روايات وقصص

روحت ازور جوزي حكايات صافي هاني

«يا ابني حاتم، لو الورقة دي وصلت لك في يوم، فده معناه إن فيه حاجات كنت أتمنى أشرحها لك بنفسي وما قدرتش. أنا عارف إنك شايل مسؤولية كبيرة من وإنت صغير، وعارف إنك بتفتكر إنك لازم تحل مشاكل كل الناس بنفسك. لكن أوعى تكرر الغلطة اللي أنا عملتها. أوعى تفتكر إن السكوت بيحمي اللي بتحبهم.»

وقفت عن القراءة.

بصيت لحاتم.

«هو باباك كان بيخبي عننا حاجة؟»

رد بصوت واطي:

«كان فيه خلافات قديمة في العيلة، وأنا ما كنتش فاهمها وقتها. بعد وفاته، كل واحد راح في طريقه، وأنا افتكرت إن الموضوع انتهى.»

رجعت أبص للورقة وكملت.

«أنا كنت فاكر إن الرجولة معناها إني أتحمل كل حاجة لوحدي، وما أشتكيش، وما أطلبش مساعدة. لكني خسرت وقت كتير من عمري وأنا بحاول أثبت إني قوي. ولما احتجت الناس اللي بحبهم، لقيت نفسي مش عارف أتكلم معاهم. ما تعملش زيي يا حاتم. البيت مش مكان بترجع له بعد ما تخلص كل مشاكلك. البيت هو المكان اللي لازم تقدر ترجع له وإنت عندك مشاكل.»

حسيت بدموعي بتنزل على الورقة.

الكلام كان كأنه مكتوب مخصوص للحظة دي.

حاتم بص لي وقال:

«أنا لما قريت الرسالة، حسيت إنه بيتكلم عني. لكن بدل ما أسمع كلامه، عملت نفس اللي هو عمله.»

مسكت إيده.

«لسه قدامنا وقت يا حاتم. المهم إننا ما نكملش بنفس الطريقة.»

بص لفريدة، اللي كانت قاعدة ساكتة بتسمعنا.

«أنا آسف يا بنتي.»

فريدة قربت منه وحضنته.

«أنا مش زعلانة عشان إنت تعبان يا بابا. أنا زعلانة عشان كنت فاكرة إنك مش عايزنا.»

حاتم ضمها بقوة، وفضل ساكت.

ما كانش عنده كلام يقدر يصلح كل اللي حصل في لحظة.

وفي اليوم ده، خرجنا من المستشفى بعد ما خلصنا الإجراءات المطلوبة، واتفقنا إن حاتم يكمل علاجه ومتابعته، وإنه مش هيرجع لأي شغل إضافي قبل ما الفريق الطبي يسمح له.

ركبنا العربية، وفريدة قعدت في الكنبة اللي ورا.

طول الطريق، حاتم كان ساكت، وأنا كنت مركزة في الطريق وبحاول أهدى نفسي.

لما وصلنا البيت، فريدة جريت على أوضتها، وقالت إنها عايزة تجيب رسمة كانت عاملاها لأبوها من شهور.

أنا دخلت المطبخ وحطيت علبة الغداء على الترابيزة.

الأكل كان برد تمامًا.

طلعت فطيرة التفاح، وحطيتها قدام حاتم.

قعد على الكرسي وبص لها.

قال بهدوء:

«ممكن تقعدي معايا شوية؟»

قعدت قصاده.

أخد قطعة صغيرة من الفطيرة، وفضل ياكل ببطء.

بعد أول لقمة، رفع عينه ليا.

«لسه بتعمليها بنفس الطعم.»

ابتسمت بحزن.

«عشان أنا ما غيرتش الطريقة.»

سكت لحظة، وبعدين قال:

«أنا اللي اتغيرت، أو يمكن أنا اللي نسيت إني مش لوحدي.»

مديت إيدي وخدت إيده.

«إحنا مش هنقدر نغير اللي فات، لكن نقدر نغير اللي جاي. بس فيه شرط.»

بص لي.

«إيه هو؟»

«مفيش أسرار تخص صحتك أو حياتنا من النهارده. لو تعبان، تقول. لو خايف، تقول. لو مش قادر، تقول. وأنا كمان هعمل نفس الحاجة. مش عايزاك تحس إنك لازم تبقى قوي طول الوقت، ومش عايزة نفسي أفضل أكتم كل حاجة عشان ما أزعجكش.»

هز راسه.

«موافق.»

«ولو الدكتور قال ترتاح، هترتاح. مش هتروح المستشفى تشتغل من ورايا، ومش هتاخد شغل إضافي عشان تثبت إنك قادر.»

ابتسم ابتسامة صغيرة.

«حاضر.»

بصيت له بجدية.

«أنا مش بقول الكلام ده عشان أتحكم فيك. أنا بقوله عشان إحنا متجوزين، والشراكة معناها إننا نواجه الصعب سوا.»

دموعه نزلت تاني.

«أنا عارف يا سلوى.»

في اللحظة دي، فريدة رجعت من أوضتها وهي ماسكة ورقة كبيرة ملونة.

حطتها قدام أبوها.

كانت رسمة لثلاثة أشخاص ماسكين إيد بعض، وتحتهم بيت صغير وشمس كبيرة.

فوق الرسمة كانت كاتبة بخطها: «عيلتي.»

وتحتها كتبت: «بابا وماما وفريدة، مع بعض دايمًا.»

حاتم فضل باصص للرسمة وقت طويل، وبعدين ضم بنته لحضنه.

«هحطها في أوضتي يا فريدة، وهشوفها كل يوم.»

قالت له:

«لا، حطها في أوضة النوم عندك إنت وماما، عشان لما تصحى كل يوم تفتكر إننا مستنيينك.»

بصيت لحتام، وشفت في عينيه وجع وندم، لكن شفت كمان حاجة غابت عنه شهور طويلة.

الرغبة إنه يرجع يحاول.

عدت الأيام اللي بعدها ببطء.

كان فيه مواعيد طبية، وفحوصات، وأوقات تعب، وأوقات كان حاتم بيحس فيها إنه أحسن. ما كانش الطريق سهل، وما كانش فيه حد يقدر يوعدنا إن كل حاجة هتبقى مثالية، لكننا بقينا نواجه كل خطوة وإحنا عارفين الحقيقة.

أنا بدأت أرتب يومي بشكل مختلف، وبطلت أستنى حاتم طول الليل من غير ما أعرف هو فين. بقينا نتكلم كل يوم عن المواعيد والخطط، وعن الحاجات اللي نقدر نعملها والحاجات اللي لازم نأجلها.

وفريدة رجعت تضحك أكتر.

في البداية كانت بتصحى بالليل وتيجي تبص على أبوها وهو نايم، ولما أسألها مالها، تقول إنها بس عايزة تتأكد إنه موجود.

وفي كل مرة، حاتم كان يصحى وياخدها في حضنه ويقول لها:

«أنا هنا يا حبيبتي.»

ومع الوقت، بدأ يفهم إن وجوده معانا مش معناه إنه لازم يكون قادر يعمل كل حاجة.

في يوم الجمعة، بعد ما رجع من موعد المتابعة، قعدنا كلنا على السفرة نتغدى.

كانت أول مرة من شهور طويلة نتغدى سوا في وقت طبيعي، من غير ما حاتم يبص في الساعة كل دقيقتين، أو يقوم يرد على تليفون، أو يقول إنه لازم يلحق المستشفى.

فريدة كانت بتحكي له عن المدرسة، وأنا كنت بضحك على موقف حصل لها مع صاحبتها.

وفجأة، حاتم ساب المعلقة وبص لنا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى