
بعد نصف ساعة كانوا في الطريق.
أدهم ركب في عربية منفصلة عن مريم والبنات.
لكن بعد دقائق، مريم شافت عربيته بتقرب منهم.
فتحت الشباك.
“إنت رايح فين؟”
أدهم قال:
“وراكم.”
“ليه؟”
“لحد ما أوصلكم.”
“بيتنا قريب.”
“النهارده مش مهم قريب ولا بعيد.”
مريم سكتت.
وصلوا أخيرًا.
كان بيت مريم صغيرًا جدًا مقارنة ببيت أدهم.
شقة متواضعة.
لكن نظيفة.
في مدخلها صور البنات.
صورة قديمة لمريم مع والدتها.
ومطبخ صغير.
وأدهم أول ما دخل حس بحاجة غريبة.
دفء.
مش رفاهية.
مش حراسة.
مش رخام.
دفء.
ليلي قالت:
“إحنا هنا.”
أدهم ابتسم.
“شايف.”
صوفي جريت على غرفتها.
إيما راحت تجيب لعبتها.
أما مريم فكانت واقفة عند الباب.
“شكرًا.”
“على إيه؟”
“على اللي عملته.”
“ده الطبيعي.”
“بالنسبة لك يمكن.”
أدهم بص لها.
“مريم.”
“آه؟”
“أنا محتاج أقول لك حاجة.”
“قول.”
“اللي حصل النهارده مش صدفة.”
مريم عقدت حواجبها.
“يعني إيه؟”
“العربية اللي كانت برا مرتبطة بماضي قديم عندي.”
“ممكن يكونوا كانوا بيراقبوك.”
“ممكن.”
“وممكن يكونوا كانوا بيراقبونا إحنا.”
أدهم سكت.
وده كان الاحتمال اللي مش عايز يعترف بيه.
مريم قالت:
“أنا مش عايزة أخلي بناتي يدخلوا في أي حاجة تخصك.”
“ولا أنا.”
“يبقى خلينا نوقف هنا.”
أدهم حس بوخزة في صدره.
لكنه ما اعترضش.
“لو ده قرارك، هحترمه.”
مريم استغربت.
“بهذه السهولة؟”
“لأ.”
سكت.
“بس أنا مش هفرض نفسي على حد.”
مريم بصت له طويلًا.
وبعدين قالت:
“إنت غريب.”
“عارف.”
“دانيال قال لي إنك صعب.”
“هو بيحب يبالغ.”
“وقال إنك ما بتسيبش حاجة لما تدخل دماغك.”
أدهم ابتسم.
“غالبًا.”
“طب ليه سايبني أمشي؟”
أدهم بص للثلاث بنات.
“عشان إنتِ أمهم.”
الجملة خلت مريم تسكت.
وبعدين دخلت البنات تنام.
لكن قبل ما يخرج، ليلي ظهرت من باب الغرفة.
كانت لابسة بيجامة وردية.
قالت:
“أدهم.”
“آه؟”
“إنت هتمشي؟”
“آه.”
“بكرة هتيجي؟”
أدهم بص لمريم.
مريم ما ردتش.
فقال:
“لو ماما وافقت.”
ليلي بصت لمريم.
“وافقي.”
مريم ضحكت رغمًا عنها.
“روحي نامي.”
ليلي رجعت الغرفة.
أدهم فتح الباب.
وقبل ما يخرج، سمع إيما من الداخل:
“ماما؟”
“آه؟”
“أنا حبيته.”
مريم سكتت.
أدهم وقف مكانه.
وصوفي قالت:
“وأنا كمان.”
ليلي قالت:
“بس لسه ما خلصناش الاختبار.”
أدهم ضحك.
خرج.
لكن قبل ما يركب عربيته، جاله اتصال.
حاتم.
“أدهم، لقينا حاجة.”
“إيه؟”
“الصورة اللي أخدناها للعربية… اللوحة مسجلة باسم شركة.”
“اسمها؟”
حاتم قال الاسم.
أدهم وقف.
“مستحيل.”
“إيه؟”
“الشركة دي اتقفلت من سبع سنين.”
“مش بس كده.”
حاتم سكت.
“لقينا اسم واحد من ملاكها.”
“مين؟”
حاتم قال الاسم.
أدهم حس ببرودة في جسمه.
الاسم كان اسم الرجل الوحيد اللي كان أدهم متأكد إنه مات.
الرجل اللي كان السبب في موت أخوه.
الرجل اللي قضى أدهم خمس سنين يبحث عن الحقيقة بسببه.
قال:
“اتأكد.”
“اتأكدنا.”
“هو عايش.”
في اللحظة دي، أدهم بص لشباك شقة مريم.
النور كان لسه مفتوح.
وفكر في البنات.
وفي مريم.
وفهم إن حياته القديمة مش بس رجعت.
هي رجعت وهي عارفة بالضبط فين تضربه.
تاني يوم الصبح، أدهم وصل قبل ما البنات تصحى.
مريم فتحت الباب.
كانت لابسة ملابس بيت بسيطة.
وشعرها مربوط.
أدهم مد لها كيس.
“إيه ده؟”
“فطار.”
فتحت الكيس.
ثلاث ساندوتشات.
وعصير.
وقهوة.
مريم ابتسمت.
“إنت عملت ده؟”
“لأ.”
ضحكت.
“افتكرت إنك بتعرف تطبخ.”
“أنا قلت لك مكرونة وأومليت.”
“دي ساندوتشات.”
“دي مرحلة متقدمة.”
ضحكت.
وفي اللحظة دي خرجت ليلي.
أول ما شافت أدهم، جريت عليه.
“إنت جيت!”
أدهم انحنى وحضنها.
بعدها صوفي.
ثم إيما.
مريم وقفت تتفرج.
وشيء ما داخلها بدأ يلين.
لكنها كانت خايفة.
مش من أدهم.
من العالم اللي وراه.
مرّت الأيام التالية بسرعة.
أدهم بدأ يظهر في حياة البنات.
مرة يوصلهم المدرسة.
مرة يجيب لهم كتب تلوين.
مرة يقعد معاهم على الأرض ويبني بيتًا من المكعبات.
ومرة قضى ساعتين كاملتين يحاول يصلح لعبة مكسورة.
وفي النهاية ليلي قالت له:
“إنت مش بتفهم في التصليح.”
رد:
“واضح.”
“بس بتحاول.”
“دي أهم حاجة.”
مريم كانت بتراقب من بعيد.
ومع الوقت بدأت تكتشف جانبًا ما حدش شافه.
أدهم كان قاسيًا مع العالم.
لكن مع البنات كان مختلفًا.
لو ليلي وقعت، أول حاجة يعملها يطمن عليها.
لو صوفي زعلت، يقعد يسمعها.
ولو إيما سكتت، يعرف من نظرة واحدة إن في حاجة مضايقاها.
وفي يوم، إيما قالت له:
“إنت هتبقى بابا؟”
أدهم اتجمد.
مريم كانت واقفة في المطبخ وسمعت السؤال.
أدهم نزل لمستواها.
“أنا مش عارف.”
“ليه؟”
“عشان دي حاجة كبيرة.”
“بس إنت بتحبنا.”
“آه.”
“وماما بتحبك.”
مريم شهقت:
“إيما!”
البنت ضحكت وجريت.
أدهم بص لمريم.
مريم احمر وشها.
“الأطفال بيقولوا أي حاجة.”
أدهم ابتسم.
“يمكن.”
لكن في نفس الليلة، أدهم خرج من البيت ووقف في الشارع.
حاتم كان مستنيه.
قال:
“لقينا الرجل.”
“فين؟”
“في القاهرة.”
أدهم سكت.
“هو اللي ورا كل حاجة.”
“متأكد؟”
“عندنا مستندات.”
أدهم قال:
“عايزه حي.”
حاتم استغرب.
“ليه؟”
“عشان أعرف الحقيقة.”
“والحقيقة ممكن تكون أسوأ مما متوقع.”
أدهم رد:
“أنا مستعد.”
لكن الحقيقة كانت فعلًا أسوأ.
الرجل كان يعرف مريم.
وكان يعرف البنات.
بل كان يعرف سرًا عن ولادتهن.
بعد يومين، أدهم اكتشف إن والد البنات الحقيقي ما كانش رجلًا مجهولًا هرب وقت الحمل.
بل كان جزءًا من العائلة القديمة.
وكان قد أخفى الحقيقة لحماية مريم.
والأخطر…
إن مريم نفسها ما كانتش تعرف كل شيء.
لما أدهم واجهها بالمستندات، انهارت.
قالت:
“أنا مش فاهمة.”
“المستندات بتقول إن والد البنات كان متورطًا في قضية كبيرة.”
“مين؟”
أدهم قال الاسم.
مريم غطت فمها.
“مستحيل.”
“هو كان عارف بوجودهم.”
“إنت بتقول إيه؟”
“كان عارف.”
“ليه سابهم؟”
“لأنه كان بيحاول يحميكم.”
مريم هزت راسها.
“لا.”
“مريم.”
“لا.”
دموعها نزلت.
“أنا قضيت خمس سنين أقول لبناتي إن أبوهم اختار يبعد.”
“أنا عارف.”
“كنت غلطانة.”
“إنتِ كنتِ بتحاولي تحميهم.”
“بس كذبت عليهم.”
أدهم قرب.
“إنتِ كنتِ بتحاولي تديهم سبب مفهوم لغيابه.”
مريم بصت له.
“وإنت؟”
“أنا؟”
“ليه بتعمل كل ده؟”
أدهم سكت.
وبعدين قال:
“عشان من أول يوم دخلت فيه حياتكم وأنا حاسس إن في حاجة مش هتخليني أقدر أمشي.”
مريم دموعها زادت.
“إنت مش لازم تنقذنا.”
“أنا مش بنقذكم.”
“أمال؟”
“بحاول أكون موجود.”
مريم سكتت.
أدهم كمل:
“طول عمري فاكر إن القوة معناها إنك ما تحتاجش حد.”
بص لها.
“طلعت القوة إنك تقدر تحتاج حد وما تخافش.”
مريم ما ردتش.
بس قربت خطوة.
ولأول مرة مسكت إيده بإرادتها.
بعدها بأيام، ظهرت الحقيقة كاملة.
الرجل اللي كانوا فاكرينه مات كان مختبئًا.
وكان هو نفسه الشخص الذي تسبب في تفكك عائلة أدهم.
لكن المفاجأة الأكبر إن والد البنات كان قد ترك رسالة لمريم قبل وفاته.
رسالة لم تصلها.
أدهم أعطاها لها.
مريم فتحتها بيد مرتعشة.
قرأتها بصمت.
ثم انهارت في البكاء.
أدهم ما سألهاش عن محتواها.
فضل واقف جنبها.
بعد وقت طويل، قالت:
“هو كان بيحبهم.”
أدهم هز راسه.
“عارف.”
“وكان عايز يشوفهم.”
“عارف.”
“وكان خايف.”
“عارف.”
“طب ليه ما رجعش؟”
أدهم سكت.
لأن الإجابة كانت موجعة.
لأنه مات قبل ما يقدر يرجع.
في اليوم التالي، مريم أخذت البنات للمقبرة.
أدهم كان واقف بعيد.
لكن ليلي شافته.
جريت عليه.
“تعالى.”
“أين؟”
“ماما عايزاك.”
مريم بصت له.
“تعالى.”
وقف جنبهم.
لأول مرة، مريم حكت للبنات الحقيقة بشكل يناسب سنهم.
قالت:
“باباكم كان بيحبكم.”
ليلي سألت:
“طب ليه ما جاش؟”
مريم بكت.
“كان خايف.”
إيما سألت:
“خايف من إيه؟”
مريم بصت لأدهم.
“من ناس كانوا عايزين يؤذوه.”
صوفي قالت:
“يعني هو مش ما كانش عايزنا؟”
مريم هزت راسها.
“كان عايزكم.”
التلاتة سكتوا.
وبعدين ليلي مسكت إيد أدهم.
ومسكت إيد مريم.
وحطت إيديهم فوق بعض.
وقالت:
“خلاص.”
مريم ضحكت وسط دموعها.
“خلاص إيه؟”
“نبقى إحنا الخمسة.”
أدهم بص لمريم.
مريم بصت له.
ولا واحد فيهم قال حاجة.
لكن إيديهم فضلت متشابكة.
بعد شهور، أدهم أغلق جزءًا كبيرًا من أعماله القديمة.
مش لأنه خاف.
لكن لأنه قرر إنه مش عايز يعيش بنفس الطريقة.
بدأ يستثمر في مشروع صغير لمريم.
محل حلويات باسم البنات الثلاثة.
“ليلي وصوفي وإيما.”
مريم رفضت في البداية.
قالت:
“ده كتير.”
أدهم رد:
“مش هدية.”
“أمال إيه؟”
“شراكة.”
“أنا معنديش فلوس.”
“عندك وصفات.”
“وده يكفي؟”
“بالنسبة لي آه.”
المحل فتح.
وفي أول يوم، البنات كانوا واقفين قدام الباب.
ليلي ماسكة المقص.
صوفي ماسكة الشريط.
إيما ماسكة البالونة.
ومريم واقفة جنب أدهم.
قالت له:
“فاكر أول مرة قابلتنا؟”
“آه.”
“كنت هتمشي.”
“كنت.”
“لو مشيناها؟”
أدهم بص لها.
“كنت هرجع.”
“ليه؟”
“عشان تلات بنات دخلوا عليا فجأة وقالوا إن أمهم اتأخرت.”
مريم ضحكت.
“وأنا أصلًا كنت فاكرة إنك هتكون آخر شخص ممكن تحبه البنات.”
أدهم قال:
“وأنا كنت فاكر إن آخر حاجة محتاجها في حياتي هي تلات أطفال.”
“ودلوقتي؟”
بص للبنات.
“دلوقتي مش متخيل حياتي من غيرهم.”
مريم سكتت.
أدهم قال:
“ولا من غيرك.”
مريم ابتسمت.
بعدها بسنة، كان فيه حفل صغير في المحل.
البنات بقوا أكبر.
وأدهم كان واقف وسط الناس.
ليلي اقتربت منه.
“أدهم.”
“آه؟”
“فاكر أول سؤال سألتهولك؟”
“بتعرف تطبخ.”
ضحكت.
“لأ.”
“شخير؟”
“لأ.”
“إيه؟”
قالت:
“لو حبيت ماما هتسيبها؟”
أدهم سكت.
ليلي ابتسمت.
“ما سبتهاش.”
أدهم بص لمريم.
كانت واقفة بعيد وهي بتضحك.
قال:
“ولا ناوي.”
ليلي هزت راسها برضا.
“تمام.”
“إيه تمام؟”
“كنت مستنية الإجابة دي.”
وبعدين جريت.
أدهم فضل واقف مكانه.
مريم قربت منه.
“إيه اللي قالت لك؟”
“بتحقق معايا.”
“واضح.”
“وقالت إن الامتحان لسه مستمر.”
مريم ضحكت.
“ربنا يعينك.”
أدهم مسك إيدها.
“أنا عندي أحسن فريق.”
مريم بصت له.
“إحنا فريق؟”
“من أول ليلة.”
“حتى وإحنا كنا بنختبرك؟”
“خصوصًا وقتها.”
وبعد سنوات، بقى محل الحلويات معروف.
والبنات كبروا.
ليلي بقت تحب الإدارة.
صوفي بقت تحب الرسم وتصميم الكيك.
وإيما بقت تحب القراءة.
أما مريم فكانت كل ليلة قبل ما تقفل المحل تبص على صورة صغيرة معلقة خلف الكاونتر.
صورة لأول يوم.
الخمس واقفين مع بعض.
أدهم في المنتصف.
ومريم جنبه.
والبنات الثلاثة قدامهم.
وكان تحت الصورة جملة كتبتها ليلي بنفسها:
“في ناس بتدخل حياتنا متأخرة… بس توصل في الوقت الصح.”
وفي يوم من الأيام، بعد إغلاق المحل، أدهم ومريم كانوا قاعدين وحدهم.
مريم قالت:
“تفتكر لو البنات ما دخلتش عليك الليلة دي؟”
أدهم ابتسم.
“كنت مشيت.”
“وكان ممكن ما نتقابلش.”
“يمكن.”
“وكان ممكن حياتنا تفضل زي ما هي.”
“يمكن.”
مريم قالت:
“بس أنا مؤمنة إن ربنا أحيانًا بيبعت لنا ناس في وقت إحنا فاكرين إنهم جايين يعطلونا.”
أدهم بص لها.
“ويطلعوا جايين ينقذونا.”
مريم ابتسمت.
“بالظبط.”
أدهم قام.
“تعالي.”
“فين؟”
“عندي حاجة.”
دخل الغرفة الخلفية.
رجع بصندوق صغير.
مريم بصت له باستغراب.
فتحه.
كان فيه النوتة القديمة.
نفس النوتة اللي البنات استخدموها في أول مقابلة.
مريم ضحكت.
“إنت محتفظ بيها؟”
“طبعًا.”
فتحتها.
بدأت تقرأ الأسئلة.
السؤال الأول:
بتعرف تطبخ؟
السؤال الثاني:
بتحب الأطفال؟
السؤال الثالث:
بتشخر؟
السؤال الرابع:
شغلتك إيه؟
وبعدين السؤال الأخير.
لو حبيت ماما هتسيبها؟
مريم بصت لأدهم.
“إنت لسه فاكر إجابتك؟”
“آه.”
“إيه؟”
أدهم قرب منها.
وقال:
“أنا وقتها قلت إني ما أعرفش.”
سكت.
“دلوقتي أعرف.”
“إيه؟”
“لأ.”
ابتسم.
“مش هسيبها.”
مريم ضحكت ودموعها نزلت في نفس الوقت.
ومن الغرفة التانية جاء صوت البنات.
“مامااااا!”
مريم مسحت دموعها.
“جاية.”
أدهم قال:
“روحي.”
“وإنت؟”
“جاي.”
وقبل ما تخرج، مريم رجعت وبصت له.
“أدهم.”
“آه؟”
“شكرًا.”
“على إيه؟”
“إنك ما مشيتش.”
أدهم ابتسم.
“أنا من الليلة دي ما بقيتش لوحدي.”
وبعد لحظة خرج وراها.
وفي الصالة كانت ليلي وصوفي وإيما واقفين مستنيينه.
ليلي قالت:
“اتأخرت.”
أدهم رد:
“ماما هي اللي عطلتني.”
مريم قالت:
“كذاب.”
التلاتة ضحكوا.
وأدهم ضحك معاهم.
الراجل اللي عاش سنين طويلة وهو فاكر إن القسوة هي الطريقة الوحيدة للنجاة، اكتشف في النهاية إن أكتر حاجة أنقذته ما كانتش قوته ولا فلوسه ولا رجاله.
كانت تلات بنات صغيرين دخلوا قاعة مطعم في ليلة باردة.
ومعاهم نوتة قديمة.
وسؤال واحد.
هل الراجل ده هيسيب ماما؟
والإجابة اللي ما عرفش يقولها في البداية…
فضل يثبتها لهم كل يوم بعد كده.
مش بالكلام.
بالحضور.
بالاهتمام.
وبإنه كل ما الحياة كانت تحاول تخوفه من فقدانهم، كان يختار للمرة الأولى إنه ما يهربش.
وفي آخر ليلة من كل سنة، كان أدهم يفتح النوتة القديمة.
ويقرأ السؤال الأخير.
ثم يبتسم.
لأن الإجابة بقت أوضح من أي وقت مضى:
لا.
مش هيسيبها.
ولا هيسيب البنات.
ولا هيسيب البيت اللي لأول مرة في حياته حس إنه بيته بجد.
لأن بعض الناس لا يدخلون حياتنا بعد أن نكون مستعدين لهم.
هم يدخلون في اللحظة التي نكون فيها على وشك الاستسلام.
وأحيانًا…
يكون تأخرهم هو السبب في أن اللقاء يصبح أهم لقاء في العمر.
عدت سنين كتير من الليلة اللي دخلت فيها البنات التلاتة قاعة مطعم الزهراء وهم ماسكين إيد بعض وقالوا لأدهم إن ماما بتعتذر إنها اتأخرت.
سنين كانت كفاية تغير شكل ناس كتير وتبدل أحوالهم وتفتح أبواب وتتقفل أبواب تانية.
لكن بالنسبة لأدهم كانت الليلة دي لسه عايشة جواه كأنها حصلت امبارح.
كل ما كان يفتكر نفسه وهو قاعد على الترابيزة وبيحاول يقنع نفسه إنه هيمشي من غير ما يستنى مريم دقيقة زيادة كان يضحك.
كان فاكر إنه رايح يقابل ست مرة واحدة.
عشا.
ساعة.
كلمتين.
وبعدين كل واحد يرجع لحياته.
ما كانش يعرف إن حياته نفسها هتتغير من اللحظة اللي الباب اتفتح فيها ودخلت منه تلات بنات صغيرين بدل الست اللي كان مستنيها.
ما كانش يعرف إن تلات إيدين صغيرين هيمسكوا في حياته ويشدوه بعيد عن الوحدة اللي عاش فيها سنين.
ولا كان يعرف إن السؤال اللي سألته له إيما في أول ليلة هيبقى السؤال اللي يفضل يجاوب عليه بأفعاله طول عمره.
لو حبيت ماما… هتسيبها؟
في البداية ما عرفش يجاوب.
لأنه كان فاكر إن الحب كلمة كبيرة.
وكان فاكر إن الوعد مجرد كلام.
لكن الأيام علمته إن الحب الحقيقي مش إنك تقول لحد إنك هتفضل معاه.
الحب إنك تفضل موجود لما الدنيا تبقى صعبة.
إنك ما تمشيش أول ما المشاكل تظهر.
إنك تفضل ماسك إيد الشخص اللي بتحبه حتى وإنت مش عارف بكرة مخبي إيه.
وده بالظبط اللي حصل.
أدهم ما بقاش الراجل اللي الناس كانت بتخاف منه.
لسه كان قوي.
لسه كان عنده نفوذ.
ولسه كان فيه ناس بتحسب ألف حساب قبل ما تختلف معاه.
لكن القوة اللي كانت في إيده زمان اتغير معناها.
زمان كان شايف القوة في السيطرة.
دلوقتي بقى شايفها في الحماية.
زمان كان بيعتقد إن البيت القوي هو البيت اللي محدش يقدر يقرب منه.
دلوقتي بقى شايف إن البيت القوي هو البيت اللي أفراده يقدروا يرجعوا له وهم مطمنين.
وعشان كده، لما بناته التلاتة كبروا، كان كل واحد فيهم له مكان مختلف في قلبه.
ليلي كانت أكتر واحدة شبهه.
عنيدة.
قوية.
بتحب تعرف كل حاجة.
وكانت لما تختلف معاه تقف قدامه وتحط إيديها على وسطها وتقول:
“أنا مش خايفة منك.”
وكان أدهم يبتسم ويقول:
“وده أكتر شيء بيفرحني.”
لأن البنت اللي ما تخافش من أبوها تقدر تواجه الدنيا وهي رافعة راسها.
صوفي كانت أهدى.
كانت بتحب الألوان والكيك والرسم.
كبرت وهي بتقضي ساعات في المحل مع مريم.
كانت تقول دايمًا إن كل كيكة لازم يكون فيها حكاية.
ومريم كانت تضحك وتقول:
“هو إحنا بنبيع كيك ولا بنكتب روايات؟”
فترد صوفي:
“الناس بتحب الحاجة اللي وراها حكاية.”
وكانت مريم كل مرة تسمع الجملة دي تفتكر الليلة الأولى.
لأنها فعلًا كانت مقتنعة إن حياتهم كلها بدأت بحكاية.
أما إيما…
فكانت أكتر واحدة احتفظت بالجزء الحساس من شخصيتها.
كبرت وهي بتحب الكتب.
تحب تقعد جنب الشباك وتقرأ.
وكان أدهم كل ما يعدي عليها وهي ماسكة كتاب يسألها:
“خلصتي؟”
فترد:
“لسه.”
فيقول:
“طب لما تخلصي احكيلي.”
حتى لو الكتاب ما كانش من اهتماماته.
كان يسمع.
لأن أدهم اتعلم إن بعض الناس مش محتاجين منك حلول.
محتاجين بس إنك تسمعهم.
ومريم؟
مريم كانت الحكاية كلها.
فضلت سنين شايلة بيت كامل على كتفها.
تشتغل.
وتربي.
وتضحك قدام بناتها.
وتخبي تعبها.
لكن بعد دخول أدهم حياتها، ما بقتش مضطرة تعمل كل حاجة لوحدها.
مش لأنه أخد مكانها.
ولا لأنه حاول يبقى صاحب القرار.
لكن لأنه أخيرًا بقى فيه حد يقول لها:
“سيبيها عليا.”
وكانت في البداية تستغرب الجملة.
كل مرة كان يقولها كانت ترد:
“أنا أقدر.”
وهو كان يقول:
“أنا عارف.”
وبعدين يضيف:
“بس مش لازم.”
والجملة دي كانت من أكتر الجمل اللي غيرت حياتها.




