منوعات

زعيم. مافيا حكايات صافي هاني

 

ضحك مريم.

 

الملاعق.

 

الكراسي.

 

الخلافات الصغيرة.

 

الأسئلة.

 

الضحك.

 

كل ده كان أجمل صوت سمعه في حياته.

 

مريم حطت الأكل قدامه.

 

قالت:

 

“بتبص لنا ليه؟”

 

“ولا حاجة.”

 

ليلي قالت:

 

“بيعيط.”

 

أدهم اعترض:

 

“أنا؟”

 

صوفي ضحكت.

 

“آه.”

 

إيما قالت:

 

“عينيك فيها دموع.”

 

أدهم مسح عينه بسرعة.

 

“تراب.”

 

ليلي قالت:

 

“إحنا في البيت.”

 

أدهم ضحك.

 

“طب يمكن دخل في عيني.”

 

مريم حطت إيدها فوق إيده.

 

وقالت:

 

“خليها تنزل.”

 

أدهم بص لها.

 

“إيه؟”

 

“الدموع.”

 

سكت.

 

مريم قالت:

 

“إنت طول عمرك كنت فاكر إنك لازم تبقى قوي.”

 

أدهم ابتسم.

 

“لسه.”

 

“القوي مش اللي ما يعيطش.”

 

سكتت لحظة.

 

“القوي هو اللي يلاقي ناس يقدر يعيط قدامهم وهو مطمن.”

 

أدهم ضغط على إيدها.

 

وبص للبنات.

 

“أنا لقيتهم.”

 

وبعدها سكت.

 

ما كانش محتاج يقول أكتر.

 

لأن كل اللي كان نفسه فيه من سنين كان موجود قدامه.

 

بيت.

 

عيلة.

 

أمان.

 

وحب.

 

مش الحب اللي بييجي فجأة وينتهي فجأة.

 

لكن الحب اللي يتبني يوم بعد يوم.

 

بموقف.

 

بكلمة.

 

بمساعدة.

 

بوقفة وقت الخوف.

 

بمسامحة.

 

وبإنك كل مرة يكون عندك سبب تمشي…

 

تختار تفضل.

 

وفي آخر الليل، بعد ما نامت البنات، مريم دخلت الغرفة.

 

لقيت أدهم واقف قدام النوتة القديمة.

 

قالت:

 

“لسه محتفظ بيها؟”

 

“طبعًا.”

 

“ليه؟”

 

أدهم فتح الصفحة الأخيرة.

 

بص للسؤال.

 

وبعدين قفل النوتة.

 

قال:

 

“عشان دي أول مرة حد سألني فيها عن حاجة مهمة فعلًا.”

 

“إيه؟”

 

“إذا كنت هسيبكم.”

 

مريم قربت.

 

“وإنت جاوبت.”

 

“أيوه.”

 

“إمتى؟”

 

أدهم ابتسم.

 

“كل يوم.”

 

مريم حضنته.

 

وفي الخارج، كان البيت ساكت.

 

لكن المرة دي الهدوء ما كانش وحدة.

 

كان راحة.

 

لأن في غرف تانية كانت فيه ثلاث بنات نايمين مطمنين.

 

وفي المطبخ كان فيه كوب لبن نسيته ليلي.

 

وعلى الكنبة كان فيه كتاب إيما مفتوح.

 

وفي المحل كان فيه رسمة لصوفي معلقة على الحائط.

 

وفي قلب أدهم كان فيه شيء ما كانش موجود من سنين.

 

بيت.

 

ولما طلع الصبح، فتح أدهم الشباك.

 

دخلت الشمس.

 

وقف للحظة.

 

ثم سمع صوت إيما من خلفه:

 

“أدهم!”

 

لف.

 

“نعم؟”

 

“الفطار.”

 

“جاي.”

 

“ماما قالت لك ما تتأخرش.”

 

ضحك.

 

“حاضر.”

 

وقبل ما يخرج، بص مرة أخيرة للنوتة.

 

وحطها في الدرج.

 

مش لأنه عايز ينساها.

 

لكن لأنه أخيرًا ما بقاش محتاج يفتحها عشان يفتكر.

 

هو ما نسيش الليلة الأولى.

 

ولا البنات نسوها.

 

ولا مريم.

 

لكن الحكاية ما بقتش عن راجل قابل ست في مطعم.

 

بقت عن راجل كان فاكر إن حياته انتهت عند حدود ماضيه…

 

لحد ما تلات بنات صغيرين فتحوا له باب ما كانش عارف إنه موجود.

 

باب للحياة.

 

باب للعيلة.

 

باب للغفران.

 

وباب لقلبه.

 

ومن يومها، كل ما حد يسأله عن أكبر قرار أخده في حياته، كان يبتسم ويقول:

 

“كنت فاكر إني رايح أقابل ست في عشا.”

 

ثم يضحك.

 

“طلعوا تلات بنات هم اللي كانوا مستنيني.”

 

وكانت مريم كل مرة تسمع الجملة دي ترد:

 

“لأ.”

 

فيبص لها.

 

فتكمل:

 

“إحنا اللي كنا مستنيينك.”

 

وكان أدهم يعرف إن ده هو أجمل جواب ممكن يسمعه.

 

لأن بعض اللقاءات بتبدأ بتأخير.

 

وبعض الحكايات بتبدأ بباب بيتفتح فجأة.

 

وبعض الناس يدخلوا حياتنا من غير استئذان…

 

لكن لما يدخلوا، يخلونا نفهم إن كل اللي فات كان مجرد طريق بيوصلنا ليهم.

 

وأدهم قضى سنين يفتكر إنه كان بينقذ البنات.

 

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

 

هم اللي أنقذوه.

 

أنقذوه من رجل كان عايش من غير ما يحس.

 

ومن بيت كبير كان فاضي.

 

ومن قلب قفله بإيده.

 

ومن عمر كامل قضاه وهو بيهرب من الفقد.

 

ولما أخيرًا وقف وسط عيلته، عرف إن أغلى شيء امتلكه في حياته ما كانش مال ولا نفوذ ولا ممتلكات.

 

كان صوت مريم وهي بتناديه.

 

ضحكة ليلي.

 

رسمة صوفي.

 

كتاب إيما.

 

وسؤال صغير من طفلة عمرها خمس سنين:

 

“لو حبيت ماما… هتسيبها؟”

 

والإجابة الأخيرة التي كتبها الزمن بدلًا منه كانت:

 

“لأ.”

 

لأ…

 

لأنه أخيرًا عرف إن بعض الناس لما يدخلوا حياتك، ما ينفعش تعتبر وجودهم مرحلة.

 

يبقوا هم الحياة نفسها.

 

ودي كانت حكاية أدهم ومريم وليلي وصوفي وإيما.

 

حكاية بدأت بعشا اتأخر…

 

وانتهت بعيلة كاملة ما بقاش حد فيها يخاف من بكرة.

 

لأنهم أخيرًا عرفوا إن البيت مش مكان.

 

البيت هو الناس اللي مهما الدنيا أخدتك بعيد…

 

تفضل عارف إن فيه باب مفتوح ليك.

 

وإن فيه حد مستني رجوعك.

 

وإن فيه إيد هتمسك إيدك.

 

وإن فيه صوت هيقول لك:

 

“إنت اتأخرت.”

 

فتبتسم وترد:

 

“بس رجعت.”

 

وساعتها…

 

يبقى كل شيء كان يستاهل الانتظار.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى