روايات وقصص

ممرضه حكايات صافي هاني

وبعد الاجتماع بدقايق، وصل تقرير من قسم المراجعة الداخلية يفيد بوجود مستندات إضافية محفوظة في أرشيف خارجي، لم يتم نقلها إلى مقر الشركة.

المستندات كانت تحت إشراف مكتب قديم كان بيتعامل مع المشروع.

أدهم بلغ نهى، ونهى طلبت رسميًا الحفاظ على المستندات وفحصها عن طريق المختصين.

بعد يومين، اتحدد موعد لمراجعة الأرشيف.

وكنت أنا وأدهم ونهى موجودين، لكننا ما لمسناش أي مستند إلا بعد تسجيله وفحصه.

بين الملفات، ظهرت ورقة قديمة عليها توقيع كمال عزمي، وورقة تانية عليها توقيع فؤاد الدمنهوري.

وكان فيه خطاب بتاريخ اليوم اللي سبق وفاة أمي.

الخطاب ما كانش موجه ليا.

كان موجه لمحمود الشناوي.

وجواه جملة واحدة:

«لو استمرت مريم في الظهور، فلن نستطيع ضمان أن تظل عائلتها بعيدة عن الأمر.»

نهى قرأت الجملة مرتين، وبعدها طلبت من المسؤول توثيق المستند وإضافته لملف التحقيق.

أنا ما قدرتش أتكلم.

كنت باصة للتاريخ، وبفتكر أمي وهي بتجهز لي العشا، وبتقول لي ما أتأخرش.

الخطاب ما أثبتش لوحده مين تسبب في وفاتها، لكنه أكد إن الضغوط كانت موجودة قبلها، وإن أشخاصًا كانوا عارفين إن عائلتي معرضة للخطر.

أدهم وقف جنبي وقال بصوت واطي:

«مريم…»

رفعت إيدي.

«مش دلوقتي يا أدهم.»

هز راسه وسكت.

خرجت من الأرشيف، وقعدت على الرصيف بره المبنى.

نهى قعدت جنبي.

ما حاولتش تواسيني بكلام كبير.

قالت بس:

«الورقة دي هتساعد التحقيق، لكن لازم نسيبهم يثبتوا كل حاجة.»

هزيت راسي.

«أنا عارفة.»

فضلت باصة للطريق، وبعدها قلت:

«أكتر حاجة بتوجعني إني كنت فاكرة إن أمي ماتت بسبب ظرف صحي، وإن اللي حصل كان قدر وخلاص. لكن دلوقتي عارفة إن فيه ناس كانت بتخوفها، وإن حد ممكن يكون استغل خوفها وضعفها.»

نهى مسكت إيدي.

«هنوصل للحقيقة يا مريم، بس خطوة خطوة.»

لأول مرة من سنين، عيطت من غير ما أحاول أخبي دموعي.

ما عيطتش عشان ضعيفة.

عيطت عشان تعبت من كوني مضطرة أكون قوية كل يوم.

بعد مرور شهر، التحقيقات بدأت تاخد اتجاه أوضح.

فؤاد الدمنهوري اتطلب لسماع أقواله، وكمال عزمي اضطر يقدم تفسيرًا لبعض المعاملات اللي تحمل توقيعه.

محمود الشناوي أدلى بأقواله رسميًا، واعترف إنه كان على علم بوجود مخالفات، وإنه تأخر في الإبلاغ عنها خوفًا على مصالحه وسمعته.

الشركة أعلنت عن مراجعة مستقلة لحسابات المشروع، وتم تجميد بعض الإجراءات المالية المرتبطة بالملفات محل الفحص، لحين انتهاء التحقيق.

لكن فؤاد وكمال أنكروا أي مسؤولية عن الضغوط اللي تعرضت لها عائلتي.

ما كانش فيه اعتراف سهل.

وما كانش فيه شخص هيقف فجأة ويقول إنه السبب في كل اللي حصل.

الحقيقة كانت بتظهر في أجزاء صغيرة، وكل جزء كان بيفتح بابًا لسؤال جديد.

في يوم، كنت في المستشفى بشتغل، لما لقيت أدهم داخل القسم، ومعاه كيس صغير.

استغربت.

«إنت بتعمل إيه هنا؟»

قال:

«جاي أطمن على بابا، وجبتلك حاجة.»

بصيت للكيس.

«إيه ده؟»

مده ناحيتي.

فتحته، ولقيت جواه علبة صغيرة فيها ساعة يد بسيطة، مش غالية، لكن شكلها جميل.

قلت:

«دي إيه؟»

قال:

«مش هدية مقابل حاجة. دي بدل الساعة اللي اتكسرت في الخناقة اللي حصلت بينا.»

بصيت له باستغراب، وبعدها ضحكت.

«إنت لسه فاكر؟»

قال:

«طبعًا. دي كانت أول مرة حد يوقفني عند حدي بالشكل ده.»

رجعت العلبة له.

«أنا مش هاخد هدايا من أهل المرضى.»

ابتسم.

«كنت متوقع تقولي كده. عشان كده دي مش هدية شخصية. دي ساعة اشتريتها للمستشفى، وقلت أسيبها في قسم التمريض. لو الإدارة وافقت طبعًا.»

بصيت له وأنا بحاول أمنع نفسي من الضحك.

«إنت بتتعلم بسرعة يا أستاذ أدهم.»

قال:

«بحاول.»

في اللحظة دي، ظهرت الدكتورة سارة من آخر الممر.

أدهم اعتدل في وقفته وقال لها:

«صباح الخير يا دكتورة.»

بصت له بحذر.

«صباح النور.»

قال:

«أنا حابب أعتذر لحضرتك عن اللي حصل قبل كده. أسلوبي كان غير مقبول، ومش هيتكرر.»

سارة بصتلي، وبعدها رجعت بصت له.

«الاعتذار مقبول، لكن المهم إن التعامل يتغير فعلًا.»

هز راسه.

«معاكي حق.»

خرج من القسم، وسارة قربت مني.

قالت بابتسامة:

«هو ده أدهم الشناوي؟»

قلت:

«أيوه.»

هزت راسها.

«واضح إن فيه حاجة حصلت له.»

ابتسمت.

«يمكن أخيرًا بدأ يسمع الناس بدل ما يهددهم.»

رجعت لشغلي، وأنا حاسة إن فيه حاجة صغيرة جوايا بدأت تهدى.

لكن الهدوء ما استمرش طويلًا.

في مساء يوم خميس، بعد مرور شهرين على بداية القضية، اتصلت بيا نهى.

صوتها كان جاد.

«مريم، محتاجاكي تيجي المكتب. فيه تطور مهم.»

وصلت بعد أقل من ساعة.

لقيت أدهم موجود، ونهى قدامها ملف كبير.

قعدت وسألت:

«إيه اللي حصل؟»

نهى فتحت الملف وطلعت محضرًا قديمًا.

«وصلنا لشاهد كان شغال في مكتب فؤاد الدمنهوري وقت الأحداث. الراجل وافق يدلي بأقواله رسميًا، وقدم معلومات عن مكالمات وضغوط كانت بتحصل في الفترة دي.»

قلبي بدأ يدق.

«قال إيه؟»

نهى قالت:

«قال إن فؤاد كان غاضب جدًا بعد ما اكتشف إنك احتفظتي بنسخة من الملاحظات المالية. وإن كمال عزمي هو اللي اقترح الضغط عليكي عشان تتراجعي.»

أدهم شد إيده.

«واللي حصل لوالدة مريم؟»

نهى سكتت لحظة.

«الشاهد ما يقدرش يثبت بنفسه إنهم تسببوا في وفاتها، لكنه قال إن فيه مكالمة حصلت في الليلة دي، وإن فؤاد طلب من أحد رجاله يروح المكان اللي كانت موجودة فيه.»

حسيت إن صدري اتقفل.

«هل عرفوا مين الراجل؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى