
«أعتقد إننا وضحنا كل النقاط المهمة النهارده. لو فيه أي استفسار قانوني، ممكن يتبعت لي كتابة، وأنا هرد عليه في إطار القانون».
حسام وقف قدامها.
«إنتِ مش فاهمة حاجة. أنا ابنه، يعني ليا حقوق».
رانيا رفعت عينيها له.
«حقوقك القانونية محفوظة، لكن مش من حقك تفرض على والدك تصرفات معينة في أمواله وهو حي. وأي خلاف مستقبلي لازم يتم من خلال الإجراءات القانونية الصحيحة».
حسام لف ناحيتي.
«إنت هتندم يا إبراهيم».
كانت أول مرة من سنين يناديني باسمي من غير كلمة بابا، ومع ذلك ما حسيتش بالإهانة قد ما حسيت بالحزن.
قلت له:
«أنا ندمت فعلًا، يا حسام».
ابتسم ابتسامة انتصار صغيرة.
«أهو اعترفت».
هزيت راسي.
«ندمت إني قضيت سنين طويلة مستني منك كلمة، وكنت كل ما أسمع صوت عربية تقف تحت البيت، أفتح الشباك وأقول يمكن ابني جه. ندمت إني فضلت أبرر غيابك قدام نفسي، وأقول أكيد عنده ظروف، أكيد زعلان، أكيد هيصالحني بكرة. لكني مش ندمان إني رفضت أديك مليون جنيه من غير حساب، ومش ندمان إني اشتغلت وبنيت شركتي بإيدي».
الابتسامة اختفت من على وشه.
«إنت بتقول الكلام ده عشان تعاقبني».
«لأ. أنا بقوله عشان ما بقاش عندي طاقة أعيش في انتظار اعتذار مش عارف هييجي إمتى».
جيهان أخدت شنطتها، وفوزية كانت بتتمتم بكلام مش مفهوم، وحسام وقف عند الباب قبل ما يخرج.
لف وبص لي.
«إحنا مش هنمشي بعيد. ولسه لينا كلام تاني».
قلت له:
«لما تحب تتكلم كابني، تعالى. لكن لو هترجع تتكلم عن الفلوس، يبقى خلي الكلام مع المحامية».
خرجوا، وقفلت الباب بهدوء.
فضلت واقف مكاني شوية، وبعدها سمعت صوت رانيا وهي بتقول:
«إنت كويس يا أستاذ إبراهيم؟»
قعدت على الكنبة، وحطيت إيدي على صدري.
«مش عارف يا رانيا. أنا كنت متخيل إني لما أشوفه تاني هفرح. كنت متخيل إني هحضنه، وإن كل السنين دي هتختفي في لحظة».
رانيا قعدت على الكرسي المقابل.
«المشاعر مش بتختفي لمجرد إننا فهمنا الحقيقة. إنت أبو، وطبيعي تكون جواك رغبة إنه يرجع. لكن لازم تدي لنفسك حقها كمان».
بصيت للباب المقفول.
«تفتكري ممكن يكون رجع فعلًا عشان عايزني؟»
رانيا سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«أنا ما أقدرش أعرف اللي في قلبه. الأيام هي اللي هتوضح. لكن اللي نقدر نعرفه هو تصرفاته، ودي لازم نحكم عليها زي ما هي، مش زي ما إحنا بنتمنى تكون».
عدت الأيام اللي بعدها هادية بشكل غريب.
حسام ما اتصلش.
جيهان ما بعتتش رسالة.
وفوزية اختفت هي كمان.
في البداية، كنت كل ما التليفون يرن، أسرع أشوف الشاشة. ولما ألاقي رقم شركة أو حد من معارفي، أرجع أحطه مكاني وأنا حاسس إني اتضحك عليّ من نفسي.
بعد أسبوع، رانيا اتصلت بيا.
«أستاذ إبراهيم، محتاجة أقابلك بخصوص موضوع جديد».
قلقت من نبرة صوتها.
«فيه إيه؟»
«وصلني خطاب من محامي الأستاذ حسام».
سكت لحظة.
«محاميه؟»
«أيوه. الخطاب بيطلب معلومات عن الصفقة اللي تمت، وبيستفسر عن طبيعة الترتيبات المالية اللي اتعملت بعد بيع الشركة. كمان فيه طلب بالحصول على نسخ من بعض المستندات».
غمضت عيني.
«هو بدأها بالشكل ده؟»
رانيا قالت:
«ده حقه إنه يستفسر من خلال محاميه عن الأمور اللي تخصه قانونًا، لكن مش معناه إن طلباته كلها مستحقة. أنا هرد على الخطاب في حدود المعلومات اللي يسمح القانون بالإفصاح عنها، ومش هنشارك أي بيانات خاصة من غير سند قانوني».
قلت لها:
«اعملي اللي شايفاه صح».
لكن بعد ما قفلت، ما قدرتش أقعد مكاني.
مش عشان خايف على الفلوس.
أنا كنت خايف إن حسام يكون وصل لمرحلة إنه مستعد يحول آخر خيط بينا لمعركة طويلة.
كنت فاكر إن رجوعه هيكون فرصة نصلح اللي اتكسر، حتى لو بعد وقت طويل. لكن الظاهر إن كل واحد فينا كان داخل الحكاية وهو مستني حاجة مختلفة.
هو كان مستني يعرف إيه اللي يقدر ياخده.
وأنا كنت مستني أعرف إذا كان لسه فيه حتة صغيرة من ابني القديم مستخبية جواه.
بعد يومين، وأنا راجع من الصيدلية، لقيت راجل واقف قدام باب العمارة، في إيده ملف ورقي.
أول ما شافني، قرب مني.
«حضرتك الأستاذ إبراهيم منصور؟»
«أيوه».
«أنا مندوب من مكتب محاماة، وعندي إعلان لحضرتك».
مد إيده بورقة، وطلب مني أمضي بالاستلام.
بصيت على اسم المحكمة، وعلى اسم حسام، وحسيت إن رجلي تقيلة.
طلعت الشقة، وحطيت الورقة على الترابيزة، واتصلت برانيا.
جت بعد ساعة، وقرأت المستندات بهدوء، وبعدها رفعت عينيها لي.
«دي دعوى مرفوعة من حسام، لكن لازم نقرأ الطلبات كويس قبل ما نستنتج أي حاجة».
قلت لها:
«هو عايز إيه؟»
«هو بيطلب اتخاذ إجراءات تتعلق ببعض التصرفات المالية، وبيطرح ادعاءات قانونية بخصوص مدى سلامة قراراتك بسبب سنك، وبيقول إن فيه تخوف على أموالك من سوء الإدارة أو التأثير عليك».
حسيت بثقل في صدري.
«بيطرح ادعاءات عن أهليتي؟»




