
زعيم مافيا كان خلاص هيمشي من الديت بتاعه لحد ما 3 بنات توأم دخلوا وقالوله: «ماما بتعتذر إنها اتأخرت»
قاعة الطعام الخاصة في مطعم «الزهراء» كان فيها أربع ترابيزات بس، وترابيزة واحدة بس هي اللي كانت متجهزة، وده كان أصلًا سبب إن أدهم استأجر القاعة كلها.
كان أدهم المرسى قاعد وظهره للحائط وإيديه مفرودة على مفرش الترابيزة، وقعد بنفس الوضع ده بقاله اتنين وعشرين دقيقة.
كان عنده 38 سنة. لابس بدلة غامقة وكرافتة غامقة، وملامحه فقدت شكل الشباب من سنين واستقرت بدل منه على ملامح راجل الحياة علمته كتير.
كوباية النبيذ اللي قدامه ما لمسهاش. والمقبلات بردت من الدقيقة التاسعة.
بص في ساعته، مش عشان مش عارف الساعة كام، لكن عشان كانت الحاجة الوحيدة الموجودة في المكان اللي حاسس إنها ملكه.
دانيال كان قعد تسع أيام يحاول يقنعه بالمقابلة دي.
كان دايمًا بيقوله:
«مينفعش تفضل عايش لوحدك كده. إنت مسئول عن عيلة كاملة ومش راهب. بقالك حداشر سنة لوحدك. ده مش فضيلة يا أدهم، دي عادة اتعودت عليها.»
وفي الآخر أدهم وافق على عشا واحد.
واحد بس.
عند الدقيقة السادسة والعشرين طوى المنديل وحطه على الترابيزة وقام.
وفجأة الباب اتفتح.
بس ما دخلتش ست.
دخلوا تلات بنات.
أدهم وقف مكانه وإيده لسه على ضهر الكرسي.
كان سنهم حوالي خمس سنين أو أقل شوية.
تلات شعرات بني ناعمة متصففة تقريبًا بنفس الطريقة.
تلات فساتين حمرا.
وتلات أزواج من العيون شبه بعض بشكل غريب، نفس النظرة بالظبط، كأن نفس السما نزلت على تلات أماكن مختلفة.
وقفوا جوه الباب لازقين في بعض، وبصوا لبعض من غير ما يتكلموا.
وبعدين البنت اللي في النص أخدت نفس عميق، ومسكت إيد أختيها، ومشيت بيهم ناحية ترابيزة أدهم.
هو ما اتحركش.
وقفوا قدامه.
البنت اللي في النص رفعت دقنها ومدت إيد صغيرة فوق المفرش.
وقالت بثقة:
«أنا ليلي. ودي أختي صوفي، ودي إيما. وماما بتعتذر إنها اتأخرت. وشكرًا إنك استنيتها.»
أدهم بص للإيد الصغيرة قدامه كام ثانية.
وبعدين مسكها.
كفها كان دافي وناشف، ومصافحتها كانت جد جدًا، كأنها واحدة كبيرة بتقفل اتفاق مهم.
صافحها مرة واحدة.
ليلي هزت راسها برضا وسحبت إيدها.
على شماله صوفي فتحت منديلها بدقة شديدة، بطريقة واضحة إنها اتعلمتها واتصححت لها قبل كده كتير، وحطته على رجليها.
أما إيما اللي كانت على يمينه، فما لمستش المنديل أصلًا.
فضلت بس تبص له.
عيونها كانت كبيرة جدًا ومش بتطرف تقريبًا.
قالت ليلي:
«كيكة فرح ماما اتكسرت.»
أدهم رمش باستغراب.
كملت:
«بنت الست اللي ماما بتشتغل عندها فرحها بكرة، وماما لازم تصلح الكيكة دلوقتي في المحل. قالت هتتأخر نص ساعة كمان. يمكن أربعين دقيقة.»
أدهم بص ناحية مدخل المطعم.
ومن ورا الأبواب الزجاجية قدر يشوف عربية واقفة في الجراج والنور اللي جواها مفتوح.
وكانت فيه ست قاعدة جوا العربية، ماسكة التليفون على ودنها، وإيدها التانية بتتحرك في الهوا بسرعة، كأنها بتحاول تشرح لحد قد إيه هي مضغوطة ومش بإيدها إنها اتأخرت.
إيما قالت بصوت هادي:
«إحنا دخلنا الأول عشان حضرتك متفتكرش إن ماما نسيتك.»
حاجة اتحركت جوا صدر أدهم.
لكنه ما حاولش يعرف هي إيه.
ولا سمّاها.
ولا حتى سمح لنفسه يدور عليها.
ليلي مدت إيدها في جيب صغير متخيط في جنب فستانها وطلعت نوتة.
غلافها كان بينك، والأطراف متنية من كتر الاستخدام، وواضح إنها كانت بتستخدمها كتير.
حطتها على المفرش بين الشموع بمنتهى الجدية.
فتحتها على صفحة معينة، وطلعت قلم ألوان كان ورا ودن صوفي.
أدهم بص للنوتة وقال:
«النوتة دي عشان إيه؟»
صوفي ردت قبل ما ليلي تلحق تتكلم.
قعدت مستقيمة جدًا وقالت بنبرة جادة كأنها مذيعة أخبار:
«دي المقابلة. لازم نتأكد إن حضرتك الشخص المناسب قبل ما ماما توصل.»
أدهم بص للوشوش الصغيرة التلاتة.
وبعدين لأول مرة من أسابيع طويلة طلع تليفونه.
بس المرة دي ما حطوش في جيبه.
وما حطوش مقلوب على الترابيزة جنب كوباية المية.
حطه مقلوب على المفرش ودفعه بعيد عنه بإصبعين.
وقال:
«تمام.»
ليلي تنحنحت بجدية شديدة، كأنها قاضية هتبدأ جلسة مهمة.
وقالت:
«السؤال الأول… بتعرف تطبخ؟»
أدهم رد بنفس الاهتمام اللي كان هيرد بيه على راجل قاعد قدامه في مكتب خشب غالي:
«بعرف أسلق مكرونة. وبعرف أعمل أومليت. أكتر من كده لأ.»
صوفي عملت علامة بالقلم.
وكانت بتحركه بثقة واحدة ماسكة نتيجة امتحان ومسموح لها تحدد النجاح والرسوب.
وقالت:
«السؤال التاني. بتحب الأطفال ولا مش بتحب الأطفال؟»
أدهم فتح بقه عشان يقول الإجابة اللي قالها قبل كده في عشرات المواقف لكل ست كانت عايزة تعرف هو نوعية الراجل اللي قدامها إيه.
لكنه سكت.
وبص للوشوش التلاتة.
وقال:
«أنا مش بتعامل مع أطفال كتير.»
وسكت لحظة.
«فعشان كده عمري ما فكرت في الموضوع.»
وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا وقال:
«بس النهارده اكتشفت إني بحبهم أكتر مما كنت متوقع.»
قلم صوفي وقف في مكانه.
بصت لليلي.
وليلي بصت لإيما.
إيما هزت راسها هزة صغيرة جدًا.
فصوفي عملت علامة تانية.
ليلي قلبت الصفحة.
وقالت:
«السؤال التالت… حضرتك بتشخر وإنت نايم؟»
أدهم ضحك.
مش الضحكة الصغيرة الرسمية اللي بيستخدمها في الاجتماعات لما حد من شركائه يقول نكتة مش مضحكة.
دي كانت ضحكة طلعت منه من غير ما يقصد.
ضحكة هادية ومفاجئة، ضحكة راجل اتسأل سؤال غريب وبسيط لدرجة إنه افتكر لأول مرة من سنين قد إيه الضحك ممكن يريح.
الست الكبيرة اللي كانت قاعدة على الترابيزة اللي جنبهم بصت ناحيته وابتسمت وهي ماسكة كوباية المية بتاعتها.
أدهم قال:
«مش فاكر إني بشخر.»
وبعدين أضاف:
«بس مفيش حد يقدر يأكد لكم الموضوع ده.»
صوفي كتبت الجملة كلها في النوتة كلمة كلمة.
ليلي قلبت الصفحة.
وقالت:
«السؤال الرابع… شغلتك إيه؟»
الإجابة اتأخرت منه لحظة واحدة بس.
لحظة صغيرة.
لكن صوفي وقفت بالقلم وبصت له.
أدهم قال بحذر:
«شغل العيلة.»
سكت لحظة.
«عقارات.»
صوفي فضلت باصة له ثواني زيادة عن الطبيعي بالنسبة لطفلة عندها خمس سنين.
وبعدين بصت لليلي.
ليلي شكلها اقتنعت.
وقلبت الصفحة.
التلات بنات قربوا من بعض وحطوا راسهم فوق النوتة، وبدأوا يتهامسوا ويتكلموا عن درجات وأرقام أدهم ما قدرش يسمعها.
أما هو فقعد مكانه وبصلهم.
تلات وشوش شبه بعض.
لكن كل واحدة فيهم كانت مختلفة تمامًا عن التانية.
وبعد شوية إيما حطت القلم على الترابيزة.
وحطت دقنها على إيدها بنفس طريقة الكبار.
وبصت لأدهم بنظرة جدية أكتر من أي نظرة ظهرت على وشها طول السهرة.
وقالت بهدوء:
«دلوقتي جه أهم سؤال.»
وما رمشتش.
«لو حضرتك حبيت ماما… هتسيبها؟»
المكان كله هدي أكتر.
حتى صوت الملاعق اللي كان بيتسمع من بعيد اختفى تقريبًا.
الشموع فضلت ثابتة.
ومن ورا باب المطبخ، الراجل اللي كان بيغني أغنية قديمة وقف عن الغنا.
أدهم حط كوباية المية على الترابيزة.
حطها ببطء شديد، زي راجل بيحط حاجة ممكن تتكسر لو اتحركت بعنف.
فتح بقه.
لكنه ما كانش عنده إجابة.
ليلي لاحظت التردد اللي عدى على وشه، فتدخلت بسرعة، زي أخت كبيرة بتحاول تنقذ أختها الصغيرة لما تسأل سؤال أكبر من المكان.
وقالت:
«بابا الحقيقي سابنا.»
قالتها من غير حزن واضح.
ومن غير عصبية.
قالتها بطريقة طفلة اتعودت على الحقيقة لدرجة إنها بقت جزء من حياتها.
وده كان أصعب من الغضب نفسه.
كملت:
«ماما ما كانتش عارفة إنها هتخلفنا وقتها. وهو قال إنه مش عايز يبقى أب. وما جاش يشوفنا حتى وإحنا في المستشفى.»
صوفي قالت بصوت واطي:
«هو عمره ما جه خالص.»
ليلي كملت:
«ماما ربتنا لوحدها. جدتنا كانت معاها.»
وسكتت شوية.
«بس جدتنا ماتت السنة اللي فاتت.»
صوفي حطت القلم على الترابيزة.
المرة دي ما كانتش بتكتب.
قالت:
«ماما بتضحك على طول وإحنا معاها.»
وبصت لإيديها.
«بتضحك لما إيما توقع العصير. وبتضحك لما الفرن يحرق الكيكة من تحت.»
وسكتت.
وبعدين قالت بصوت أهدى:
«بس بالليل، لما إحنا نمثل إننا نايمين، ماما بتقعد لوحدها على ترابيزة المطبخ.»
أدهم فضل ساكت.
صوفي كملت:
«بتفضل قاعدة هناك وقت طويل. ساعات تمسك كوباية القهوة بس. ما بتشربهاش. بتفضل ماسكاها وبس.»
إيما قالت:
«ماما ما خرجتش مع حد من خمس سنين.»
وبعدين أكدت:
«ولا مرة واحدة.»
ليلي قالت:
«النهارده أول مرة ماما تلبس الفستان الأحمر.»
إيما بصت للفستان في صمت وقالت:
«جدتنا هي اللي ادتهولها زمان.»
المكان كله سكت.
أدهم طول عمره كان بيحضر كلام كتير قبل ما يقوله.
اتكلم مع رجالة عايزين نفوذه.
واتكلم مع رجالة عايزين يسكتوه.
جاوب على أسئلة في محاكم، وفي مكاتب، وفي أماكن محدش كان يعرف عنها حاجة.
ومرة اضطر يرد على راجل وهو قاعد في عربية ماشية، وفيه سلاح موجود على الكرسي اللي بينهم.
لكنه عمره ما حضر نفسه للسؤال ده.
حط إيديه الاتنين مفرودين على المفرش.
وبعدين قلبهم لفوق.
كفوفه فاضية.
كانت حركة بسيطة جدًا.
لكنها ما كانتش وعد الراجل اللي بيعمله لراجل في شغله.
ولا الوعد اللي الراجل بيقوله لست عايز يكسب قلبها.
كانت حاجة أقدم من الاتنين.
قال بصوت هادي وثابت:
«أنا لسه ما أعرفش مامتكم.»
وسكت لحظة.
«بس أوعدكم بحاجة.»
بص للتلاتة.
«لما أعرفها… مش هكدب عليها بخصوص أنا مين.»
أول ما قال الجملة حس بحاجة جواه سكتت فجأة.
لأنه كان عارف، حتى وهو بيقول الوعد، إنه مش متأكد إذا كان هيقدر يلتزم بيه ولا لأ.
إيما فضلت باصة له وقت طويل.
وبعدين هزت راسها مرة واحدة بجدية.
نفس الهزة اللي كانت ادتها لصوفي قبل كده.
لكن المرة دي كانت لأدهم.
وفجأة الباب الرئيسي للمطعم اتفتح.
دخل هوا بارد من بره وجرى على أرضية المكان لحد ما وصل للترابيزة.
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
لهب الشموع مال ناحية واحدة جوه الحوامل النحاسية الصغيرة.
أدهم رفع راسه.
وبص ناحية الباب.
وكانت واقفة هناك…
ست لابسة الفستان الأحمر اللي شافه لأول مرة من بعيد.
وشعرها مبعثر من الجري.
ونفسها سريع.
وفي إيدها شنطة صغيرة.
لكن أول ما عينيها وقعت على التلات بنات قاعدين قدام أدهم…
وشافت أدهم نفسه…
وشافت النوتة المفتوحة على الترابيزة…
وشافت آخر سؤال مكتوب فيها…
وشها اتغير تمامًا.
لأنها فهمت في اللحظة دي إن بناتها الثلاثة ما استنوش وصولها.
وإنهم عملوا المقابلة بدلًا منها.
وإن الرجل اللي كانت جاية تعتذر له عن تأخيرها كان قدام أهم اختبار ممكن يتحط فيه رجل في حياتها…
من غير ما يكون مستعد له أصلًا.
باقي القصه موجو علي صفحة عالم السطور اضغط وهاتلاقي القصه كامله هناك. وماتنساش تعملي متابعه عشان يوصلك كل جديد ♥♥♥♥♥
@أبرز المعجبين
#حكايات_صافي_هاني
#حصرياً
الست فضلت واقفة عند الباب ثواني وهي مش قادرة تتحرك.
عينيها كانت رايحة جاية بين بناتها وبين أدهم.
أما البنات فكانوا أول ما شافوها قاموا مرة واحدة.
ليلي جريت عليها.
وصوفي مسكت إيدها.
وإيما فضلت واقفة مكانها لحظة وهي باصة لأدهم.
الست نزلت على ركبها قدام بناتها وقالت وهي بتحاول تلتقط نفسها:
“أنا آسفة يا حبايبي… قلت لكم تستنوني في العربية.”
ليلي ردت بكل براءة:
“إحنا استنيناكي.”
وبعدين بصت لأدهم.
“بس عملنا المقابلة مكانك.”
الست قفلت عينيها لحظة من الإحراج.
وبعدين قامت وبصت لأدهم.
“أنا آسفة جدًا.”
أدهم وقف.
وقال بهدوء:
“مفيش حاجة تستاهل الاعتذار.”
هزت راسها بسرعة.
“لا تستاهل. أنا اللي طلبت منك تستنى، وبعدها اتأخرت، وبعدين البنات دخلوا لوحدهم.”
“هما ما دخلواش لوحدهم.”
أدهم بص للبنات.
“هما دخلوا مع بعض.”
لأول مرة الست ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، متعبة، لكنها حقيقية.
مدت إيدها وقالت:
“أنا مريم.”
أدهم بص لإيدها.
وبعدين صافحها.
“أدهم.”
قالتها بصوت واطي:
“عارفة.”
أدهم رفع حاجبه.
مريم سكتت بسرعة.
وكأنها قالت كلمة ما كانش المفروض تقولها.
سألها:
“عارفاني؟”
مريم ابتسمت ابتسامة مرتبكة.
“اسمك اتقال لي.”
“من مين؟”
“دانيال.”
أدهم فهم.
دانيال كان صاحبه الوحيد تقريبًا اللي لسه مصر يدخل ناس جديدة في حياته.
سحب أدهم الكرسي.
وقال:
“اقعدي.”
مريم بصت للترابيزة.
وبعدين للبنات.
“ممكن نقعد؟”
ليلي ردت قبلها:
“إحنا كنا مستنيين الأكل.”
أدهم ضحك.
“يبقى نقعد.”
قعدوا الخمسة.
مريم في الناحية المقابلة لأدهم.
والبنات التلاتة بينهما.
ولأول مرة من سنين طويلة، أدهم حس إن الترابيزة اللي استأجر القاعة كلها عشان تكون هادية بقت صغيرة جدًا.
صغيرة على خمس أشخاص.
لكن الغريب إنه ما تضايقش.
دخل النادل.
مريم قالت بسرعة:
“أنا آسفة، إحنا مش هنطول.”
أدهم قاطعها:
“إحنا لسه بدأنا.”
النادل ابتسم.
“تحبوا تطلبوا؟”
ليلي رفعت إيدها.
“أنا عايزة مكرونة.”
صوفي قالت:
“وأنا فراخ مشوية.”
إيما قالت:
“أنا عايزة بطاطس.”
مريم بصت لهم.
“وأنا هاكل أي حاجة.”
أدهم قال:
“وأنا كمان.”
ليلي بصت له باستغراب.
“إنت صاحب المكان؟”
أدهم ابتسم.
“ليه؟”
“عشان بتتكلم كأنك صاحب المكان.”
النادل خفض راسه عشان يخبي ضحكته.
أدهم ضحك بصوت واضح.
ومريم لأول مرة شافته بيضحك.
اتأملت وشه للحظة.
كان مختلفًا عن الصورة اللي رسمها دانيال في كلامه.
دانيال قال لها إن أدهم رجل هادي جدًا.
حذر جدًا.
ومش سهل يقرب من حد.
لكن دانيال ما قالهاش إنه لما يضحك، ملامحه بتتغير بالشكل ده.
ولا قالها إن عينيه لما تبص لطفل بتفقد القسوة اللي كانت فيها قبل ثواني.
الأكل وصل.
وبدأت الفوضى.
ليلي وقعت الشوكة.
صوفي طلبت من مريم تقطع لها الفراخ.
إيما فضلت ساكتة.
وأدهم لاحظ إنها مش بتاكل.
سألها:
“مش عاجبك الأكل؟”
هزت راسها.
“عاجبني.”
“أمال مش بتاكلي ليه؟”
بصت ناحية أختيها.
“هما بياكلوا بسرعة.”
“وده يمنعك؟”
“ماما بتقول ما ينفعش نبدأ قبل بعض.”
مريم ابتسمت.
“هي بتحب تعلمهم النظام.”
أدهم بص لها.
“واضح.”
ليلي قالت فجأة:
“ماما بتعلمنا كل حاجة.”
مريم حطت إيدها على إيد بنتها.
“مش كل حاجة.”
ليلي ردت:
“إلا إننا لازم نعرف الشخص اللي قدامنا كويس.”
أدهم سأل:
“وإنتِ عارفة عني إيه؟”
ليلي بدأت تعد على صوابعها.
“إن اسمك أدهم.”
“تمام.”
“وإنك عندك بيت كبير.”
أدهم بص لمريم.
مريم رفعت إيدها بسرعة.
“أنا والله ما قلت لهم.”
ليلي كملت:
“وإن عندك عربيات كتير.”
أدهم ابتسم.
“مين قال لكم؟”
إيما أشارت للنوتة.
“إحنا كتبنا كل اللي دانيال قاله.”
أدهم اتجمد للحظة.
“دانيال كلمكم؟”
مريم بصت له.
“هو اللي عرفني عليك.”
“بس هو قال لكم إيه؟”
ليلي فتحت النوتة.
“قال إنك مش بتثق في الناس بسهولة.”
أدهم سكت.
صوفي قالت:
“وقال إنك لما بتزعل بتفضل ساكت.”
إيما أضافت:
“وقال إنك ما بتحبش حد يقرب من حاجتك.”
أدهم ابتسم ابتسامة صغيرة.
“دانيال بيتكلم كتير.”
مريم قالت:
“هو قلقان عليك.”
أدهم بص لها.
“هو قلقان عليا من إيه؟”
مريم سكتت.
وبعدين قالت:
“من الوحدة.”
الكلمة نزلت بينهم بهدوء.
أدهم ما ردش.
مريم ما حاولتش تضغط عليه.
لكن البنات ما كانوش بنفس الهدوء.
ليلي سألت:
“إنت لوحدك؟”
“آه.”
“كل يوم؟”
“تقريبًا.”
“ومش بتخاف؟”
أدهم فكر لحظة.
“أنا اتعودت.”
ليلي هزت راسها.
“دي مش إجابة.”
أدهم ابتسم.
“إنتِ بتتكلمي زي الكبار أوي.”
“ماما بتقول الحقيقة أهم من الكلام الحلو.”
أدهم بص لمريم.
“واضح إن مامتكم علمتكم حاجات كتير.”
مريم ابتسمت.
“أنا بحاول.”
وبعدها سكتت.
أدهم لاحظ التعب في عينيها.
كانت بتبتسم للبنات.
لكن تحت عينيها هالات واضحة.
وإيديها كانت فيها خدوش صغيرة من الشغل.
سألها:
“إنتِ بتشتغلي في محل الحلويات؟”
“آه.”
“من إمتى؟”
“من أربع سنين.”
“وبتعملي الكيك بنفسك؟”
“أيوه.”
“والنهارده كان فرح؟”
ضحكت.
“فرح بنت صاحبة المحل. والكيكة وقعت قبل التسليم بساعتين.”
ليلي تدخلت:
“ماما أنقذتها.”
مريم هزت راسها.
“ساعدت.”
“ماما عملت طبقة جديدة.”
“ليلي.”
“ورمت الطبقة القديمة.”
صوفي قالت:
“وبعدين اتلسعت.”
أدهم بص لمريم.
“اتلسعتي؟”
مريم بصت لإيدها.
“حاجة بسيطة.”
أدهم مد إيده.
“وريني.”
مريم ترددت.
“مش مهم.”
“مريم.”
قال اسمها لأول مرة بالطريقة دي.
مريم رفعت عينيها له.
وبعدين مدت إيدها.
أدهم شاف أثر الحرق عند معصمها.
مش خطير.
لكن واضح إنه مؤلم.
سحب يده بهدوء.
“لازم يتعالج.”
مريم ابتسمت.
“أنا كويسة.”
“إنتِ دايمًا بتقولي كده؟”
“تقريبًا.”
“حتى لما ما تكونيش كويسة؟”
سكتت.
أدهم فهم الإجابة.
في نفس اللحظة وقع كوب العصير من إيد إيما.
اتكسر على الأرض.
مريم قامت بسرعة.
“إيما!”
البنت اتجمدت.
عينيها امتلأت بالدموع.
“أنا آسفة.”
مريم وقفت مكانها.
وبعدين رجعت قعدت.
“تعالي.”
إيما قربت منها.
مريم مسحت على شعرها.
“ولا يهمك.”
“بس اتكسر.”
“نجيب غيره.”
“إنتِ مش زعلانة؟”
“أزعل منك عشان كوباية؟”
إيما هزت راسها.
أدهم كان بيتفرج.
المشهد كان بسيطًا جدًا.
لكن بالنسبة له كان غريبًا.
لأنه طول عمره شاف الناس وهي بتخاف من الخطأ.
هو نفسه كان واحد من الناس اللي بيعاقبوا الخطأ بقسوة.
لكن مريم ما عملتش كده.
ما صرختش.
ما وبختش.
ما خلتش بنتها تحس إنها سببت كارثة.
قالت بس:
“الحاجات بتتعوض يا إيما.”
الجملة فضلت في دماغه.
الحاجات بتتعوض.
لكن البشر؟
هو كان عارف إن البشر أحيانًا ما بيتعوضوش.
لأن أبوه مات قدامه.
وأمه اختفت من حياته بعد سنين قليلة.
وأخوه الأكبر راح في حادث غامض.
ومن يومها أدهم قرر إن مفيش حد تاني هيدخل قلبه.
لأن كل حد بيدخل كان بيسيب وراه فراغ.
ولذلك اختار الوحدة.
كان فاكر إنها أأمن.
لكن وهو قاعد قدام مريم وبناتها الثلاثة، بدأ لأول مرة يشك إن الوحدة مش أمان.
يمكن كانت مجرد خوف متخفي.
بعد العشا، البنات طلبوا حلوى.
مريم حاولت تمنعهم.
لكن أدهم قال:
“خليهم يختاروا.”
مريم بصت له.
“هيتعلموا يطلبوا كل حاجة.”
“يبقى نتعلم نقول لأ.”
ليلي ضحكت.
“يعني هنطلب؟”
أدهم قال:
“اطلبي.”
التلاتة اتكلموا في نفس الوقت.
ومريم حطت إيدها على جبينها.
“يا نهار أبيض.”
أدهم ضحك.
“واضح إني وقعت في مشكلة.”
ليلي قالت:
“لسه ما شفتش حاجة.”
وفعلًا…
بعد عشر دقايق، كان على الترابيزة أربع أنواع حلويات.
ومريم بتبص لأدهم كأنها بتلومه.
قال لها:
“إيه؟”
“إنت اللي بدأت.”
“هما اللي طلبوا.”
“وإنت وافقت.”
“كنت في موقف صعب.”
مريم ضحكت.
كانت ضحكتها هادية.
وأدهم فضل يبص لها.
مريم لاحظت.
سألته:
“إيه؟”
“ولا حاجة.”
“بتبص لي ليه؟”
“بحاول أفتكر آخر مرة قعدت على ترابيزة فيها ناس بتضحك.”
مريم سكتت.
“يمكن من زمان.”
“آه.”
ليلي كانت بتاكل من الكيك وسمعتهم.
قالت:
“ممكن تقعد معانا تاني.”
أدهم بص لها.
“ممكن.”
مريم بصت لبنتها.
“ليلي.”
“إيه؟”
“كلي.”
“أنا باكل.”
أدهم ابتسم.
لكن اللحظة ما كملتش.
لأن باب القاعة اتفتح فجأة.
دخل رجل من رجال أدهم.
كان اسمه حاتم.
وجهه كان جامد.
وأول ما شاف أدهم، قرب بسرعة.
“محتاجك بره.”
أدهم فهم من نبرة صوته إن الموضوع مش عادي.
قام.
مريم بصت له.
حاتم قال:
“في مشكلة كبيرة.”
أدهم بص للبنات.
وبعدين قال:
“ثواني.”
خرج مع حاتم.
أول ما الباب اتقفل، حاتم قال:
“في عربية كانت واقفة برا من ساعة.”
“فين؟”
“قدام المطعم.”
“مين؟”
“مش عارفين.”
أدهم بص من الزجاج.
العربية اللي كان شافها قبل كده اختفت.
حاتم كمل:
“لكن واحد من رجالتنا لحق يصور اللوحة.”
أدهم مد إيده.
حاتم اداله الصورة.
أدهم بص لها.
ملامحه اتغيرت.
حاتم سأله:
“تعرفها؟”
أدهم قال:
“آه.”
“مين؟”
أدهم ما ردش.
كانت نفس العربية اللي شافها من خمس سنين.
العربية اللي ظهرت في الليلة اللي مات فيها أخوه.
العربية اللي فضل يدور عليها طول الوقت.
قال حاتم:
“أدهم؟”
أدهم شد الصورة في إيده.
“هات كل الرجالة.”
“دلوقتي؟”
“دلوقتي.”
رجع ناحية الباب.
لكنه وقف قبل ما يفتحه.
لأول مرة في حياته، مشكلته ما كانتش إنه خايف على نفسه.
كان خايف على ناس جوه.
فتح الباب.
البنات كانوا لسه قاعدين.
مريم بتجمع لهم حاجاتهم.
أدهم قال:
“مريم.”
بصت له.
“آه؟”
“لازم تمشوا دلوقتي.”
ملامحها اتغيرت.
“ليه؟”
“هشرح لك بعدين.”
“إيه اللي حصل؟”
“مش وقت الكلام.”
ليلي قامت.
“إحنا عملنا حاجة؟”
أدهم نزل لمستواها.
“لأ.”
“زعلتك؟”
“أبدًا.”
بص لها بثبات.
“أنا بس عايزكم تروحوا مكان آمن.”
مريم بدأت تفهم إن الموضوع أكبر من مجرد ظرف عابر.
قالت:
“أدهم… إنت مين بالظبط؟”
أدهم سكت.
كان السؤال اللي وعد نفسه إنه ما يهربش منه.
لكن الوقت كان ضيق.
قال:
“أنا مش مجرد راجل عقارات.”
مريم فضلت باصة له.
“كنت عارفة.”
“إزاي؟”
“عشان الناس اللي برا.”
حاتم وقف بعيد.
مريم قالت:
“وعشان الطريقة اللي بيتكلموا بيها معاك.”
أدهم قرب منها.
“مريم، أنا مش عايز أخوفك.”
“بس أنا خايفة.”
“عشان كده لازم تمشوا.”
ليلي مسكت إيد مريم.
“هو وحش؟”
أدهم بص لها.
“لأ.”
مريم قالت:
“أدهم…”
لكنه سمع صوت حركة خارج الباب.
رجال.
خطوات سريعة.
حاتم رفع إيده.
الكل سكت.
ثواني.
ثم انطفأت الأنوار.
التلات بنات صرخوا.
مريم ضمتهم.
وأدهم تحرك فورًا.
“ما تتحركوش.”
صوته كان مختلفًا.
هادئًا.
لكن حادًا.
وقف أمامهم.
صوت ارتطام جه من الخارج.
وبعدين صوت رجل بيصرخ.
أدهم مد إيده ناحية جيبه.
مريم قالت:
“أدهم!”
بص لها.
“خلي البنات وراكي.”
“إنت رايح فين؟”
“مش هبعد.”
قرب منها وقال:
“أنا وعدتهم إني مش هسيبهم.”
مريم بصت له.
ولأول مرة صدقت إن الوعد ده مش مجرد كلام.
بعد دقائق قليلة رجعت الأنوار.
لكن القاعة كانت فاضية من رجال أدهم.
حاتم دخل وقال:
“خلصت.”
أدهم سأله:
“مين؟”
“ثلاثة.”
“العربية؟”
“اتحركت.”
أدهم شد فكه.
“يعني كان اختبار.”
حاتم هز راسه.
“واضح.”
مريم سمعت.
“اختبار لإيه؟”
أدهم بص لها.
“مش عارف.”
لكن داخله كان عارف.
الليلة دي ما كانتش صدفة.
ظهور العربية.
وجودهم.
وتزامن كل ده مع بناته الثلاثة.
كل حاجة كانت مرتبطة.




