شافتني قالت:

 

“إنت كويس؟”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

ثم جلست على الكرسي المقابل لها.

 

قالت:

 

“عرفت حاجة؟”

 

قلت:

 

“لسه.”

 

ثم نظرت إلى لوكاس.

 

كان بيضحك.

 

وفجأة مد إيده ناحية وجهي.

 

ضحكت.

 

ميجان بصت لي.

 

وقالت:

 

“هو بيحبك.”

 

قلت:

 

“يمكن.”

 

قالت:

 

“إنت اتغيرت.”

 

سألتها:

 

“إزاي؟”

 

قالت:

 

“من يوم ما صحيت وإنت مش نفس الشخص.”

 

سكت.

 

وبعدين قلت:

 

“يمكن لأني لأول مرة صحيت ولقيت حد ماسك إيدي.”

 

دموعها لمعت.

 

لكنها ابتسمت.

 

وفي اللحظة دي، وصلني اتصال.

 

ريتشارد.

 

رديت.

 

قال:

 

“دومينيك… لازم تيجي فورًا.”

 

“إيه اللي حصل؟”

 

سكت ثانيتين.

 

وبعدين قال:

 

“لقينا تسجيل من ليلة وفاة والدك.”

 

جسمي كله تجمد.

 

قلت:

 

“فين؟”

 

“في البيت القديم.”

 

“مين في التسجيل؟”

 

سكت.

 

ثم قال:

 

“أبوك.”

 

قلت:

 

“وبيتكلم مع مين؟”

 

قال:

 

“مع توماس فوستر.”

 

بصيت لميجان.

 

قالت:

 

“إيه؟”

 

ما قدرتش أرد.

 

ريتشارد أكمل:

 

“وفي شخص ثالث.”

 

“مين؟”

 

قال:

 

“عمك.”

 

—

 

وصلت البيت القديم بعد أقل من ساعة.

 

دخلنا غرفة الأرشيف.

 

شغل ريتشارد التسجيل.

 

الصوت كان قديم ومشوش.

 

لكن صوت أبويا كان واضح.

 

قال:

 

“لو إنت سامع التسجيل ده، يبقى أنا غالبًا مت.”

 

صمت.

 

ثم ظهر صوت توماس:

 

“إنت متأكد إن أخوك هو اللي ورا كل ده؟”

 

أبويا رد:

 

“أيوه.”

 

ثم قال:

 

“هو مش عايز الشركة.”

 

صمت.

 

“عايز أكتر من كده.”

 

توماس سأله:

 

“إيه؟”

 

أبويا قال:

 

“عايز ابني.”

 

جسمي اتجمد.

 

صوت توماس قال:

 

“دومينيك؟”

 

“أيوه.”

 

“ليه؟”

 

أبويا قال:

 

“لأنه عارف إن لو أنا اختفيت، دومينيك هيحاول يعرف الحقيقة.”

 

ثم صوت باب.

 

وصوت رجل.

 

عمي.

 

قال:

 

“خلصنا؟”

 

التسجيل انقطع.

 

ريتشارد بص لي.

 

قلت:

 

“كمل.”

 

قال:

 

“ده كل اللي عندنا.”

 

لكن فجأة افتكرت الورقة.

 

ورقة أبويا.

 

“احموا ابنة توماس.”

 

قلت:

 

“ميجان.”

 

ريتشارد فهم.

 

“إحنا لازم نرجع.”

 

—

 

لما رجعت القصر، كان الباب مفتوح.

 

الحراس واقفين.

 

لكن ميجان مش موجودة.

 

لوكاس مش موجود.

 

قلبي وقع.

 

صرخت:

 

“ميجان!”

 

ولا رد.

 

جريت للداخل.

 

لقيت غرفة ميجان فاضية.

 

على السرير كانت لعبة لوكاس.

 

وتحتها ورقة.

 

مسكتها.

 

مكتوب:

 

“لو عايزهم يرجعوا، تعالى لوحدك.”

 

ريتشارد قال:

 

“دي فخ.”

 

قلت:

 

“عارف.”

 

“ما ينفعش تروح.”

 

قلت:

 

“هروح.”

 

“دومينيك…”

 

“هو خدها بسببي.”

 

ثم بصيت للورقة.

 

وكان في أسفلها عنوان.

 

المخزن القديم.

 

نفس المكان اللي اتقتل فيه واحد من رجال أبي من عشرين سنة.

 

ركبت العربية.

 

ريتشارد لحقني.

 

قلت:

 

“قلت لوحدي.”

 

قال:

 

“وأنا قلت لك لأ.”

 

وصلنا.

 

دخلت المبنى.

 

صوت بكاء طفل كان واضح.

 

“لوكاس!”

 

سمعت صوت ميجان:

 

“دومينيك! لأ!”

 

جريت.

 

لقيت ميجان مربوطة على كرسي.

 

ولوكاس في سرير صغير جنبها.

 

وعمي واقف قدامهم.

 

قال:

 

“كنت مستنيك.”

 

بصيت له.

 

“سيبهم.”

 

ضحك.

 

“أبوك قال إنك هتبقى عنيد.”

 

قلت:

 

“إنت قتلته؟”

 

سكت.

 

ثم قال:

 

“أنا ما قتلتوش.”

 

قلت:

 

“مين قتله؟”

 

قال:

 

“هو مات لأنه عرف الحقيقة.”

 

“إنت السبب.”

 

قال:

 

“أيوه.”

 

ميجان بصت له بصدمة.

 

قال:

 

“بس أنا ما كنتش عايز أقتله.”

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

“عشان كنت محتاجه.”

 

ثم أشار إلى ميجان.

 

“وأنا محتاج البنت دي كمان.”

 

صرخت ميجان:

 

“أنا ما أعرفش أي حاجة!”

 

قال:

 

“أبوكي كان مخبي مستندات.”

 

قلت:

 

“فين؟”

 

قال:

 

“إنت عندك.”

 

فهمت.

 

الملف.

 

الملف اللي فتحته.

 

قال:

 

“أبوك خبّى الدليل في مكان ما حدش هيفكر يدور فيه.”

 

بصيت لميجان.

 

ثم فهمت.

 

الرسالة.

 

البيت.

 

السنين.

 

كلها كانت مرتبطة.

 

قلت:

 

“الدليل عند ميجان.”

 

عمي ابتسم.

 

“أخيرًا فهمت.”

 

لكن قبل ما يكمل، سمعنا صوت سيارات.

 

ريتشارد كان وصل.

 

رجالة كتير دخلوا المكان.

 

حصلت فوضى.

 

أنا ما كنتش عايز ميجان تتصاب.

 

جريت ناحية لوكاس.

 

شيلته.

 

ميجان قدرت تفك إيدها.

 

أمسكتها.

 

وقلت:

 

“اجري.”

 

جريت معايا.

 

خرجنا من الباب الخلفي.

 

وفي اللحظة اللي خرجنا فيها، سمعنا صوت طلقة.

 

ميجان صرخت.

 

لكن الطلقة ما أصابتش حد.

 

بعدها بثواني، الشرطة وصلت.

 

وكان كل شيء انتهى.

 

—

 

بعد ساعات طويلة، كنا في القصر.

 

لوكاس نايم.

 

ميجان قاعدة جنبي.

 

أنا بصيت لها.

 

وقلت:

 

“إنتِ كنتِ عارفة إن أبوكي خبّى الدليل؟”

 

قالت:

 

“لا.”

 

“أمال ليه الرسالة قالت روحي لقصر دومينيك؟”

 

قالت:

 

“عشان أبويا كان واثق في أبوك.”

 

سكت.

 

ثم قالت:

 

“وأبوك كان واثق فيه.”

 

هزيت راسي.

 

وبعدين قلت:

 

“أنا آسف.”

 

بصت لي.

 

“على إيه؟”

 

“إن حياتك اتقلبت بسببي.”

 

قالت:

 

“لأ.”

 

“إزاي؟”

 

قالت:

 

“أنا اللي دخلت حياتك.”

 

ضحكت.

 

“غلطانة.”

 

قالت:

 

“إنت اللي وظفتني.”

 

قلت:

 

“غلط أكبر.”

 

ضحكت.

 

وبعدين سكتنا.

 

قلت لها:

 

“ميجان.”

 

“نعم؟”

 

“إنتِ ناوية تفضلي هنا؟”

 

بصت لي باستغراب.

 

“يعني إيه؟”

 

“بعد كل اللي حصل.”

 

قالت:

 

“لو بتسألني كخدامة، فأنا المفروض أستقيل.”

 

قلت:

 

“ولو بسألك كدومينيك؟”

 

سكتت.

 

ثم قالت:

 

“هفضل.”

 

سألتها:

 

“ليه؟”

 

ابتسمت.

 

وقالت:

 

“عشان البيت ده بقى محتاج ناس.”

 

بصيت حواليا.

 

القصر اللي عاش عشرين سنة بارد وصامت.

 

فجأة سمعت ضحكة لوكاس من الغرفة.

 

ميجان قامت بسرعة.

 

وأنا فضلت قاعد.

 

وبعدين سمعت صوت خطواتها وهي راجعة.

 

كانت شايلة لوكاس.

 

حطته قدامي.

 

مد إيده لي.

 

ضحكت.

 

ميجان قالت:

 

“شفت؟”

 

قلت:

 

“إيه؟”

 

“ابتسامتك.”

 

لمست وشي.

 

وفعلًا كنت ببتسم.

 

لكن المرة دي ما حاولتش أنكر.

 

لأنني أخيرًا فهمت إن ابتسامتي ما كانتش اختفت يوم مات أبويا.

 

أنا اللي دفنتها معاه.

 

وقضيت عشرين سنة مقتنع إن القوة معناها إنك ما تحتاجش حد.

 

وإن الوحدة أمان.

 

وإن الناس كلها عندها سبب تخليها تقرب منك.

 

لكن ميجان أثبتت لي العكس.

 

هي ما قربتش عشان فلوسي.

 

ولا خافت من اسمي.

 

ولا حاولت تستفيد من ضعفي.

 

كانت بس إنسانة شافت راجل مريض محتاج حد جنبه.

 

وقعدت.

 

ومن يومها، اتغير كل شيء.

 

بعد شهور، القصر بقى مختلف.

 

نانسي كانت بتضحك أكتر.

 

الحراس بقوا يسمعوا صوت لوكاس في الممرات.

 

والمطبخ بقى دايمًا فيه أكل زيادة.

 

أما أنا…

 

فما بقيتش أقفل باب مكتبي طول اليوم.

 

وبقيت أطلع للحديقة.

 

وأحيانًا أقعد مع ميجان وهي بتشرب قهوتها.

 

وفي يوم من الأيام، سألتني:

 

“فاكر أول مرة شفتني؟”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

“كنت بتكرهني.”

 

قلت:

 

“لأ.”

 

“كنت بتبص لي كأنك عايز تطردني.”

 

قلت:

 

“كنت بفكر في الموضوع.”

 

ضحكت.

 

ثم قالت:

 

“وأول مرة ابتسمت لي؟”

 

بصيت لها.

 

وقلت:

 

“الساعة خمسة وسبعتاشر.”

 

قالت:

 

“غلط.”

 

“إزاي؟”

 

قالت:

 

“إنت ابتسمت قبلها.”

 

“إمتى؟”

 

أشارت إلى لوكاس.

 

“لما شوفته أول مرة.”

 

سكت.

 

وفعلًا افتكرت.

 

اللحظة اللي حملت فيها طفلها وهو بيعيط.

 

كنت قدام المرآة.

 

وشفت نفسي وأنا شايله.

 

وكان في طرف شفايفي ابتسامة صغيرة.

 

يمكن ما كنتش واخد بالي.

 

لكن ميجان كانت.

 

قلت لها:

 

“يبقى أنا اتقفشت.”

 

ضحكت.

 

ثم مدت إيدها.

 

وأنا مسكتها.

 

نفس اليد اللي كانت ماسكة إيدي الساعة خمسة وسبعتاشر.

 

لكن المرة دي ما كانتش نايمة.

 

ولا خايفة.

 

ولا مرهقة.

 

كانت ماسكاني بإرادتها.

 

وأنا كمان مسكتها بإرادتي.

 

لأنني أخيرًا فهمت إن الإنسان ممكن يقضي عمر كامل يبني أسوار حوالين قلبه.

 

لكن أحيانًا…

 

طفل صغير.

 

وست عنيدة.

 

وليلة مرض واحدة…

 

يقدروا يفتحوا باب اتقفل عشرين سنة.

 

ومن يومها، ما بقيتش الراجل اللي محدش شافه بيبتسم.

 

بقيت الراجل اللي كل يوم بيسمع صوت ضحكة طفل في بيته.

 

وبيسمع صوت ست بتقوله:

 

“قوم كل.”

 

فيقول:

 

“مش جعان.”

 

فترد:

 

“أنا مش بسألك.”

 

فيضحك.

 

وبينما ميجان تهز رأسها وتقول:

 

“إنت فعلًا حالة مستعصية.”

 

أرد عليها:

 

“بس بقيت حالة بتضحك.”

 

فتضحك هي كمان.

 

وأنا أبص للبيت حواليّا.

 

وأفتكر ليلة الساعة خمسة وسبعتاشر.

 

وأعرف إن اليوم ده ما كانش مجرد يوم نجوت فيه من المرض.

 

كان اليوم اللي نجوت فيه من الوحدة.

 

وكان اليوم اللي فهمت فيه إن بعض الناس ما بيدخلوش حياتنا عشان يغيروها بالقوة.

 

بيدخلوها بهدوء.

 

بإيد ماسكة إيدنا.

 

وطفل نايم في حضنهم.

 

وابتسامة صغيرة…

 

تطلع من مكان جوانا كنا فاكرين إنه مات من عشرين سنة.

 

أكيد، دي خاتمة طويلة ومشبعة بالأحداث والمشاعر، تكمل من بعد نهاية القصة وتقفل كل الخيوط:

 

عدت ست شهور على اللي حصل في المخزن القديم.

 

ست شهور كاملة كانت كفاية إن البيت اللي عاش عشرين سنة من غير ضحكة واحدة يتغير لدرجة إن أي حد كان يعرف دومينيك ماسون زمان لو دخل القصر دلوقتي كان ممكن يفتكره دخل بيت شخص تاني.

 

لكن الحقيقة إن البيت ما اتغيرش.

 

أنا اللي اتغيرت حياتي كلها.

 

أو بالأصح…

 

أنا اللي رجعت أعيش.

 

في صباح هادي من أيام الربيع كنت قاعد في الحديقة، قدامي فنجان القهوة، والجرائد متكومة على الترابيزة.

 

لوكاس كان بيجري بين الأشجار الصغيرة وهو بيضحك.

 

وكان لابس جاكيت أزرق صغير، وشعره منكوش من كتر الجري.

 

كل شوية يقع على الأرض، يقوم لوحده، وينفض هدومه، ويرجع يجري.

 

أما ميجان فكانت قاعدة على الكرسي المقابل ليا.

 

في إيدها كتاب.

 

لكنها ما كانتش بتقرأ.

 

كانت بتراقب ابنها.

 

ابتسمت وأنا ببصلها.

 

قالت من غير ما ترفع عينيها:

 

“بتبص لي ليه؟”

 

قلت:

 

“عادي.”

 

قالت:

 

“لأ، مش عادي.”

 

“إنتِ بقيتي بتعرفي أنا بفكر في إيه؟”

 

رفعت عينيها وقالت:

 

“بعد اللي حصل، بقيت أعرف وشك لما تكون بتفكر في مصيبة.”

 

ضحكت.

 

قالت:

 

“شايف؟ بتضحك.”

 

قلت:

 

“أنا بقيت بضحك كتير.”

 

“الحمد لله.”

 

وبعدين رجعت تبص للكتاب.

 

لكن قبل ما تقلب الصفحة، سمعت صوت لوكاس بيصرخ:

 

“دومينيك!”

 

بصيت له.

 

كان واقف على بعد أمتار.

 

إيده الصغيرة ممدودة ناحيتي.

 

قلت:

 

“تعالى.”

 

جري عليا.

 

وصل عندي وطلع على رجلي.

 

ميجان قالت:

 

“إنت هتبوظه.”

 

قلت:

 

“هو لسه صغير.”

 

قالت:

 

“وده سبب كافي إنك ما تدلعوش.”

 

لوكاس بص لها وبعدين بص لي.

 

قال:

 

“ماما زعلانة.”

 

ضحكت.

 

قلت:

 

“ماما مش زعلانة.”

 

ميجان قالت:

 

“ماما زعلانة فعلًا.”

 

لوكاس ضحك.

 

وبعدين حط إيده على وشي.

 

وقال:

 

“ابتسم.”

 

سكت.

 

الكلمة دي بالذات كانت بتوجعني زمان.

 

لأنها كانت حاجة محدش يقدر يطلبها مني.

 

لكن دلوقتي…

 

ابتسمت.

 

لوكاس ضحك.

 

وميجان بصت لي بنفس النظرة اللي شفتها أول مرة يوم فتحت عيني الساعة خمسة وسبعتاشر.

 

نظرة فيها راحة.

 

وفيها امتنان.

 

وفيها حاجة تانية ما كناش محتاجين نسميها.

 

—

 

بعد أيام، جالي اتصال من المحامي.

 

قال لي إن ملف والدي اتقفل رسميًا.

 

كل المستندات اللي كانت مخبية اتسلمت للجهات المختصة.

 

والأهم إن الحقيقة ظهرت.

 

عمي كان متورط في سلسلة من العمليات المالية اللي حصلت قبل وفاة والدي.

 

وكان بيحاول السيطرة على جزء من إمبراطورية العائلة بعد موته.

 

والدي اكتشف كل شيء.

 

ولهذا كتب الرسالة.

 

لكن قبل ما يواجهه بشكل مباشر، حصلت الحادثة اللي أنهت حياته.

 

توماس فوستر عرف جزءًا من الحقيقة.

 

وحاول يحتفظ بالأدلة.

 

لكن عمي ظل يطارده حتى مات.

 

كل السنين دي كنت فاكر إن والدي مات بسبب حادث.

 

وفضلت عشرين سنة شايل غضب ما كنتش فاهم مصدره.

 

لكن لما عرفت الحقيقة…

 

الغريب إني ما حسيتش بالراحة اللي كنت متخيلها.

 

ما حسيتش إن الجرح اختفى.

 

لأ.

 

اكتشفت إن بعض الجروح ما بتختفيش لما تعرف سببها.

 

لكنها بتبدأ تلتئم.

 

لأنك أخيرًا بتعرف إنك ما كنتش مذنب.

 

وإنك ما كنتش ضعيف.

 

وإن اللي حصل ما كانش بسببك.

 

وفي يوم، دخلت غرفة والدي القديمة.

 

الغرفة اللي ما دخلتهاش تقريبًا من عشرين سنة.

 

كانت كل حاجة زي ما هي.

 

المكتب.

 

الكرسي.

 

المكتبة.

 

حتى الساعة القديمة اللي كانت متعلقة على الحائط.

 

وقفت قدام المكتب.

 

مديت إيدي ولمست سطحه.

 

افتكرت آخر مرة شفته فيها.

 

كنت شاب صغير.

 

غاضب.

 

ومقتنع إن والدي هيعيش للأبد.

 

لكن ما فيش حد بيعيش للأبد.

 

أخذت نفسًا عميقًا.

 

وقلت بصوت منخفض:

 

“سامحني يا أبي.”

 

ما كنتش عارف أنا بقولها ليه.

 

يمكن عشان عشرين سنة من الغضب.

 

يمكن عشان إني اتأخرت في فهمه.

 

أو يمكن عشان جزء مني كان لسه الطفل اللي فقد أبوه فجأة.

 

جلست على كرسيه.

 

ولأول مرة…

 

ما بكيتش.

 

ابتسمت.

 

وبصيت للصورة الموجودة قدامي.

 

وقلت:

 

“أنا بقيت كويس.”

 

كانت دي أول مرة أحس إني أقدر أقولها.

 

أنا بقيت كويس.

 

مش عشان فلوسي.

 

ولا عشان الشغل.

 

ولا عشان الناس اللي حواليا.

 

لكن عشان أخيرًا بقى عندي سبب أرجع البيت عشانه.

 

—

 

بعد أسبوعين، حصل شيء ما كنتش متوقعه.

 

نانسي دخلت مكتبي.

 

قالت:

 

“مستر ماسون.”

 

قلت:

 

“نعم؟”

 

قالت:

 

“أنا عايزة أتكلم معاك.”

 

“اتفضلي.”

 

جلست.

 

وقالت:

 

“أنا شفت بيوت كتير في حياتي.”

 

“وأنا عارف.”

 

“وشفتك في أسوأ أيامك.”

 

سكت.

 

قالت:

 

“لكن عمري ما شفتك زي دلوقتي.”

 

ابتسمت.

 

“ده كويس ولا وحش؟”

 

قالت:

 

“كويس.”

 

وبعدين سكتت.

 

قلت:

 

“في إيه؟”

 

قالت:

 

“أنا هتقاعد.”

 

سكت.

 

“إمتى؟”

 

“آخر الشهر.”

 

حسيت بحاجة غريبة.

 

نانسي كانت جزء من البيت.

 

رغم إننا ما كناش قريبين بالشكل الكافي، لكنها كانت موجودة في كل مرحلة.

 

قلت:

 

“ليه؟”

 

ضحكت.

 

“أنا عندي اتنين وستين سنة.”

 

“وده مش سبب.”

 

قالت:

 

“أنا عايزة أعيش شوية لنفسي.”

 

ابتسمت.

 

“تستاهلي.”

 

وقفت.

 

لكن قبل ما تخرج، قالت:

 

“على فكرة.”

 

“إيه؟”

 

“ميجان مش مجرد خدامة.”

 

بصيت لها.

 

قالت:

 

“أنا عارفة.”

 

ضحكت.

 

“كويس.”

 

خرجت.

 

وأنا فضلت أفكر في الجملة.

 

لأنها كانت صح.

 

ميجان فعلًا ما بقتش مجرد خدامة.

 

هي بقت جزء من البيت.

 

وجزء من يومي.

 

وجزء من حياة لوكاس.

 

والأهم…

 

بقت جزء مني.

 

—

 

في آخر يوم لنانسي، عملنا عشاء صغير.

 

الحراس كانوا موجودين.

 

ريتشارد كان موجود.

 

وميجان كانت واقفة في المطبخ.

 

وأنا لأول مرة من سنين ما حسيتش إني صاحب قصر.

 

حسيت إني صاحب بيت.

 

نانسي رفعت الكوباية وقالت:

 

“للحياة الجديدة.”

 

ضحكنا.

 

ريتشارد قال:

 

“وللرجل اللي أخيرًا عرف يبتسم.”

 

بصيت له.

 

“إنت بتتكلم كتير.”

 

قال:

 

“اتعلمت من ميجان.”

 

ميجان من المطبخ قالت:

 

“أنا بريئة.”

 

ضحك الجميع.

 

وأنا ضحكت معاهم.

 

في اللحظة دي، بصيت حواليا.

 

كل الوجوه اللي قدامي كانت حقيقية.

 

ما حدش بيخاف مني.

 

ما حدش بيحسب كلماته.

 

ما حدش مستني مني أمر.

 

لأول مرة…

 

الناس دي كانت بتقعد معايا لأنها عايزة.

 

وده كان أغلى من أي شيء امتلكته في حياتي.

 

—

 

بعد العشاء، خرجت للحديقة.

 

لقيت ميجان واقفة هناك.

 

كانت شايلة بطانية.

 

قالت:

 

“برد.”

 

قلت:

 

“مش برد.”

 

حطت البطانية على كتفي.

 

“إنت مريض سابقًا، يبقى تسكت.”

 

ضحكت.

 

قالت:

 

“عايزة أسألك سؤال.”

 

“اسألي.”

 

“إنت ندمان إنك وظفتني؟”

 

بصيت لها.

 

وقلت:

 

“أكتر قرار غير حياتي.”

 

ابتسمت.

 

“يعني ندمان؟”

 

قلت:

 

“لأ.”

 

سكتت.

 

ثم قالت:

 

“وأنا كمان.”

 

بصيت لها.

 

“على إيه؟”

 

قالت:

 

“إني جيت هنا.”

 

ثم أضافت:

 

“كنت فاكرة إني جاية أشتغل شهرين وأمشي.”

 

قلت:

 

“وأنا كنت فاكر إني مش محتاج حد.”

 

قالت:

 

“واتضح؟”

 

قلت:

 

“إني كنت غلطان.”

 

ابتسمت.

 

“دي أول مرة أسمعك تعترف.”

 

قلت:

 

“ما تتعوديش.”

 

ضحكت.

 

وفي اللحظة دي، سمعنا صوت لوكاس من داخل البيت:

 

“ماماااا!”

 

ميجان قالت:

 

“أنا جاية!”

 

لكنها قبل ما تمشي، وقفت.

 

وبصت لي.

 

وقالت:

 

“دومينيك.”

 

“نعم؟”

 

“شكرًا.”

 

“على إيه؟”

 

قالت:

 

“إنك خلتني أحس إن ابني ليه بيت.”

 

سكت.

 

الكلمة دي دخلت قلبي.

 

لأنها كانت الحقيقة.

 

لوكاس ما كانش مجرد طفل بيعيش في قصري.

 

هو كان الطفل اللي رجع لي إحساس العيلة.

 

—

 

بعدها بفترة قصيرة، اتخذت قرارًا.

 

قررت أغير جزء كبير من نظام حياتي.

 

بعت بعض الممتلكات.

 

وقلت لريتشارد إننا هنخصص جزء من الأرباح لمشروع جديد.

 

مشروع لمساعدة الأمهات اللي عندهم أطفال ومحتاجين فرصة شغل وسكن آمن.

 

ميجان عرفت.

 

وقالت:

 

“إنت عملت ده عشاني؟”

 

قلت:

 

“جزء منه.”

 

قالت:

 

“ليه؟”

 

قلت:

 

“عشان أعرف قد إيه الواحد ممكن يبقى عنده قدرات، لكن ما عندوش فرصة.”

 

سكتت.

 

ثم قالت:

 

“إنت عارف إن أبويا كان نفسه يعمل حاجة زي دي؟”

 

بصيت لها.

 

قالت:

 

“كان بيقول دايمًا إن الفلوس مالهاش قيمة لو ما عملتش بيها حاجة كويسة.”

 

ابتسمت.

 

قلت:

 

“يبقى المشروع باسمه.”

 

دموعها نزلت.

 

وقالت:

 

“توماس فوستر.”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

—

 

ومرت سنة.

 

سنة كاملة.

 

وفي يوم التلات، الساعة خمسة وسبعتاشر دقيقة الفجر، صحيت فجأة.

 

بصيت للساعة.

 

05:17.

 

ابتسمت.

 

نفس الوقت.

 

نفس اللحظة.

 

لكن الحياة مختلفة تمامًا.

 

سمعت صوت حركة جنب السرير.

 

فتحت عيني.

 

لقيت لوكاس واقف قدامي.

 

بص لي وقال:

 

“دومينيك.”

 

قلت:

 

“إيه يا بطل؟”

 

قال:

 

“أنا خايف.”

 

قمت.

 

“من إيه؟”

 

قال:

 

“حلمت وحش.”

 

مديت إيدي.

 

طلع على السرير.

 

قعد جنبي.

 

ثم سأل:

 

“ماما فين؟”

 

قلت:

 

“نايمة.”

 

قال:

 

“نروح لها؟”

 

قلت:

 

“نروح.”

 

دخلنا غرفة ميجان.

 

كانت نايمة.

 

لوكاس طلع على السرير جنبها.

 

وحط رأسه عليها.

 

أنا وقفت عند الباب.

 

ميجان فتحت عينيها.

 

أول ما شافتنا ابتسمت.

 

قالت:

 

“الساعة كام؟”

 

قلت:

 

“خمسة وسبعتاشر.”

 

ضحكت.

 

وقالت:

 

“تاني؟”

 

قلت:

 

“أيوه.”

 

سكتت لحظة.

 

وبعدين قالت:

 

“يمكن الساعة دي بقت حظنا.”

 

قلت:

 

“يمكن.”

 

مدت إيدها.

 

مسكت إيدي.

 

وفي اللحظة دي فهمت كل حاجة.

 

قبل سنة، الساعة دي كانت بداية ليلة خوفت فيها إني أموت.

 

لكنها في الحقيقة كانت بداية حاجة تانية.

 

بداية حياة جديدة.

 

—

 

بعد سنة أخرى، كان القصر مختلفًا أكثر.

 

في الحديقة كان في ملعب صغير.

 

وفي المطبخ كان في صوت أطفال.

 

والبيت اللي كان الناس بتدخله وهم بيهمسوا بقى مليان حياة.

 

أما أنا…

 

فبقيت أخرج من مكتبي قبل المغرب.

 

أقعد مع لوكاس.

 

أسمع ميجان وهي تحكي لي عن يومها.

 

وأحيانًا نختلف.

 

وأحيانًا نتخانق.

 

وأحيانًا أنا أكون عنيد.

 

وهي تكون أعند.

 

لكن في النهاية…

 

كنا بنرجع نتكلم.

 

وده كان جديدًا بالنسبة لي.

 

لأن الوحدة ما بتخليكش تتعلم إزاي تختلف مع حد.

 

بتخليك بس تهرب.

 

أما العيلة…

 

فبتعلمك إنك ممكن تختلف.

 

وتزعل.

 

وبعدين ترجع.

 

وفي يوم، لوكاس سألني:

 

“دومينيك.”

 

قلت:

 

“نعم؟”

 

قال:

 

“إنت ليه بتعيش معانا؟”

 

بصيت لميجان.

 

هي كانت بتضحك.

 

قلت:

 

“عشان أنا بحبكم.”

 

لوكاس فكر شوية.

 

وقال:

 

“يعني إنت بابا؟”

 

سكت.

 

ميجان اتجمدت.

 

أما أنا…

 

فحسيت إن قلبي وقف.

 

قربت منه.

 

قلت:

 

“لو إنت عايزني أكون…”

 

قاطعني:

 

“عايز.”

 

ضحكت.

 

وضميته.

 

وميجان دموعها نزلت.

 

وقتها عرفت إن بعض الألقاب ما بتحتاجش أوراق.

 

ولا تحتاج دم.

 

ولا تحتاج سنوات.

 

يكفي طفل صغير يختارك.

 

ويكفي قلب واحد يفتح لك الباب.

 

—

 

بعد أيام، وقفت في الحديقة لوحدي.

 

كنت ببص على البيت.

 

افتكرت كل حاجة.

 

عشرين سنة من الوحدة.

 

وفاة أبي.

 

غضبي.

 

الخوف.

 

الأسرار.

 

ميجان.

 

لوكاس.

 

الساعة خمسة وسبعتاشر.

 

ابتسمت.

 

لكن المرة دي ما كانش في حد حواليا يشوفني.

 

وده كان أجمل شيء.

 

لأني أخيرًا ما بقيتش محتاج حد يشوف ابتسامتي عشان أعرف إنها حقيقية.

 

سمعت صوت ميجان من بعيد:

 

“دومينيك!”

 

لفيت.

 

كانت واقفة عند باب البيت.

 

لوكاس جنبها.

 

وقالت:

 

“تعالى، الأكل هيبرد.”

 

قلت:

 

“جاي.”

 

مريت خطوتين.

 

وبعدين وقفت.

 

بصيت للسماء.

 

وقلت في سري:

 

“يا أبي… أنا أخيرًا فهمت.”

 

فهمت إن القوة مش إنك تعيش من غير ناس.

 

وإن الغنى مش إنك تملك بيوت كتير.

 

وإن البيت مش جدران وسقف.

 

البيت هو المكان اللي حد فيه يستناك ترجع.

 

هو الإيد اللي تمسك إيدك وإنت تعبان.

 

هو صوت طفل يناديك.

 

هو شخص يلاحظ إنك ابتسمت حتى لو إنت نفسك ما خدتش بالك.

 

وأهم درس اتعلمته في حياتي…

 

إن الإنسان ممكن يخسر عشرين سنة وهو بيحاول يحمي قلبه.

 

لكن أحيانًا…

 

كل اللي محتاجه عشان يرجع يعيش…

 

هو شخص واحد ما يخافش يقرب.

 

ميجان كانت الشخص ده.

 

والساعة خمسة وسبعتاشر كانت اللحظة اللي بدأت فيها الحكاية.

 

ومن يومها…

 

كل ما الساعة توصل خمسة وسبعتاشر دقيقة…

 

ما بفتكرش المرض.

 

ولا الموت.

 

ولا الماضي.

 

بفتكر إيد ميجان وهي ماسكة إيدي.

 

وبفتكر لوكاس نايم في حضنها.

 

وبفتكر أول ابتسامة خرجت مني بعد عشرين سنة.

 

وأقول لنفسي:

 

يمكن بعض الناس ما بيجوش حياتنا عشان ينقذونا من الموت.

 

يمكن بيجوا عشان ينقذونا من حياة عشناها وإحنا فاكرين إن الوحدة هي الأمان.

 

وفي النهاية…

 

دومينيك ماسون ما بقاش الراجل اللي محدش قدر يشوفه بيبتسم لمدة عشرين سنة.

 

بقى الراجل اللي بيبتسم كل يوم.

 

لأن كل يوم بقى عنده سبب.

 

بيت يرجع له.

 

طفل يستناه.

 

وست عنيدة…

 

كانت في يوم من الأيام مجرد خدامة شايلة شنطة مستعملة وفي حسابها حداشر دولار.

 

لكنها دخلت القصر وهي بتدور على شغل.

 

وخرجت من قلبه وهي عيلة.

 

وأنا…

 

دخلت حياتي وأنا فاكر إني ما محتاجش حد.

 

واكتشفت متأخر جدًا…

 

إن أغنى شيء ممكن يمتلكه الإنسان مش ملايينه.

 

ولا شركاته.

 

ولا نفوذه.

 

أغنى شيء…

 

إن يكون في آخر اليوم حد يقول له:

 

“اتأخرت ليه؟ إحنا مستنيينك.”

 

وساعتها…

 

تفتح باب بيتك.

 

وتسمع صوت الضحكة اللي كنت فاكر إنك فقدتها للأبد.

 

وتبتسم.

 

من غير خوف.

 

من غير تصنع.

 

ومن غير ما تحاول تخبيها.

 

لأنك أخيرًا…

 

رجعت بيتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى