
دموع رانيا نزلت من عينيها.
“أيوه يا أستاذ حسن.”
وبعدين قالت:
“وعشان كده أنا خوفت.”
سكتنا إحنا الاتنين.
أنا بصيت ناحية باب المكتب.
سمر كانت في البيت.
على بُعد كام متر مني.
الست اللي كنت حاطط فيها ثقتي بالكامل.
الست اللي كنت ناوي أكمّل معاها باقي عمري.
فجأة بقيت خايف من كل حاجة.
من الأكل.
من الدوا.
من المية.
حتى من النوم.
قلت لرانيا:
“إنتِ محدش شافك وإنتِ بتسمعي الكلام ده؟”
قالت:
“لأ.”
“حد شافك وإنتِ جاية هنا؟”
“مش عارفة.”
وقفت.
“لازم تروحي دلوقتي.”
رانيا اتفاجئت.
“أمشي؟”
“أيوه. ولو حد سألك، كنتِ بتدوري على حاجة في المطبخ.”
بصتلي بخوف.
“وحضرتك؟”
ابتسمت رغم الرعب اللي جوايا.
“أنا هتصرف.”
لكن قبل ما تخرج، مسكت إيدها.
“رانيا.”
بصتلي.
قلت:
“شكرًا.”
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها:
“أنا مش عايزة غير إن حضرتك تفضل بخير.”
بعد ما خرجت، قفلت باب المكتب بالمفتاح.
وقعدت لوحدي.
لأول مرة في حياتي، بدأت أراجع كل حاجة حصلت خلال السنة اللي فاتت.
كل مرة سمر أصرت إنها تحضرلي الدوا.
كل مرة قالتلي إن نوع معين من الحبوب أحسن.
كل مرة كانت تسألني عن حساباتي.
كل مرة كانت تحاول تعرف أنا وقعت على إيه.
وفجأة افتكرت حاجة.
من حوالي أسبوعين، عربيتي كانت فراملها ضعفت وأنا ماشي على الطريق.
الميكانيكي قاللي وقتها إن الموضوع غريب.
أنا افتكرت إنه عطل عادي.
دلوقتي مكنتش متأكد.
طلعت تليفوني واتصلت بمحامي العيلة، الأستاذ طارق.
أول ما رد، قلت له:
“طارق، محتاج أشوفك فورًا.”
قال:
“حصل إيه يا أستاذ حسن؟”
قلت:
“مش على التليفون.”
سكت ثواني.
وبعدين قال:
“هكون عند حضرتك الصبح.”
قلت:
“لا.”
وبصيت للساعة.
“النهارده.”
بعد أقل من ساعة، كنت قاعد قدامه في مكتبه.
حكيت له كل حاجة.
مكنش بيقاطعني.
ولما خلصت، فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
“أستاذ حسن، أنا مش هقول لحضرتك إن رانيا أكيد صح، لكن لازم ناخد الكلام بجدية.”
قلت:
“إيه أول حاجة نعملها؟”
قال:
“أول حاجة، متاخدش أي دواء من إيد حد غير الطبيب أو الصيدلية. وتاني حاجة، لازم نراجع حساباتك ووثائقك.”
بعد يومين، اكتشفنا أول صدمة.
كان فيه تحويلات مالية بمبالغ كبيرة خرجت من حساباتي على مدار شهور.
المبالغ كانت متقسمة على حسابات مختلفة.
بعضها باسم سمر.
وبعضها باسم شركة أنا عمري ما سمعت عنها.
قلت:
“إزاي ده حصل؟”
طارق رد:
“لازم نعرف مين كان بيدير الحسابات.”
وبعد مراجعة الأوراق، ظهر اسم الشخص اللي كانت سمر بتقول إنه قريب بعيد ليها.
كريم.
أنا كنت أعرف كريم.
كان بييجي البيت كتير.
مرة يوصل سمر.
ومرة يساعدها في أوراق.
ومرة يخلص لها معاملات.
كنت فاكره قريبها.
لكن طارق اكتشف حاجة أخطر.
كريم مكنش قريبها أصلًا.
كان شريكها في كل التحويلات.
وبعض المستندات اللي سمر كانت بتحاول تخليني أمضي عليها كانت بتديها صلاحيات واسعة على حساباتي وقراراتي المالية.
في اليوم ده، اتصلت بمريم.
قلت:
“تعالي.”
قالت:
“في إيه يا بابا؟”
قلت:
“تعالي بس.”
وبعد ساعة، كانت قدامي.
أول ما شافت وشي، عرفت إن الموضوع كبير.
قالت:
“سمر عملت لك حاجة؟”
لأول مرة، أنا اللي سألتها:
“إنتِ كنتِ شاكّة فيها من الأول؟”
دموعها لمعت في عينيها.
“أيوه.”
سكت.
قالت:
“بس إنت مكنتش بتسمعني.”
دخل أحمد بعدها بدقائق.
كان واقف بعيد ومش بيتكلم.
بصيت له وقلت:
“أنا آسف.”
رفع عينه لي.
“على إيه؟”
قلت:
“إني افتكرت إنكم ضد سعادتي.”
أحمد قرب مني.
وقال:
“إحنا مكناش ضد سعادتك يا بابا. إحنا كنا خايفين عليك.”
الكلمة وجعتني أكتر من أي اتهام.
لأنها كانت الحقيقة.
أنا كنت دافعت عن سمر قدام أولادي.
واتهمتهم إنهم أنانيين.
في الوقت اللي كانت فيه هي بتحاول تسيطر على حياتي.
قررنا نواجهها.
لكن طارق نصحنا إننا ما نستعجلش.
لازم نجمع الأدلة الأول.
رجعت البيت وكأني مفيش حاجة حصلت.
سمر استقبلتني بابتسامة.
“اتأخرت ليه؟”
بصيت لها.
وقلت:
“كان عندي مشوار.”
قربت مني.
“أنت تعبان؟”
قلت:
“شوية.”
قالت:
“طيب خد الدوا.”
مدت إيدها بالعلبة.
أنا ابتسمت.
“هخده بعدين.”
لأول مرة، شفت الخوف في عينيها.
ثانية واحدة بس.
لكن شفته.
وفي الليلة دي، مكنتش أنا الوحيد اللي بيراقب.
أحمد كان موجود في البيت.
ومريم كانت معاه.
وطارق كان بيتابع كل حاجة قانونيًا.
وبعد أيام قليلة، ظهرت الحقيقة كاملة.
كريم اعترف بكل حاجة لما واجهه طارق بالمستندات.
سمر كانت بتحاول تسيطر على أموالي تدريجيًا.
لكن الأخطر إن بعض المستندات كانت هتخليها صاحبة القرار في شؤون مالية وطبية لو حصل لي أي مكروه.
ولما واجهتها بالأدلة، اتغير وشها.
قالت:
“حسن، إنت مصدق الخدامة؟”
بصيت لها.
“أنا مصدق اللي شفته بعيني.”
صرخت:
“دي بتكدب!”
رانيا كانت واقفة بعيد.
المرة دي، مرفعتش عينها للأرض.
أنا قلت:
“رانيا خاطرِت بشغلها علشاني.”
وبعدين بصيت لسمر.
“إنتِ كان عندك كل حاجة. بس طمعك خلاكي تخسري كل حاجة.”
سمر فضلت ساكتة.
وبعدها بدأت الإجراءات القانونية.
أنا مكنتش عايز انتقام.
كنت عايز حقي وأماني.
وانتهى جوازنا.
بعد فترة، رجعت البيت لوحدي.
لكن البيت مكنش زي الأول.
لأول مرة، كنت حاسس إني حر.
ورانيا؟
أنا ساعدتها في علاج والدتها، لكن بشرط واحد.
قلت لها:
“الفلوس دي مش تمن اللي عملتيه. دي مساعدة من إنسان لإنسانة وقفت جنبه وقت ما الكل كان ممكن يسكت.”
هي رفضت في البداية.
لكن والدتها كانت محتاجة العملية.
وبعد العملية، الحمد لله، صحتها اتحسنت.
رانيا بطلت تشتغل عندي.
وساعدتها تكمل دراسة المحاسبة اللي كانت سابتها من سنين.
وبعد فترة، لقت شغل جديد.
البيت بقى هادي جدًا.
لكن الغريب إن هدوءه المرة دي مكنش مؤلم.
بعد شهور، رانيا بدأت تزورني.
في الأول كانت بتيجي علشان تطمن عليا.
وبعدها بقت تزورني علشان تشرب قهوة.
نتكلم.
نضحك.
وأحيانًا نقعد ساكتين.
ومع الوقت، اكتشفت حاجة مخيفة بالنسبة لي.
أنا كنت مستني مكالمتها.
وكنت بفرح لما أشوف اسمها على شاشة التليفون.
لكن مكنتش عايز أفسر الإحساس ده.
فرق السن بينا كان كبير جدًا.
وهي كانت بالنسبة لي شخص عزيز وقف جنبي في أصعب وقت.
مكنتش عايز أظلمها أو أخليها تحس إنها مدينة لي بحاجة.
وفي يوم، كنا قاعدين في التراس.
قالتلي:
“تعرف إيه أكتر حاجة اتغيرت فيك؟”
ضحكت.
“إيه؟”
قالت:
“بقيت بتضحك.”
بصيت لها.
“أنا كنت مش بضحك؟”
قالت:
“كنت بتضحك بس كنت خايف.”
سكت.
لأنها كانت عندها حق.
سمر كانت بتخليني أحاول أثبت إني لسه شاب.
مع رانيا، مكنتش محتاج أثبت أي حاجة.
كنت حسن.
بس.
بعد شهور طويلة، في عيد ميلادي الخامس والسبعين، أولادي عملولي حفلة صغيرة في البيت.
مريم وأحمد كانوا موجودين.
ورانيا كانت هناك.
بعد ما الكل مشي، فضلت هي.
وقعدنا في التراس.
بصيت لها وقلت:
“رانيا.”
“نعم؟”
قلت:
“أنا مش عارف إذا كان اللي هقوله صح ولا لأ.”
ابتسمت.
“قول.”
طلعت علبة صغيرة من جيبي.
كانت فيها دبلة بسيطة.
وقلت:
“أنا مش قادر أوعدك بخمسين سنة.”
عينيها دمعت.
قلت:
“ومش قادر أوعدك حتى بعشرين.”
ابتسمت وقالت:
“محدش يقدر يوعد حد بكرة.”
مسكت إيدها.
وقلت:
“بس أقدر أوعدك بحاجة واحدة.”
سألتني:
“إيه؟”
قلت:
“كل يوم أصحى فيه وأنا قادر أحبك هختارك.”
رانيا فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
“وأنا مش عايزة منك وعد بالعمر.”
وقفت قدامي.
“أنا عايزة بس أعيش الأيام اللي ربنا كاتبها لينا من غير خوف.”
اتجوزنا بعدها بفترة.
من غير حفلة كبيرة.
من غير مئات الناس.
كان يوم بسيط.
مريم كانت واقفة جنب رانيا.
وأحمد هو اللي ساعدني أظبط بدلتي.
ووالدة رانيا كانت قاعدة في الصف الأول، بعد ما صحتها اتحسنت.
لما رانيا دخلت بفستانها الأبيض البسيط، حسيت إن البيت اللي كان زمان مليان خوف رجع له النور تاني.
أنا النهارده عندي ستة وسبعين سنة.
ورانيا في المطبخ.
ومن شوية سمعتها بتزعق:
“يا حسن! إنت أخدت دواك؟”
ضحكت وقلت:
“أيوه.”
ردت:
“متكدبش عليا!”
ضحكت أكتر.
لأن نفس الجملة اللي كانت زمان بتخوفني، بقت دلوقتي أكتر جملة بحب أسمعها.
هي مش بتسألني عن الدوا لأنها مستنية حاجة وحشة.
هي بتسألني لأنها عايزاني أفضل موجود.
فضلت طول حياتي فاكر إن الحب لازم ييجي في الوقت الصح، وبالشكل الصح، وبموافقة كل الناس.
لكن في النهاية فهمت حاجة بسيطة.
أحيانًا، الشخص اللي ينقذ حياتك مش بيكون أغنى شخص في حياتك، ولا أقرب شخص ليك، ولا حتى الشخص اللي الناس كلها بتثق فيه.
أحيانًا بيكون إنسان بسيط جدًا، واقف قدام باب مكتبك في آخر الليل، وإيده بتترعش من الخوف، بس بيختار يقول الحقيقة علشان ينقذك.
رانيا دخلت حياتي في ليلة علشان تحذرني من خطر كبير.
وبعد سنين، بقت هي السبب اللي خلاني أحب الحياة من جديد.




