
في سن الـ74، اتجوزت واحدة أصغر مني بـ38 سنة، وكل الناس افتكروا إني فقدت عقلي. لكن في ليلة، مدبرة البيت الغلبانة سمعت كلام خطير وقالتلي:
“يا أستاذ حسن، لو ما سمعتنيش دلوقتي، بكرة ممكن يكون فات الأوان.”
اسمي حسن عبد الرحمن، وعندي أربعة وسبعين سنة.
لو حد كان قالي من تلات سنين إني في آخر عمري تقريبًا، هبدأ أشك في كل كباية مية في بيتي، وكل باب مقفول، وحتى في ابتسامة الست اللي أنا بنفسي حطيت دبلة الجواز في إيدها، كنت هضحك عليه وأقوله إنه بيهزر.
مراتي فاطمة كانت ماتت من تمن سنين.
عشنا مع بعض تقريبًا خمسين سنة.
خمسين سنة كاملة قضيناها سوا.
كبرنا مع بعض، ربينا أولادنا، عدينا بأيام حلوة وأيام صعبة، وفضلت إيدي في إيدها لحد آخر لحظة في حياتها.
بعد وفاتها، كان عندي كل حاجة ممكن أي حد يتمنى يمتلكها.
بيت كبير.
فلوس كتير.
استثمارات.
حسابات بنكية.
وعندي حرية إني أسافر في أي وقت وأروح أي مكان من غير ما أستأذن من حد.
لكن رغم كل ده، كل ما كنت برجع البيت، مكنش فيه حد مستنيني.
مفيش صوت بيقول:
“حمد لله على السلامة.”
مفيش حد بيسألني:
“أكلت؟”
مفيش حد مستنيني أحكيله يومي كان عامل إزاي.
كان فيه بس أوض فاضية.
بيت واسع بشكل يخلي صوت خطواتي فيه يخوفني أوقات.
وفي ليالي كتير، كنت أقعد لوحدي في الصالة، أبص للكرسي اللي كانت فاطمة بتقعد عليه، وأحس إن البيت كله بقى مجرد مبنى كبير مفيهوش روح.
وده كان الوقت اللي قابلت فيه سمر.
كانت عندها ستة وتلاتين سنة.
طويلة، جميلة، ودايمًا شكلها مرتب بطريقة تخلي أي حد يشوفها ياخد باله منها.
كانت من النوع اللي الناس بتبص وراها لما تعدي من قدامهم.
قابلتها في حفلة خيرية كنت بحضرها.
كنت واقف بعيد عن الناس، ماسك كوباية عصير، ومش مهتم أوي بالكلام اللي حواليا.
وفجأة، سمر قعدت جنبي.
بدأت تسألني عن حياتي.
سألتني عن شغلي، وعن أولادي، وعن مراتي الراحلة.
والغريب إنها مكنتش بتعاملني كإني راجل عنده أربعة وسبعين سنة وخلاص.
كانت بتسمعني باهتمام.
كانت بتضحك على حكاياتي القديمة.
حتى الحكايات اللي أولادي كانوا حفظوها من كتر ما حكيتها.
قعدت طول السهرة تقريبًا وهي بتبصلي بطريقة خلتني لأول مرة من سنين أحس إني لسه شخص مهم.
مش مجرد راجل كبير قضى معظم حياته وانتهى دوره.
لأ.
حسيت إنها شايفاني أنا.
بعد الحفلة، بدأنا نتقابل أكتر.
في الأول كان الموضوع مجرد كلام وخروجات بسيطة.
وبعدها بقى وجودها في حياتي عادة.
وبعد ست شهور اتجوزنا.
أيوه.
أنا، حسن عبد الرحمن، اللي عندي أربعة وسبعين سنة، اتجوزت ست عندها ستة وتلاتين سنة.
فرق السن بينا كان تمانية وتلاتين سنة.
أولادي كانوا ضد الجواز تمامًا.
بنتي مريم قعدت قدامي يوم كامل وهي بتحاول تقنعني إني أراجع نفسي.
وقالتلي:
“بابا، إنت بالكاد تعرفها.”
بصيتلها وقتها بغضب.
وقلت:
“أنا عارف أنا بعمل إيه يا مريم.”
لكنها ردت عليا:
“إنت فاكر إنك عارف، بس إحنا خايفين عليك.”
ابني أحمد كان أشد منهم.
هو حتى مراحش الفرح.
لحد النهارده، أنا فاكر اليوم ده كويس.
كنت واقف وسط الناس، لابس البدلة، وسمر واقفة جنبي بفستانها، وأنا كنت شايف إن حياتي أخيرًا رجعتلي.
لكن مكان أحمد كان فاضي.
ومريم كانت موجودة، بس ملامحها مكنتش ملامح واحدة فرحانة.
كنت غاضب منهم.
كنت مقتنع إنهم ببساطة مش قادرين يتقبلوا فكرة إني ممكن أكون سعيد تاني.
كنت شايف إنهم بيتعاملوا معايا كإني خلاص كبرت ومبقيتش من حقي أقرر مين يدخل حياتي ومين يخرج منها.
في الشهور الأولى من الجواز، سمر كانت رائعة.
بجد.
كانت بتعاملني بحب واهتمام.
سافرنا مع بعض.
روحنا مطاعم كتير.
قعدنا ساعات على التراس بالليل نتكلم ونشرب القهوة.
كانت بتسمعني.
كانت تسألني عن رأيي.
وكانت أوقات تحط إيدها على إيدي وتقول:
“أنا محظوظة إني معاك.”
والكلام ده كان بيدخل قلبي.
لدرجة إني صدقت فعلًا إن الحياة ادتني فرصة تانية.
كنت فاكر إني أخيرًا لقيت الشخص اللي هيكمل معايا آخر جزء من عمري.
لكن بعد سنة واحدة من الجواز، سمر اتغيرت.
التغيير في البداية كان بسيط جدًا.
لدرجة إني حاولت أقنع نفسي إنه مش تغيير أصلًا.
بدأت تنتقد هدومي.
مرة تقول:
“الجاكيت ده قديم أوي.”
ومرة:
“إنت ليه بتلبس الألوان دي؟”
وبعدها بدأت تنتقد طريقة مشيي.
طريقة كلامي.
حتى أصحابي اللي أعرفهم من عشرات السنين.
كانت كل حاجة في حياتي تقريبًا بقت تحت نظرها.
ولو خرجت مع صديق قديم، كانت تسألني:
“هو إنت لسه بتقعد مع الناس دي ليه؟”
ولو واحد من أصحابي اتصل بيا، كانت تفضل واقفة جنبي وتسمع المكالمة.
ولو قلت إني عايز أزور حد، كانت تحاول تقنعني إني أقعد في البيت.
في البداية، كنت بضحك وأعدي الموضوع.
كنت بقول لنفسي:
“هي بس بتحبني وبتخاف عليا.”
لكن بعد فترة، بدأت ألاحظ حاجة تانية.
قدام الضيوف، كانت بتسخر مني.
مرة كنا قاعدين مع مجموعة من أصحابنا.
أنا كنت بحكي موقف قديم حصل معايا في الشغل.
سمر ضحكت وقالت قدامهم:
“حسن محتاج كل حاجة تتشرحله تلات مرات دلوقتي.”
وبعدين ضحكت وقالت:
“السن بدأ يلعب معاه.”
الناس ضحكت.
وأنا ضحكت معاهم.
عملت نفسي مش متضايق.
لكن الحقيقة؟
الكلمة وجعتني.
لأنها جت من الشخص اللي كنت فاكر إنه أكتر حد هيحافظ على كرامتي.
وبعدها بقت التعليقات دي تتكرر.
مرة عن سني.
مرة عن ذاكرتي.
مرة عن طريقة كلامي.
ومرة حتى عن إنني بقيت بطيء.
ومع كل مرة، كنت بحس إني بفقد جزء من ثقتي في نفسي.
لكن أكتر حاجة كانت بتضايقني هي طريقتها مع رانيا.
رانيا كانت بنت عندها تسعة وعشرين سنة.
كانت شغالة عندنا في البيت.
بنت بسيطة جدًا.
وكانت دايمًا لابسة هدوم بسيطة ونظيفة، ومش بتحاول تلفت نظر حد.
رانيا كانت بتشتغل من الصبح لحد بالليل تقريبًا.
عرفت بعد فترة إن والدتها محتاجة عملية كبيرة.
وعشان كده، كانت بتشتغل ساعات طويلة وتحاول تجمع فلوس كفاية علشان تساعد أمها في العلاج.
أنا في البداية مكنتش أعرف التفاصيل دي كلها.
لكن كنت شايف إنها مجتهدة جدًا.
ومحترمة.
وعمرها ما اشتكت.
لكن سمر مكنتش بتحبها خالص.
كانت دايمًا بتعاملها بقسوة.
“إتحركي أسرع.”
“إنتِ بتعملي إيه من الصبح؟”
“أنا مش بدفعلك فلوس علشان تتمشي في البيت.”
رانيا كانت بتسكت.
وتكمل شغلها.
وفي يوم، كنا عندنا ضيوف.
رانيا كانت بتقدم المشروبات.
وسمر بصتلها وقالتلها قدام الكل:
“إنتِ كده بطيئة جدًا.”
رانيا سكتت.
سمر كملت:
“ولو فضلتي على الحال ده، هضطر أطلبلك يونيفورم جديد.”
وبعدين ضحكت وقالت:
“القديم ده شكله مش مناسب.”
الناس ضحكت.
رانيا نزلت عينيها في الأرض.
وأنا بصيت عليها.
شفت دموع بتتجمع في عينيها.
لكنها من غير ما تقول كلمة، أخدت الصينية ومشيت.
في اللحظة دي، حسيت بحاجة غريبة جوايا.
لأول مرة حسيت بالخجل من تصرفات مراتي.
لكن رغم كده، ما واجهتهاش.
يمكن لأني كنت خايف أواجه الحقيقة.
يمكن لأني كنت لسه متمسك بالصورة اللي رسمتها في دماغي عن سمر.
الصورة اللي بتقول إنها الست اللي رجعتلي الحياة.
وكنت مش مستعد أعترف إن الست دي ممكن تكون مختلفة تمامًا عن اللي عرفتها في البداية.
لكن كل حاجة اتغيرت في ليلة يوم تلات.
كانت الساعة قربت على حداشر بالليل.
البيت كان هادي جدًا.
سمر كانت في أوضتها.
وأنا كنت في مكتبي براجع بعض الأوراق.
عادةً رانيا كانت بتمشي من البيت بدري جدًا.
لكن الليلة دي سمعت خبط على باب مكتبي.
رفعت عيني عن الورق.
وقلت:
“ادخل.”
الباب اتفتح ببطء.
كانت رانيا واقفة.
لكن شكلها كان مختلف.
وشها كان شاحب.
وإيديها كانت بتترعش.
دخلت خطوتين وقفلت الباب وراها.
بصيتلها باستغراب.
وقلت:
“رانيا؟ في إيه؟”
فضلت ساكتة كام ثانية.
كانت بتحاول تجمع شجاعتها.
وبعدين قربت مني وقالت بصوت واطي:
“يا أستاذ حسن أنا مش عارفة أقول لحضرتك إزاي.”
وقفت قدامي، وإيديها كانت لسه بتترعش.
وبعدين قالت:
“لو أنا غلطانة حضرتك ممكن تطردني دلوقتي.”
أنا اعتدلت في الكرسي.
وقلت:
“إنتِ خوفتيني. قولي في إيه؟”
بصت ناحية باب المكتب كأنها خايفة حد يسمعنا.
وبعدين رجعت بصتلي.
وقالت جملة خلتني أحس إن الدنيا اتغيرت فجأة:
“بس لو حضرتك ما سمعتنيش دلوقتي، ممكن بكرة يكون فات الأوان.”
ساعتها، أنا حسيت لأول مرة إن في حاجة خطيرة جدًا بتحصل جوه بيتي.
حاجة أنا كنت آخر واحد يعرف عنها.
ورغم إنني كنت لسه مش فاهم رانيا بتتكلم عن إيه، إلا إن نبرة صوتها كانت بتقول إن اللي هتسمعه بعد كده ممكن يغير حياتي كلها.
رانيا فضلت واقفة قدامي، وأنا مش قادر أطلع صوت.
قلت لها أخيرًا:
“رانيا إنتِ سمعتي إيه بالظبط؟”
بلعت ريقها، وقعدت على الكرسي اللي قدام مكتبي.
“من كام يوم، كنت بنضف الممر اللي جنب أوضة سمر. كنت فاكرة إن حضرتك وهي خرجت، بس سمعت صوتها جوه الأوضة.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
“كانت بتتكلم مع راجل.”
سألتها:
“مين؟”
رانيا هزت راسها.
“مش عارفة مين هو. بس سمعت سمر بتقوله إن حضرتك لسه ما مضيتش على الورق.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“ورق إيه؟”
رانيا قالت:
“سمعت كلمة وصية.”
أنا حسيت إن الكرسي اتحرك من تحتي.
سمر كانت من شهور بتتكلم معايا عن الوصية.
في البداية كنت شايف إن ده طبيعي.
كانت بتقولي:
“إنت لازم ترتب أمورك يا حسن. الواحد مش ضامن عمره.”
وأنا كنت بضحك وأقول لها:
“لسه بدري على الكلام ده.”
لكن رانيا كملت:
“الراجل قال لها إنها استنت كتير، وإن لازم الموضوع يخلص بسرعة.”
بصيت لها.
“وبعدين؟”
رانيا قربت مني أكتر، وخفضت صوتها.
“سمر قالت له لما كل حاجة تبقى باسمي، حسن مش هيبقى عنده مشكلة.”
ما اتكلمتش.
ولا حتى قدرت أتنفس بشكل طبيعي.
فضلت أبص في رانيا وأنا بحاول أقنع نفسي إني فهمت غلط.
قلت:
“يمكن كانت بتتكلم عن حاجة تانية.”
رانيا هزت راسها بسرعة.
“أنا فكرت كده برضه. بس بعدين سمعت الراجل بيقول لها وإنتِ متأكدة إن الدكتور قال إن الجرعة الجديدة هتخليه ينام وميفوقش بسهولة؟”
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا وقفت.
قمت من مكاني مرة واحدة.
“إنتِ متأكدة؟”



