روايات وقصص

مني السيد 1

في لينكين

كنت سامعة كل كلمة، بس كنت بضحك في سري وبقول لنفسي خليه ييجي.. أنا ماغلطتش، أنا بس استرديت كرامتي اللي ضاعت سنين في خدمتكم.

بس الحقيقة جوزي عماد كان على وشك النزول. إجازته السنوية كانت قربت، وخلال التليفونات اللي كانت بيننا، كنت بحس في صوته إن فيه حاجة متغيرة، صوته جاف وقصير، ومش متعودة عليه كده. كنت عارفة إن حماتي ما صدقت شافت رقم تليفونه اتصل، وقعدت تعبي في ودانه من أول دقيقة، وتحور الكلام وتطلّع نفسها هي المظلومة اللي الكل تآمر عليها، وأنا الست العاصية اللي طردت بنتها وجابت أهلها تعمل بيها حكايات.

كنت خايفة؟ أيوة.. طبعًا كنت خايفة. عماد مهما كان ابن أمه، وبرضه متأثر بكلامها، وكونه قاعد بره مصر بيخليه يشوف الأمور من خلال رواية أمه بس، مش من خلال اللي أنا عيشته وشربت مراره.

وجه يوم الوصول المنتظر. الساعة اتنين بالليل، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت، وبعدها صوت شنط بتتجر على السلم، وخبطات خفيفة على باب شقتي التحتانية الأول وبعدها طلوع على السلم عندي فوق. قلبي بدأ يدق بجنون، حسيت كأن الساعات دي هي فاصل الحقيقة في حياتي كلها.

الباب اتفتح ودخل عماد. كان شكله تعبان من السفر، شنطه مليانة حواليه، وبص لي بنظرة ناشفة مفيهاش أي لهفة ولا شوق زي كل مرة كان بينزل فيها. قفل الباب وراه ووقف حاطط إيده في جيبه وقال بصوت جدي:

— إزيك يا منى؟.. إيه اللي سمعته ده؟ أمي بتقولي مصايب، بتقولي إنك عملتي مشاكل مع اختي وطردتيها وطردتي أمي من اعتبارها، وإنك جبتي أهلك عشان تعملي بها حفلة في البيت عندي!

الكلمات نزلت عليا زي الصدمة. حماتي ما كفتش إنها تزود، دي ألفت قصة كاملة تطلعني فيها أنا الجانية والظالمة!

بصيت في عيون عماد، ولقيت الدموع خانتني، بس مسكت نفسي بالعافية، وقربت منه وقولت بصوت مهزوز بس ثابت:

— أنت جيت من السفر تعبان يا عماد، وعارفة إن أمك كلمتك وسودت وشي قدامك.. بس قبل ما تحكم عليا، وقبل ما تسمع كلمتينها اللي من طرف واحد، اسمعني أنا كمان.. اسمع مراتك اللي صابرة عليك وعلى غيابك سنين طويلة.

عماد قلع جاكيته ورماه على الكنبة بعصبية وقال:

— اسمع إيه يا منى؟! أمي كبيرة في السن، ومقامها عندي وعندك بالدنيا، وأختي ضيفة جاية تزورنا، إزاي تمنعيها من الأكل، وإزاي تعملي عزومة لأهلك وتقولي لهم ما تطبخوش؟ أمي بتقولي إنها كانت بتعاملك زي بنتها، وإنتي قسيتي عليها!

الكلمة دي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. بتعاملني زي بنتها؟!

ضحكت ضحكة ألم مريرة، ودموعي نزلت غصب عني، وقولت له بصوت كله قهر:

— بتعاملني زي بنتها؟! ياريت يا عماد.. ياريت! هي كانت بتعاملني زي الخدامة، أحسن الخدامة ليها أجر وليها حقوق، أنا كنت بشتغل من الساعة سبعة الصبح أطبخ لبنتك وجوزها وعيالها، أقطع وأقشر وأقف لحد ما رجلي ووسطي يتكسروا، وفي الآخر تطلعني شقتي عشان ناكل لوحدنا، وتديني إيه؟.. تديني بواقي الأكل! وعضم الفراخ، ورز حلة مقطوع!

عماد فتح عيونه بصدمة وقال باستنكار:

— بواقي أكل إيه وبطريق إيه؟ إنتي بتقولي إيه؟! أمي كريمة وعمرها ما تعمل كده!

كملت كلامي ونبرة صوتي علت من كتر القهر والألم:

— كريمة؟! اسألها عن صينية الجولاش اللي طلبتها بنتها، لما عملتها وتعبت فيها، وفي الآخر مالحقتش منها غير كم حتة متبقية وأكلتها وأنا باكية! اسألها ليه لما بنتها بتيجي بكون خدامة تخدم الضيوف وبعدين تترمي فوق زي القطط؟ سنين وأنا ساكتة عشان خاطرك وعشان مش عايزة أعمل مشاكل، وكنت بقول بكرة جوزي يرجع ويشيلني في عيونه ويعوضني.. لكن لأ، أمك اتعودت إنها تدوس عليا، ويوم ما قلت لها لأ، أنا هطبخ لأهلي فوق قامت القيامة وقالت إني قليلة الأصل!

عماد سكت شوية، وشكله كان متردد، بس رجع وقال بعناد برضه:

— مكنش ينفع تعملي كده قدام أختي وأمي، كان ممكن بالهداوة.. وبعدين أهلك لما جابهم أخوكِ مصطفى وعمل المشاكل دي كلها، كان عيب في حقي أنا كرجل بيت!

بصيت له بحزن شديد وقولت:

— أخويا جه لقى أمك بتزعق لي قدام الشقة وبتقولي يا خدامة.. أيوة يا عماد، أمك قالت لي يا خدامة بصوت عالي قدام الضيوف والناس! لو أخويا مكاتش جه ووقف في ضهري، كان زماني دلوقتي ملطشة لكل من هب ودب في البيت ده.. عماد، أنا مرتك مش جارية اشتريتها بفلوسك، أنا بنت ناس وليا كرامة زي أختك بالظبط!

عماد قعد على الكرسي وحط إيده على رأسه من كتر التفكير والضغط. هو عارف طباع أمه كويس، وعارف إنها قاسية وجبارة في التعامل مع مرات الابن، بس في نفس الوقت، كان خاضع لسيطرتها طول عمره.

سكتنا لفترة طويلة، الشقة كانت تملؤها رهبة السكوت، وكل واحد فينا بيحسب حسابات بكرة. لحد ما عماد قال بصوت واطي:

— أنا هنام دلوقتي يا منى.. وسيبيني بكرة أشوف الموضوع ده مع أمي وأفهم الحكاية بعيد عن العصبية دي.

دخل الأوضة ونام، وأنا فضلت صاحية للصبح على كرسي الصالون، بفكر في مصيري.. هل عماد هيقدر يجيب لي حقي، ولا هيطبطب على أمه ويرجعني لنفس المكان الصعب التحتاني؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى