روايات وقصص

مني السيد 1

في لينكين

بصيت لها وأنا متسندة على بابه، وقولت ببرود أهدى من المرة اللي فاتت:

— يا حماتي، أنا مش فاضية.. أهلي على وصول، ورايا شغل كتير في شقتي، وزي ما قلت لحضرتك، أنا مش نازلة تحت النهارده.

فتحت بوقها من الصدمة، وقربت خطوة لقدام وقالت بصوت عالي لفت انتباه الناس اللي تحت:

— أهلك مين يا بنتي؟ إنتي جنيتي؟ إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ إنتي هنا خدامة البيت ده، تخدمي حماتك وتخدمي سلايفك وبنات حماكي، أهلك مين دول اللي جايين يتمنظروا عليا؟ أنزلي حالا بقولك، أحسن لك!

الكلمة نزلت على وداني كأنها كلمة قاسية جدًا. كلمة خدامة قالتها بكل صراحة ووقاحة، من غير حتى ما تكلف خاطرها تخبيها! ساعتها اتعصبت جدًا، وكل السكوت اللي سكتته السنين اللي فاتت اتحول لنار في صدري.

قبل ما أرد، سمعت صوت رجلين طالعة على السلم، وبصيت لقيت أمي وأبويا وأخويا مصطفى طالعين وشايلين شنط فيها حاجات وطالعين على ريحة الأكل.

أمي أول ما شافت حماتي واقفة قدام بابي بالشكل ده وبتزعق، وشها اتغير وقالت بقلق:

— خير يا أم محمود؟ في إيه؟ بنتي مزعلاكي في حاجة؟

حماتي شافت أهلي، فبدأت تلعب دور المسكينة المظلومة، وعملت نفسها بتعيط وبتمسح دمعة وهمية وقالت:

— أهلاً يا ست هانم! تعالي شوفي بنتك متربية إزاي.. طالبة منها تطبخ لقرايب جوزها الغلابة اللي جايين يزورونا، قالت لي لأ وعملت لي عزومة لأهلها عشان تتمنظر عليا، ورافضة تنزل تخدم الضيوف!

أبويا راجل كبير وطيب، بس كريم وعزيز النفس جداً. بص لحماتي وبص لي، وقال بصوت حكيم وثابت:

— يا حاجة، بنتي مش خدامة عند حد، بنتي متجوزة راجل محترم، وجاية في بيتها وبيت جوزها، وعيب الكلام ده.. ولما تكون عازمة أهلها دي حاجة تخصها ومش عيب ولا حرام.

حماتي اتحرقت أكتر لما أبويا رد عليها بالأسلوب المحترم ده، وقالت بسخرية وقهر:

— بيت ابنها مين يا راجل إنت؟ البيت ده بيتي أنا، واللي تاكل من خير ابني وتعيش تحته تسمع الكلام، ومش عاجبها تنزل لبيت اهلها بلا رجعة!

هنا بقى مصطفى أخويا ما استحملش، وكان دي دايمًا عصبيه، طلع من ورا أبويا ووقف قدام حماتي وقال بصوت نبرته تخوف:

— إنتي بتقولي إيه يا حاجة؟ اعدلي كلامك واعرفي إنتي بتكلمي مين! أختي مش محتاجة منكم حاجة، وجوزها بيبعت لها مصاريفها، ولو على أكلكم وخدمتكم، فبنتي الأصول مش خدامة عندكم عشان تذلوها ببواقي الأكل! إحنا جينا نشيل أختنا ونأخدها معانا لحد ما جوزها ينزل بالسلامة!

أنا بصيت لمصطفى وعنيا دمعت، حسيت إن أخويا ظهر وضهر وسند حقيقي ليا. حماتي اترعبت من نظرة مصطفى ومن كلامه الجريء، لأنها كانت متعودة إني لوحدي ماليش ضهر، وإن جوزي بعيد عنها، فكانت بتاكل فيا زي ما هي عايزة.

قالت بصوت واطي وهي بتتلفت عشان الضيوف اللي تحت ما يسمعوش:

— طيب.. طيب، وروني هتعملوا إيه، وابن عماد لما يرجع هعرفه إزاي مراته طردت أمه وبهدلت أهل البيت، وهقوله إنها مش راضية تعمل لبيته اعتبار!

مصطفى ضحك بسخرية وقال لها:

— جوزها لو جه وسمع اللي بتعمليه فيها، وبواقي الأكل اللي كنتِ بتطلعيها لها زي القطط، هو بنفسه اللي هيجي يطردك من هنا! ويلا يا جماعة.. ادخلوا جوه الشقة، مش هنقعد دقيقة واحدة في مكان فيه إهانة لأختنا.

دخلت أنا وأهلي شقتي، وقفلنا الباب ورانا.. ولأول مرة من سنين طويلة أحس إني مرتاحة، كأن جبل كبيير اتشال من على صدري.

قعدت مع أهلي على السفرة الصغيرة، وكلنا أكلنا من الأكل اللي أنا عامله بإيدي، ونضيف وحلو، وضحكنا واتكلمنا وكأن النكد كله اختفى.

بس وأنا قاعدة كان فيه سؤال واحد بيدور في دماغي: ياترى جوزي لما يرجع، حماتي هتقول له إيه؟ وهل هيصدق أمه ولا هيسمعني؟

والأيام اللي بعد كده خبت ليا مفاجأة أكبر بكتير.. مفاجأة غيرت مجرى حياتي خالص مع جوز عماد وعيلته.. يتبع الفصل القادم بأسلوب شيق وتفاصيل أكتر…

عدت الأيام اللي بعد اليوم ده كأنها فترة طويلة وثقيلة، بس على الأقل كنت فوق في شقتي لوحدي، بعيدة عن ضغط المطبخ التحتاني وطريقة التعامل اللي كانت بتوجع قلبي. حماتي من يوم المشاجرة دي قطعتني نهائي، وبقت أول ما تشوفني على السلم تلف وشها للناحية التانية كأنها ماشية جنب حيطة مايلة، وتكتفي بنظرات كلها غضب وعدم رضا.

بنتها بقت تيجي زي الأول وأكتر، وكل ما تيجي تلاقي حماتي شاغلة نفسها بكلام ونميمة فيا بصوت عالي عشان تسمعني، وتقعد تقول لبنتها إن الستات بقت قليلة الأصل والتربية، الواحدة تتجوز الراجل من هنا وتنسى فضل أهله عليها من هنا، بس بكرة ابن عماد يشرف وييجي، وأنا هعرفه إزاي مراته تعلّق لي المشانق في بيتي وتجيب أهلها تتطاول عليا!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى