روايات وقصص

ممرضه حكايات صافي هاني

نهى هزت راسها.

«لسه. لكن فيه سجل قديم لاتصالات المكتب، والجهات المختصة بتراجعه.»

قعدت ساكتة، وبعدين سألت:

«يعني ممكن نعرف الحقيقة؟»

نهى ردت:

«أيوه. لكن لازم نكون مستعدين إن الحقيقة ممكن تكون أصعب من اللي متخيلينه.»

بصيت لأدهم.

كان وشه شاحب، لكنه ما حاولش يغير الموضوع ولا يخفف الكلام.

قال:

«أنا معاكي في أي خطوة تختاريها، بشرط نفضل ماشيين بالقانون.»

هزيت راسي.

«ده اللي هنعمله.»

في الأيام اللي بعدها، استمر التحقيق، وتم استدعاء أشخاص إضافيين لسماع أقوالهم.

وبعد مراجعة السجلات، ظهرت معلومة مهمة.

الراجل اللي كان بيشتغل مع فؤاد ليلة الخميس، اسمه سامح راضي.

كان مسؤولًا عن بعض الأعمال الإدارية، واختفى من القاهرة بعد فترة قصيرة من الأحداث.

الجهات المختصة قدرت توصل له بعد سنوات من الانتقال بين أكتر من محافظة.

ولما اتسأل عن اللي حصل، أنكر في البداية، لكنه بعد مواجهته بالمستندات، بدأ يتكلم.

قال إنه كُلّف بالضغط على مريم، وإنه كان موجودًا في المكان اللي اتنقلت منه والدتها إلى المستشفى.

لكنه أكد إنه ما اعتداش عليها بنفسه، وإنه ما كانش يعرف إن حالتها هتسوء بالشكل ده.

كل كلامه كان لازم يتراجع ويتأكد منه، وما كانش اعترافه وحده كفاية لإدانة أي شخص آخر.

لكن للمرة الأولى، بقى عندنا شاهد على جزء من الليلة اللي ضاعت من ذاكرتي بسبب الصدمة.

لما نهى قالت لي التفاصيل، ما قدرتش أتكلم.

سألتها أخيرًا:

«هل قال إن أمي كانت بتسأل عليا؟»

نهى نزلت عينيها.

«قال إنها كانت بتطلب يعرفوا مريم فين.»

غطيت وشي بإيديا.

كانت أمي بتدور عليا، وأنا كنت بدور عليها.

وفي الوقت اللي كل واحدة فينا كانت محتاجة التانية، كان فيه ناس بتتحكم في مصيرنا من بعيد.

بعد أيام، طلبت أشوف محمود الشناوي.

دخلت أوضته في المستشفى، ولقيته قاعد جنب الشباك، ووشه أهدى من أول مرة شفته فيها.

لما شافني، قال:

«اتفضلي يا مريم.»

قعدت قدامه.

ما كانش عندي غضب زي الأول، لكن الجرح لسه موجود.

قلت:

«التحقيقات وصلت لسامح راضي.»

محمود غمض عينيه.

«ربنا يظهر الحق.»

قلت:

«الشاهد قال إنك كنت بتحاول توصل لي ليلة الخميس.»

هز راسه.

«أيوه.»

«ليه ما جيتش بنفسك؟»

سكت شوية.

«كنت خايف. فؤاد كان بيضغط عليّ، وقال لي لو ظهرت في الموضوع هتتأذي عيلتي. وأنا صدقته.»

قلت:

«وإنت اخترت تحمي نفسك.»

رد بصوت مكسور:

«أيوه.»

بصيت له طويلًا.

«عارف يا حاج محمود، أكتر حاجة وجعتني مش إنك كنت خايف. كل الناس بتخاف. اللي وجعني إنك فضلت ساكت بعد ما عرفت إن أمي ماتت، وإن فيه احتمال إن اللي حصل لها كان مرتبط بالضغوط اللي اتعرضنا لها.»

دموعه نزلت.

«أنا كل يوم كنت بفتكر اللي حصل، وكل يوم كنت بقول هتكلم بكرة. لحد ما السنين عدت، وبقيت أضعف من إني أواجه الحقيقة.»

قلت له:

«أنا مش قادرة أسامحك دلوقتي.»

هز راسه.

«مش طالب منك تسامحيني.»

«ومش عارفة إذا كنت هقدر في يوم.»

قال:

«ده حقك.»

وقفت، لكن قبل ما أخرج، ناداني.

«مريم.»

لفيت ناحيته.

قال:

«فيه حاجة عايز أقولها قبل ما تمشي. إنتِ مش السبب في موت والدتك. ما تحمليش نفسك ذنب إنك كنتي بتحاولي تعملي الصح.»

فضلت باصة له.

الجملة دي كانت بتطاردني من سنين.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى