منوعات

زعيم. مافيا حكايات صافي هاني

 

لأنها لأول مرة فهمت إن طلب المساعدة مش ضعف.

 

وإن الإنسان ممكن يكون قوي جدًا ومع ذلك يحتاج حد يسنده.

 

مرت السنوات.

 

المحل كبر.

 

وبقى له أكتر من فرع.

 

لكن مريم رفضت تغير اسمه.

 

فضل اسمه:

 

“بنات مريم.”

 

أدهم سألها مرة:

 

“ليه مش نسميه باسم أكبر؟”

 

قالت:

 

“عشان الناس تعرف إحنا بدأنا منين.”

 

وفي كل فرع كانت فيه صورة صغيرة معلقة في مكان واضح.

 

مش صورة لأدهم.

 

ولا صورة لمريم.

 

كانت صورة قديمة للبنات التلاتة وهم صغيرين.

 

وفي الصورة كانوا واقفين جنب بعض.

 

ليلي ماسكة إيد صوفي.

 

وصوفي ماسكة إيد إيما.

 

وإيما كانت باصة للكاميرا بنظرتها الهادية.

 

وتحت الصورة جملة واحدة:

 

“إحنا بدأنا لما اتأخرنا.”

 

الناس كانت تضحك لما تقرأها.

 

لكن مريم وأدهم كانوا فاهمين معناها.

 

لأن كل شيء بدأ من تأخير.

 

كيكة اتكسرت.

 

موعد اتأخر.

 

ثلاث بنات دخلوا بدل أمهم.

 

ورجل كان خلاص هيمشي.

 

لكن ما مشيش.

 

وفي يوم من الأيام، لما البنات وصلوا سن الشباب، حصلت حاجة خلت أدهم يفتكر أول ليلة.

 

ليلي كانت بتجهز لمقابلة مهمة.

 

صوفي كانت بتحضر لمعرض.

 

وإيما كانت داخلة الجامعة.

 

البيت كله كان مليان حركة.

 

أدهم كان قاعد في الصالة.

 

مريم خرجت من المطبخ.

 

وقالت:

 

“إنت ساكت ليه؟”

 

“بتفرج.”

 

“على إيه؟”

 

“عليكم.”

 

مريم قعدت جنبه.

 

“حاسس إنك كبرت فجأة؟”

 

أدهم ابتسم.

 

“هم اللي كبروا.”

 

“وإحنا؟”

 

“إحنا كمان.”

 

مريم ضحكت.

 

“إنت لسه شايف نفسك صغير؟”

 

“لأ.”

 

بص لها.

 

“بس لسه فاكر أول مرة شوفتك.”

 

مريم سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

“وأنا فاكرة أول مرة شوفتك.”

 

“كنتِ متوترة.”

 

“كنت مرعوبة.”

 

“ليه؟”

 

“لأني كنت فاكرة إنك شخص صعب.”

 

“وطلعت؟”

 

“طلعت أصعب.”

 

أدهم ضحك.

 

“شكرًا.”

 

مريم كملت:

 

“بس ما طلعتش وحش.”

 

أدهم سكت.

 

“دي أهم.”

 

وبعدها مريم مسكت إيده.

 

“تعرف إيه أكتر حاجة بحمد ربنا عليها؟”

 

“إيه؟”

 

“إنك ما مشيتش.”

 

أدهم بص لها.

 

“وأنا بحمد ربنا إنك اتأخرتي.”

 

ضحكت.

 

“يعني كل ده بسبب إني اتأخرت؟”

 

“آه.”

 

“طب كنت ممكن تسيبني.”

 

“كنت هسيبك.”

 

“إنت بتقولها بمنتهى البرود.”

 

“لأن ده اللي كان هيحصل.”

 

“وبعدين؟”

 

أدهم ابتسم.

 

“بعدين تلات بنات صغيرين دخلوا وقالوا إن ماما بتعتذر.”

 

مريم ضحكت.

 

وفي اللحظة دي دخلت البنات.

 

ليلي قالت:

 

“بتتكلموا علينا؟”

 

أدهم رد:

 

“آه.”

 

صوفي قالت:

 

“أكيد بتقولوا حكاية المطعم.”

 

إيما ابتسمت.

 

“كل مرة نفس الحكاية.”

 

أدهم قال:

 

“عشان كل مرة بتطلع مختلفة.”

 

ليلي قربت منه.

 

“إحنا عايزين نعرف حاجة.”

 

“إيه؟”

 

“لو رجع بيك الزمن لأول ليلة، كنت هتعمل إيه؟”

 

أدهم فكر.

 

ثواني.

 

وبعدين قال:

 

“كنت هستنى.”

 

ليلي ابتسمت.

 

“حتى لو اتأخرت؟”

 

“حتى لو اتأخرتوا يوم كامل.”

 

مريم ضحكت.

 

“يوم كامل؟”

 

أدهم بص لها.

 

“أيوه.”

 

“ليه؟”

 

“عشان عرفت بعد كده إن بعض الناس تستاهل الانتظار.”

 

مريم عينيها دمعت.

 

ليلي حضنتها.

 

وصوفي قربت منهم.

 

وإيما وقفت جنبهم.

 

وأدهم مد إيده وضمهم كلهم.

 

للحظة، رجع الزمن.

 

مش للمطعم.

 

لكن للإحساس.

 

نفس الدفء.

 

نفس الأمان.

 

نفس البيت.

 

وفي وسط الحضن ده، أدهم فهم حاجة ما كانش فاهمها وهو أصغر.

 

إن الإنسان ممكن يقضي نص عمره يجري ورا القوة، وفي النهاية يكتشف إن أغلى حاجة عنده هي مكان صغير فيه ناس بتناديه باسمه من غير خوف.

 

ناس تزعل منه.

 

وتتصالح معاه.

 

وتضحك عليه.

 

وتطلب منه فلوس.

 

وتطلب منه آيس كريم.

 

وتخليه يسمع مشاكلها في المدرسة والشغل والجامعة.

 

ناس لما يتعب يرجع لهم.

 

ولما يفرح يجري عليهم.

 

ناس ما بتشوفش زعيم.

 

ولا رجل أعمال.

 

ولا راجل عنده ماضي مخيف.

 

بتشوف بس أدهم.

 

أدهم اللي بناته التلاتة عرفوه من أول سؤال.

 

أدهم اللي ما عرفش يجاوب وقتها.

 

لكنه قضى باقي عمره يجاوب.

 

مرت ليلة أخرى.

 

أدهم كان واقف في شرفة البيت.

 

مريم خرجت له.

 

قالت:

 

“مش نايم؟”

 

“لسه.”

 

“بتفكر في إيه؟”

 

“في كل حاجة.”

 

“حاجة وحشة؟”

 

“لأ.”

 

ابتسم.

 

“بفكر إزاي حياتي اتغيرت.”

 

مريم وقفت جنبه.

 

“ندمت؟”

 

أدهم بص لها باستغراب.

 

“على إيه؟”

 

“على إنك دخلت حياتنا.”

 

أدهم سكت لحظة.

 

وبعدين قال:

 

“أنا ندمت على حاجات كتير في حياتي.”

 

بص لها.

 

“بس دي لأ.”

 

مريم ابتسمت.

 

“ولا أنا.”

 

في الصباح التالي، كان أدهم عند المحل.

 

دخلت عليه ليلي.

 

وقالت:

 

“عندي خبر.”

 

“خير؟”

 

“أنا هفتح فرع جديد.”

 

أدهم ابتسم.

 

“لوحدك؟”

 

“آه.”

 

“خايفة؟”

 

“شوية.”

 

“يبقى ابدئي.”

 

“من غير مساعدة؟”

 

“أنا جنبك.”

 

ليلي حضنته.

 

“كنت عارفة.”

 

بعدها دخلت صوفي.

 

“وأنا كمان عندي خبر.”

 

“إيه؟”

 

“هعمل كتاب وصفات.”

 

أدهم قال:

 

“وأنا أول واحد يشتريه.”

 

صوفي ضحكت.

 

ثم دخلت إيما.

 

كانت ساكتة.

 

أدهم قال:

 

“وإنتِ؟”

 

قالت:

 

“أنا عندي خبر.”

 

“قوليه.”

 

“اتقبلت في الجامعة اللي كنت بحلم بيها.”

 

أدهم قام فورًا وحضنها.

 

“أنا فخور بيكي.”

 

إيما بكت.

 

“كنت خايفة ما أقدرش.”

 

“إنتِ تقدري.”

 

“إزاي متأكد؟”

 

أدهم ابتسم.

 

“عشان أنا شوفتك وإنتِ عندك خمس سنين.”

 

“وده معناه إيه؟”

 

“معناه إنك من وقتها وإنتِ أقوى مما كنتِ فاكرة.”

 

ضحكت وسط دموعها.

 

وفي آخر اليوم، رجعوا البيت.

 

مريم كانت مجهزة العشا.

 

قعدوا كلهم حول نفس الترابيزة.

 

أدهم بص لهم.

 

خمسة أشخاص.

 

نفس العدد.

 

لكن الدنيا تغيرت.

 

افتكر أول ترابيزة.

 

أربع ترابيزات في قاعة خاصة.

 

واحدة فقط كانت مجهزة.

 

كان فاكر إن الهدوء هو اللي بيخليه مرتاح.

 

لكن دلوقتي اكتشف إن الهدوء كان بيخليه وحيد.

 

أما الضوضاء؟

 

صوت البنات.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى