
وأخدنا بياناته، واتفقنا إنه يروح معانا في الموعد اللي هيتحدد.
كنت واقفة ببص للمبنى، لما عم رجب قال جملة خلتني ألف ناحيته.
«فيه حاجة تانية يا أستاذة مريم.»
سألته:
«إيه؟»
قال:
«بعد الليلة دي، بكام يوم، جه راجل وسألني عنك. كان معاه صورة ليكي، وقال لي لو شفتك أبلغه.»
سألته:
«مين الراجل؟»
رد:
«ماعرفش اسمه. لكن فاكر إنه كان لابس خاتم فضة عليه علامة شبه التاج.»
بصيت لنهى.
العلامة دي ما كانتش موجودة على وشم المجموعة.
كانت موجودة على خاتم كمال عزمي.
في اليوم التالي، استدعينا محمود الشناوي بحضور نهى، وطلبنا منه يحكي كل اللي يعرفه عن ليلة الخميس، من غير ما يخفي أي تفصيلة.
كان لسه في المستشفى، لكن حالته سمحت إنه يتكلم لفترة قصيرة.
أدهم قعد جنبه، وأنا قعدت قدامهم.
محمود أخد نفس طويل وقال:
«بعد ما مريم اكتشفت التلاعب، بدأت أراجع بنفسي. لقيت إن فيه تحويلات تمت بتوقيعات مزورة، وإن فيه مبالغ خرجت من حسابات المشروع لحسابات شركات مالهاش علاقة بالشغل.»
نهى سألته:
«هل عند حضرتك نسخ من المستندات؟»
قال:
«كان عندي، لكن أغلبها اختفى بعد ليلة الخميس. احتفظت بالخطاب اللي شفتوه، وصورة من جزء من الحسابات.»
قلت له:
«ليه ما قدمتش المستندات للنيابة وقتها؟»
محمود فضل ساكت فترة، وبعدها قال:
«لأن كمال ضغط عليّ.»
أدهم قرب منه.
«ضغط عليك بإيه؟»
«قال لي إن أي محاولة لفتح الموضوع هتخلي الناس تعرف إن شركتي كانت جزء من المشروع، وإن اسمي هيبقى مرتبط بالفضيحة. وقال إن عنده مستندات تقدر تدمر سمعة العيلة.»
أدهم هز راسه بعدم تصديق.
«فخفت على سمعتك.»
محمود رد:
«أيوه.»
قلت له:
«وخفت على فلوسك أكتر ما خفت على حياة أمي.»
محمود نزل راسه.
«أيوه يا مريم.»
ما حاولش ينكر.
وده كان أصعب من أي تبرير.
لأن الاعتراف ساعات بيكون موجع أكتر من الكذب، خصوصًا لما ييجي بعد فوات الأوان.
نهى سألت:
«هل حضرتك تقدر تتعرف على أي مستندات أصلية لو ظهرت؟»
قال:
«أيوه.»
«وهل مستعد تدلي بأقوالك رسميًا؟»
رفع عينيه.
«مستعد.»
أدهم بص لأبوه وقال:
«حتى لو ده أثر على الشركة؟»
محمود رد من غير تردد المرة دي:
«حتى لو خسرت كل حاجة.»
كنت عارفة إن الكلام سهل، وإن الاختبار الحقيقي لسه جاي.
لكن لأول مرة، محمود الشناوي كان مستعد يواجه اللي عمله.
بعد المقابلة، خرجت من الأوضة، ولقيت أدهم مستنيني في الممر.
قال:
«ممكن أتكلم معاكي؟»
وقفت.
«اتفضل.»
قال:
«أنا عايز أسألك عن حاجة، ومش عايزك تفتكري إني بتدخل في حياتك.»
قلت:
«اسأل.»
«إنتِ اتعلمتي الدفاع عن النفس فين؟»
بصيت له باستغراب.
«ليه؟»
قال:
«عشان الحركة اللي عملتيها معايا مش حركة عشوائية. إنتِ كنتِ عارفة بالظبط هتعملي إيه.»
سكت شوية، وبعدها قلت:
«كنت جزء من فريق حماية خاص، واتدربت سنين. لكن ده كان قبل اللي حصل. بعد ما كل حاجة انهارت، سيبت العالم ده.»
أدهم قال:
«أنا طول عمري بتدرب على الفنون القتالية، وكنت فاكر إن القوة معناها إنك تقدر تغلب اللي قدامك.»
قلت:
«القوة الحقيقية إنك تقدر تمنع نفسك من أذية اللي قدامك، حتى لو كنت قادر.»
فضل باصصلي، وبعدها قال:
«يمكن دي أول مرة أفهم معنى الكلام ده.»
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
«يبقى اتعلمت حاجة كويسة من الخناقة اللي حصلت الصبح.»
ضحك لأول مرة من غير غرور.
«بس إنتِ لازم تعترفي إنك فاجأتيني.»
قلت:
«وأنت لازم تعترف إنك كنت محتاج تتربى من أول وجديد.»
ضحك، وأنا كمان ابتسمت رغم كل اللي كان بيحصل.
كانت لحظة بسيطة، لكنها فكرتني إن الحياة مش لازم تفضل كلها خوف وحزن.
ومع ذلك، ما كنتش مستعدة أثق فيه بسهولة.
بعد أسبوع من التحقيقات، بدأت تظهر تفاصيل جديدة.
اتضح إن جزءًا من الأموال اللي اختفت من المشروع اتنقل عبر شركات وسيطة، وإن بعض التوقيعات المستخدمة في المعاملات مش أصلية.
كما ظهرت مراسلات قديمة بين كمال عزمي وفؤاد الدمنهوري، بتوضح إنهم كانوا على علم بالمخالفات قبل اكتشافها رسميًا.
لكن لسه ما كانش فيه دليل مباشر يثبت مين اللي ضغط على أمي، أو مين اللي تسبب في نقلها للمستشفى ليلة وفاتها.
نهى قالت لي:
«إحنا قربنا من جزء مهم من الحقيقة، لكن لازم نكون صبورين. ما ينفعش نستنتج إن كل اللي شارك في التلاعب المالي مسؤول عن اللي حصل لوالدتك، إلا لو فيه دليل يثبت ده.»
وافقتها.
كنت عايزة العدالة، مش مجرد اسم أعلقه على شخص وأرتاح.
وفي نفس اليوم، طلب كمال عزمي يقابل أدهم في الشركة.
أدهم بلغ نهى، واتفقوا إن الاجتماع يتم في مكان رسمي، بحضور مسؤول قانوني من الشركة، ومن غير أي نقاش خارج إطار العمل.
كمال دخل المكتب وهو هادي كعادته.
قال:
«سمعت إنك بتراجع ملفات المشروع القديم.»
أدهم رد:
«أيوه.»
«وليه؟»
«عشان فيه شبهة تلاعب، ولازم نتأكد من سلامة الحسابات.»
كمال قعد، وضم إيديه قدامه.
«إنت عارف إن فتح الملفات دي ممكن يضر الشركة؟»
أدهم قال:
«لو الشركة اتضررت بسبب مخالفات حصلت فعلًا، يبقى لازم نعرفها ونصلحها.»
كمال ابتسم.
«أبوك ما كانش بيتكلم بالطريقة دي.»
أدهم رد:
«يمكن عشان أنا مش عايز أكرر أخطاءه.»
الابتسامة اختفت من وش كمال.
«إنت بتخاطر بمستقبلك عشان ممرضة ظهرت فجأة في حياتك.»
أدهم اتنهد.
«مريم مش مجرد ممرضة. دي إنسانة اتظلمت، واسمها موجود في مستندات تخص الشركة.»
كمال مال لقدام.
«إنت ما تعرفش مريم كويس.»
أدهم رد:
«يمكن. لكني عارف إنك بتحاول تمنعني من مراجعة المستندات.»
كمال سكت لحظة، وبعدها قال:
«أنا بنصحك.»
أدهم قال:
«وأنا بطلب منك تتعاون مع المراجعة.»
كمال قام من مكانه، وعدل بدلته.
«خلي بالك يا أدهم. ساعات الإنسان وهو بيدور على الحقيقة، بيخسر كل حاجة.»
أدهم وقف قدامه.
«وساعات وهو بيهرب منها، بيخسر نفسه.»
كمال خرج من المكتب من غير ما يرد.




