روايات وقصص

جاين ناخد حقنا حكايات صافي هاني

رانيا اختارت كلماتها بعناية.

«هو بيطرح ادعاءات قانونية، وهنرد عليها بالمستندات. سنك وحده مش معناه إنك غير قادر على اتخاذ قراراتك. المهم إننا نثبت إنك فاهم تصرفاتك، وإنك بتاخد قراراتك بإرادتك الحرة».

فضلت باصص لها.

«يعني هو مش بس عايز فلوسي. ده عايز يقول للناس إني بقيت مش عارف أتصرف».

رانيا قالت:

«أنا مش هفترض دوافعه. لكننا هنتعامل مع الدعوى بشكل جاد، وهنتأكد إن كل مستنداتك سليمة، وإن أي تقييم مطلوب يتم وفق الإجراءات القانونية».

طلبت منها تبدأ كل الإجراءات اللازمة، وقررت إني أروح بنفسي لكل مقابلة تخص الموضوع.

مش عشان أثبت لحسام إني قوي، لكن عشان كنت محتاج أواجه الحقيقة بدل ما أفضل مستخبي ورا ذكريات قديمة.

وفي الليلة دي، وأنا براجع أوراق الشركة، لقيت صورة قديمة ليا مع حسام يوم افتتاح أول فرع.

كان وقتها عنده سبعتاشر سنة، واقف جنبي بفخر، وحاطط إيده على كتفي.

على ظهر الصورة، زينب كانت كاتبة بخطها:

«ربنا يبارك فيكم لبعض، ويخليكم سند لبعض طول العمر».

قعدت أبص للصورة لحد ما عيني دمعت.

وبعدين حطيتها في الدرج، وقفلت عليه.

مرت أسابيع، وبدأت الإجراءات القانونية تاخد وقتها.

رانيا رتبت المستندات الخاصة ببيع الشركة، والتقارير المالية، والعقود، وكل ما يثبت إن التصرفات اللي عملتها تمت بعد استشارة متخصصة، وإنني كنت مدركًا تمامًا لكل خطوة.

وفي وسط كل ده، وصلني اتصال من رقم غريب.

رديت.

«ألو؟»

سمعت صوت ست صغيرة بتتكلم بتردد.

«حضرتك الأستاذ إبراهيم؟»

«أيوه، مين معايا؟»

«أنا مريم».

سكت.

الاسم ماكانش مألوفًا، لكن الطريقة اللي نطقت بيها اسمي خلت قلبي يدق بسرعة.

قالت:

«أنا بنت حسام».

حسيت إني مش قادر أتنفس للحظة.

«إنتِ… إنتِ حفيدتي؟»

صوتها ارتعش.

«أيوه يا جدو».

قمت من مكاني، ومشيت خطوتين في الصالة، وأنا مش عارف أقول إيه.

«إنتِ عندك كام سنة يا مريم؟»

«اتناشر سنة».

اتناشر سنة.

يعني كانت طفلة صغيرة جدًا لما اتولدت، وعاشت عمرها كله تقريبًا من غير ما تعرف جدها.

سألتها:

«إنتِ عرفتي رقمي منين يا بنتي؟»

قالت بتردد:

«لقيته مكتوب في ورقة قديمة عند بابا. كنت بدور على شهادة ميلادي عشان المدرسة، ولقيت ظرف فيه اسمك ورقم تليفونك. سألت بابا عنك، لكنه قال لي إنك مش عايز تعرفنا».

حسيت بثقل في صدري.

«قال لك إني مش عايز أعرفكم؟»

«أيوه. بس أنا مش فاهمة. هو عنده صور ليك معاه وهو صغير، وعنده صورة لتيتا زينب. وأنا لما شفت صورتها، حسيت إني عايزة أعرفها. ماما قالت لي إنك كنت زعلان من بابا، لكن ما قالتليش إنك مش عايزنا».

ما عرفتش أرد بسرعة.

كان جوايا غضب كبير، لكن صوت البنت كان أضعف من إني أوجه له أي غضب.

قلت لها:

«يا مريم، أنا عمري ما رفضت أعرفكم. أنا كنت ببعت لوالدك، وكنت أتمنى أشوفكم. لكن هو كان رافض».

سكتت، وبعدها سمعت صوت بكاء مكتوم.

«يعني إنت كنت عايز تشوفني؟»

«من قبل ما تتولدي كمان يا بنتي».

«طب ينفع أشوفك؟»

غمضت عيني، ودمعة نزلت على خدي.

«ينفع طبعًا. ده أنا مستني اليوم ده من سنين».

اتفقنا إنها تيجي تزورني مع والدتها، في يوم يناسبهم.

وقبل ما تقفل، قالت لي:

«جدو، ممكن ما تقولش لبابا إني كلمتك دلوقتي؟»

سألتها بهدوء:

«ليه يا مريم؟»

قالت:

«عشان هو بيتعصب لما حد يجيب سيرتك. وأنا خايفة يزعل مني».

ما ضغطتش عليها.

قلت لها:

«حاضر يا بنتي. لكن عايزك تعرفي حاجة. إنتِ مالكيش ذنب في أي خلاف بيني وبين باباكي. وإنتِ مش مطالبة تختاري بين حد فينا. لما تحبي تتكلمي معايا، أنا موجود».

قفلت المكالمة، وقعدت على الكنبة.

كنت فرحان إني سمعت صوت حفيدتي لأول مرة.

لكن فرحتي كانت ممزوجة بوجع أكبر من أي وقت فات.

لأن حسام ما اكتفاش إنه يبعد عني.

هو كمان حرم أولاده من فرصة إنهم يعرفوا جدهم، وخلاني في نظرهم راجل رافضهم، وأنا طول عمري كنت مستني أشوفهم.

بعد عشرة أيام، جت مريم مع أمها.

كنت واقف عند باب الشقة قبل الموعد بنص ساعة، وكل شوية أبص من العين السحرية وأرجع أقعد.

ولما الجرس رن، فتحت بسرعة.

كانت مريم واقفة جنب أمها، ماسكة في إيدها كيس صغير.

بنت هادية، شعرها بني غامق، وعينيها فيها حاجة من عيون زينب.

أول ما شفتها، نسيت كل الكلام اللي كنت محضره.

فضلت باصص لها، وهي كمان كانت بتبص لي بتردد.

أمها ابتسمت وقالت:

«اتفضل يا عمي، إحنا آسفين لو جينا بدري».

قلت لها:

«ده أنا اللي كنت مستنيكم من بدري».

مريم مدت إيدها بالكيس.

«أنا جبت لك حاجة».

أخدته منها.

«إيه ده يا حبيبتي؟»

«رسمتها ليك».

فتحت الكيس، ولقيت ورقة مرسومة عليها شجرة كبيرة، وتحتها راجل كبير واقف جنب بنت صغيرة، وفوقهم شمس صفراء.

وفي أسفل الورقة كانت كاتبة:

«أنا وجدو إبراهيم».

حطيت إيدي على بوقي، وحاولت أتماسك، لكن دموعي نزلت من غير ما أقدر أمنعها.

مريم قربت مني خطوة.

«إنت بتعيط يا جدو؟»

ضحكت وسط دموعي.

«دي دموع فرحة يا حبيبتي».

فتحت دراعي، وبصيت لها.

«ممكن أحضنك؟»

هزت راسها، وجريت عليّ.

حضنتها بقوة، لكن برفق، كأنني خايف اللحظة دي تختفي لو ضغطت عليها زيادة.

فضلنا واقفين كده وقت طويل.

وبعدين دخلنا الصالة، وقعدت مريم جنبي، وبدأت تحكي لي عن مدرستها، وعن صاحبتها المقربة، وعن إنها بتحب الرسم وبتتمنى تدخل كلية فنون جميلة لما تكبر.

كنت بسمعها كأني بعوض تلاتاشر سنة من الصمت.

كل كلمة كانت بتقولها كانت بتفتح باب جديد في حياتي.

أما أمها، فكانت قاعدة على الكرسي المقابل، ساكتة معظم الوقت، لحد ما مريم قامت تدخل الحمام.

وقتها بصت لي وقالت:

«أنا لازم أعتذر لحضرتك».

استغربت.

«تعتذري عن إيه؟»

قالت:

«أنا كنت أعرف إن حسام قاطعك، وكنت عارفة إنك حاولت تتواصل معاه أكتر من مرة. لكن كنت بسمع منه إنك رافضنا، وإنك مش عايز تعرف أي حد فينا. وأنا صدقته في الأول. بعدين بدأت أشك، خصوصًا لما لقيت إن كل ما أسأله عنك يتعصب».

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

«أنا مش هبرر لنفسي. كان المفروض أسأل وأتأكد، وكان المفروض ما أسمحش إن مريم تكبر وهي فاكرة إن جدها مش عايزها».

قلت لها:

«المهم إنكم جيتوا دلوقتي. ومريم ما لهاش ذنب في اللي حصل».

نزلت عينيها.

«فيه حاجة تانية لازم تعرفها».

قلبي انقبض.

«خير؟»

قالت بصوت منخفض:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى