
سألته:
«مالك؟»
ابتسم وقال:
«ولا حاجة. أنا بس كنت ناسي إن الأكل ممكن يبقى له طعم مختلف لما الواحد ياكله مع الناس اللي بيحبهم.»
ابتسمت له.
«الأكل هو هو يا حاتم. إنت اللي كنت غايب.»
هز راسه.
«عندك حق.»
وبعد الغدا، قام يساعدني في ترتيب السفرة.
اعترضت في الأول، لكنه أصر إنه يشيل الأطباق الخفيفة، وأنا خليته يعمل اللي يقدر عليه من غير ما يضغط على نفسه.
كانت حاجة بسيطة جدًا، لكنها بالنسبالي كانت أكبر من أي هدية.
لأنها كانت أول مرة من شهور أحس إن جوزي مش بيحاول يهرب من البيت عشان يواجه الدنيا لوحده.
لكن أكبر اختبار لينا ما كانش خلص.
بعد حوالي أسبوعين، رامي اتصل بحاتم وطلب منه يمر عليه في المستشفى في وقت مناسب، بعد التنسيق مع الدكتورة، عشان يسلم بعض الملفات وينهي إجراءات الشغل الإضافي.
حاتم بص لي قبل ما يرد.
«إنتِ شايفة إيه؟»
السؤال ده لوحده خلاني أحس إن فيه حاجة بدأت تتغير فعلًا.
قلت له:
«لو الدكتورة موافقة، وإنت قادر، روح خلص اللي عليك. بس مش هتروح لوحدك لو محتاج حد معاك، ومش هتوافق على أي شغل جديد لمجرد إن حد طلب منك.»
هز راسه ورد على رامي.
واتفقوا على ميعاد قصير.
يومها، حاتم رجع البيت في الوقت اللي قال عليه بالظبط.
كان ماسك ملف صغير، وحاطه على الترابيزة.
قعد قصادي وقال:
«خلصت كل حاجة. سلمت الملفات، وبلغت الإدارة إني مش هقدر أكمل الشغل الإضافي. ورامي وعدني إنه هيساعدني أرتب رجوعي لشغلي الأساسي لما الدكتور يسمح.»
ابتسمت.
«الحمد لله.»
لكنه ما ابتسمش.
فضل باصص للملف، وبعدين قال:
«عارفة إيه أصعب حاجة حصلت لي النهارده؟»
قلت له:
«إيه؟»
«إن واحد من زمايلي سألني إذا كنت خايف أرجع البيت وأقول لمراتي إني تعبان.»
سكت لحظة.
«كنت هضحك وأقول له لأ، لكن لقيت نفسي مش قادر. عشان الحقيقة إني كنت خايف فعلًا.»
قربت منه.
«والنهارده؟»
رفع عينه ليا.
«النهارده حسيت إن خوفي كان أكبر من الحقيقة نفسها. أنا كنت متخيل إنك هتنهاري، وإن حياتنا هتتغير بشكل مش هنقدر نتحمله. لكن لما عرفتي، ما سبتنيش.»
دموعي نزلت.
«أنا زعلت منك يا حاتم، ولسه زعلانة من حاجات كتير حصلت. بس زعلي منك مش معناه إني هسيبك تواجه تعبك لوحدك.»
مسك إيدي.
«أنا مش طالب منك تنسي اللي حصل بسرعة. أنا عارف إن الثقة محتاجة وقت عشان ترجع.»
هزيت راسي.
«بالظبط. مش هنوعد بعض إننا مش هنخاف تاني. هنخاف، بس هنتكلم. مش هنقول إننا أقوياء طول الوقت. هنطلب المساعدة لما نحتاجها.»
في المساء، قعدنا أنا وهو في البلكونة، وفريدة كانت بتذاكر في أوضتها.
كان الجو هادي، وصوت الشارع بعيد، وحاتم قاعد جنبي من غير ما يبص في تليفونه كل دقيقة.
بعد شوية، قال لي:
«سلوى، فاكرة ليلة من الليالي لما صحيتيني وسألتيني أنا بعيط ليه؟»
افتكرت الليلة دي فورًا.
كانت الليلة اللي صحيت فيها ولقيته قاعد على طرف السرير وكتوفه بتترعش.
قلت له:
«أيوه، فاكرة.»
قال:
«أنا يومها كنت راجع من موعد طبي، والدكتور كان قال لي إني لازم أوقف الضغط اللي حاطه على نفسي. كنت قاعد أفكر في كل اللي ممكن أخسره، وكنت حاسس إني مش قادر أقولك كلمة واحدة.»
مسكت إيده.
«كان نفسي وقتها تصحيني وتحكي لي.»
«كنت عارف إنك هتفضلي جنبي. وده كان مخوفني أكتر.»
بصيت له باستغراب.
«ليه؟»
قال بصوت واطي:
«عشان أنا طول عمري كنت اللي بيطمن الناس. ما كنتش عارف أتصرف لما بقيت أنا اللي محتاج حد يطمني.»
اتنهدت.
«يا حاتم، أنا ما اتجوزتكش عشان تبقى دكتور طول الوقت. أنا اتجوزت الراجل اللي كان بيضحكني لما أكون زعلانة، واللي كان يقعد يسمعني أحكي عن يومي حتى لو كان مرهق، واللي كان بيجيب لفريدة حلوى من تحت البيت ويرجع يقول لي إنها هي اللي اختارتها. أنا اتجوزت الإنسان اللي جواك، مش الصورة اللي الناس شايفاها.»
ابتسم وسط دموعه.
«أنا آسف إني نسيت ده.»
سندت راسي على كتفه بحذر، وفضلنا ساكتين.
ما كانش فيه كلام كتير محتاج يتقال.
لأول مرة من شهور، ما كنتش مستنية صوت مفتاح الباب في نص الليل، ولا مستنية رسالة تقول إن حاتم هيتأخر، ولا بحاول أقنع نفسي إن كل حاجة طبيعية.
كان قاعد جنبي.
وده كان كفاية في اللحظة دي.
بعدها بأيام، فريدة كان عندها نشاط في المدرسة، وطلبت من أبوها يحضره.
زمان، كان ممكن حاتم يوعدها وبعدين يعتذر في آخر لحظة بسبب الشغل، لكن المرة دي بص في جدول مواعيده، واتأكد من قدرته على الحضور، وبعدين قال لها:
«أنا هاجي يا فريدة.»
بصت له بحذر.
«بجد يا بابا؟»
ابتسم.
«بجد. ولو حصل أي تغيير ضروري، هقول لك بدري، مش هسيبك مستنياني من غير ما تعرفي.»
جريت حضنته.
ويوم النشاط، راح حاتم وقعد في الصفوف الخلفية عشان ما يتعبش، وكان معاه رامي اللي مر يسلم عليه بعد ما خلص شغله.
فريدة أول ما شافته، ابتسمت ابتسامة كبيرة، وكل شوية كانت تبص ناحيته وهي بتشارك في النشاط.
بعد ما خلصت، جريت عليه وهي شايلة ورقة صغيرة.
«بابا، أنا كنت ببص عليك طول الوقت عشان أتأكد إنك لسه موجود.»
حاتم نزل لمستواها وحضنها.
«أنا موجود يا حبيبتي. وهفضل أعمل اللي أقدر عليه عشان أفضل قريب منكم.»
وبعدها بص لي، وكان في عينيه وعد هادي من غير كلام كتير.
وعد إنه مش هيخبي خوفه تاني.




