روايات وقصص

روحت ازور جوزي حكايات صافي هاني

رجعنا البيت في آخر النهار، وفريدة نامت من التعب، وأنا دخلت المطبخ أحضر العشا.

حاتم دخل ورايا، وقعد على الكرسي.

قلت له وأنا بجهز الأكل:

«إنت قاعد ليه؟ روح ارتاح.»

ابتسم وقال:

«أنا مرتاح. بس كنت عايز أقعد معاكي.»

وقفت مكاني وبصيت له.

نفس الجملة دي كنت محتاجة أسمعها من شهور.

مش «عندي شغل».

مش «عندي عمليات».

مش «ما تستنينيش».

لكن «كنت عايز أقعد معاكي».

قعدت قصاده، وسألته:

«عارف أنا كنت بعمل إيه كل يوم وإنت بعيد؟»

هز راسه.

«إيه؟»

«كنت بجهز لك الغدا، وأحط لك الفاكهة اللي بتحبها، وأكتب لك ورقة صغيرة فيها كلمة حلوة. كنت فاكرة إن دي طريقتي عشان أخفف عنك ضغط الشغل. لكن الحقيقة إني كنت بحاول أفضل جزء من يومك، حتى لو لخمس دقايق.»

حاتم بص لي بحزن.

«وأنا كنت برمي الدقايق دي بعيد من غير ما أقصد.»

«أيوه. بس لسه نقدر نبدأ من جديد، خطوة خطوة.»

مد إيده وخد إيدي.

«أنا مش عايزك تبقي مسؤولة عن كل حاجة تخصني. مش عايزك تفضلي خايفة عليا طول الوقت. أنا عايز أتعلم أكون صريح، وأسمع كلام الدكاترة، وأعرف إمتى أطلب مساعدة.»

ابتسمت.

«وده اللي أنا عايزاه.»

وبعد شوية، قام جاب علبة الغداء القديمة من على الرف، اللي كنت غسلتها وحطيتها بعيد.

بص لها وقال:

«ممكن من بكرة نعمل حاجة مختلفة؟»

قلت له:

«زي إيه؟»

قال:

«بدل ما تجهزي لي الغدا وأنا أخده وأمشي، إيه رأيك نقعد نفطر سوا كل يوم، حتى لو ربع ساعة؟»

حسيت إن قلبي اتملأ بحاجة دافية.

«موافقة.»

قال:

«ولو عندي موعد أو يوم طويل، هنرتبه سوا. ولو تعبت، هقول لك. ولو إنتِ تعبانة، عايزك تقولي لي برضه.»

هزيت راسي.

«اتفقنا.»

وفي اليوم التالي، صحيت على صوت حاتم في المطبخ.

خرجت لقيته بيحاول يحضر الفطار، وحاطط طبق الجبنة جنب طبق الطماطم، والعيش في طبق صغير، وكوبايتين شاي على الترابيزة.

كان المنظر بسيط، لكنه خلاني أضحك.

قلت له:

«إيه ده؟ إنت قررت تفتح مطعم؟»

ضحك وقال:

«لا، أنا بس بحاول أتعلم إزاي أبقى موجود.»

قعدنا نفطر سوا، وفريدة نزلت من أوضتها وهي بتفرك عينيها، ولما شافتنا على الترابيزة، وقفت مكانها.

«إنتوا بتفطروا سوا؟»

حاتم فتح لها كرسي.

«تعالي يا ست فريدة. الفطار النهارده جماعي.»

قعدت بينا، وبدأت تحكي عن حلم شافته بالليل.

كنا بنضحك على تفاصيل الحلم، ولحظة صغيرة جدًا، نسيت فيها كل الخوف اللي عشنا فيه.

مش لأن المشكلة اختفت، ولا لأن المستقبل بقى مضمون، لكن لأننا بقينا بنتعامل معاه كعيلة واحدة.

وفي آخر الأسبوع، وأنا برتب دولاب حاتم، لقيت ورقة صغيرة في جيب قميص قديم.

طلعتها، ولقيتها ورقة كان كاتب فيها مواعيد قديمة، وتحتها جملة بخط إيده:

«لازم أكون قوي عشان محدش يخاف.»

فضلت باصة للجملة شوية.

وبعدين جبت قلم، وكتبت تحتها:

«مش لازم تبقى قوي طول الوقت عشان نحبك. إحنا بنحبك وإنت قوي، وبنحبك وإنت تعبان، وبنحبك وإنت خايف. بس لازم تسمح لنا نكون جنبك.»

حطيت الورقة على مكتبه.

لما دخل الأوضة وشافها، وقف يقراها وقت طويل.

وبعدين التفت ناحيتي.

ما قالش حاجة.

بس قرب مني وحضنني.

الحضن ده ما كانش نهاية لكل مشاكلنا، ولا كان وعد إن الأيام الجاية مش هيكون فيها تعب أو خوف.

لكنه كان بداية مختلفة.

بداية اتعلمنا فيها إن الحب مش إنك تخبي وجعك عن اللي بتحبه عشان ما تقلقوش.

الحب إنك تثق فيه كفاية عشان تقول له الحقيقة.

وإنك تسمح له يمسك إيدك في الأيام اللي مش قادر فيها تقف لوحدك.

بعد شهر، كنا قاعدين كلنا على السفرة، وفريدة بتجهز واجبها، وحاتم بيراجع مواعيده الطبية، وأنا بحضر الشاي.

رن تليفونه.

بص للشاشة، ورد، واتكلم بهدوء مع الدكتور المسؤول عن حالته.

سمع التعليمات، وسأل عن المواعيد، وكتب كل حاجة في دفتر صغير.

لما قفل، بص لي وقال:

«عندي موعد الأسبوع الجاي، وهنروح سوا لو إنتِ فاضية.»

ابتسمت.

«هرتب يومي وأجيلك.»

وبعدين رجع يكمل أكله.

بعد ما خلصنا، فريدة جابت رسمة العيلة القديمة وحطتها قدامنا.

كانت الشمس اللي رسمتها باهتة شوية من كتر ما الورقة اتنقلت من مكان لمكان، لكن الأشخاص التلاتة اللي ماسكين إيد بعض كانوا لسه واضحين.

قالت:

«أنا عايزة أعمل رسمة جديدة.»

سألها حاتم:

«ليه يا حبيبتي؟ دي حلوة أوي.»

ردت:

«عشان المرة دي هخلي الشمس أكبر، وهحط شباك في البيت، عشان كل واحد فينا يقدر يشوف التاني وهو بره.»

بصيت لها وأنا بحاول أفهم قصدها.

فريدة ابتسمت وقالت:

«عشان لو بابا في الشغل، يعرف إننا مستنيينه. ولو ماما بره، تعرف إننا مستنيينها. ولو أنا في المدرسة، أبقى عارفة إنكم موجودين.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى