
«من تلاتاشر سنة، حضرتك طلبت من والدك مبلغ مليون جنيه لبدء مشروع تجاري. والدك رفض الطلب، لأن المشروع لم تكن له دراسة جدوى واضحة، ولأن المبلغ كان يمثل جزءًا كبيرًا من رأس المال المتاح له في ذلك الوقت».
حسام قاطعها.
«كان عندي مشروع، وكان ممكن أنجح!»
قلت له:
«أنا ما قلتش إنك هتفشل. أنا قلت لك اعمل دراسة، وحط خطة، وأنا أساعدك تبدأ على قد إمكانياتك. إنت اللي رفضت أي حل غير إنك تاخد المليون جنيه مرة واحدة».
«لأنك كنت تقدر تديني المبلغ!»
«كنت أقدر أساعدك، لكن مش معنى إني أقدر أديك مبلغ كبير إني لازم أديهولك من غير ما أعرف هتعمل بيه إيه».
جيهان تدخلت وهي بتعدل قعدتها.
«بس يا عمي، إنت كنت غني حتى وقتها. حسام كان محتاج وقفتك، وكان من حقه يحس إن أبوه مؤمن بيه».
بصيت لها طويلًا.
«وأنا كنت محتاج ابني يقف جنبي لما أمه تعبت، وكان محتاج يسمع صوتي لما كنت باصحى في نص الليل خايف عليها. كنت محتاجه ييجي يقعد معايا في المستشفى ساعة واحدة، حتى لو مش معاه جنيه واحد. لكنه اختار يقطعني، وده حقه، وأنا احترمت اختياره».
حسام اتوتر.
«إحنا مش هنرجع نفتح موضوع أمي كل شوية!»
قلت له:
«ليه؟ عشان الموضوع بيوجعك؟ طب ما هو وجعني أنا كمان».
سكتت الصالة.
رانيا قفلت الكشف القديم، وفتحت ورقة تانية.
«في حاجة تانية. خلال السنوات الماضية، الأستاذ إبراهيم حاول التواصل مع حضرتك في مناسبات مختلفة. فيه خطابات مسجلة، وإيصالات إرسال، وبعضها رجع لعدم الاستلام. وفيه كمان محاولات اتصال موثقة في سجلاته الشخصية».
حسام بص بعيد.
«أنا كنت محتاج أبعد».
«وكان من حقك تبعد»، قلت له. «بس ما كانش من حقك ترجع بعد ما عرفت إن شركتي اتباعت، وتتصرف كأنك صاحب البيت وصاحب القرار».
فوزية اتحركت في كرسيها بضيق.
«طيب، إحنا فهمنا إن فيه خلافات قديمة. بس دلوقتي الراجل كبر، وإحنا جايين نساعده. بدل ما يفضل لوحده، يبقى عنده عيلة حواليه. إيه المشكلة؟»
رانيا ردت:
«مفيش مشكلة لو ده فعلًا الهدف. لكن فيه نقطة لازم تتوضح».
فتحت الظرف الأصفر، وطلعت منه نسخة من رسالة مطبوعة.
«بعد إعلان بيع الشركة، حصلت محاولات للتواصل مع الأستاذ إبراهيم من أرقام مختلفة، وفيه رسالة اتبعتت لأحد معارفه بتسأل عن تفاصيل الصفقة وقيمة المبلغ اللي حصل عليه».
حسام بص لجيهان.
جيهان اتلخبطت.
«إيه الكلام ده؟ إحنا ما سألناش حد عن حاجة».
رانيا حطت الورقة قدامها.
«الرسالة دي موجودة عندنا بنسختها الأصلية على الهاتف اللي استقبلها، ومش هنتهم حد بحاجة قبل ما نسمع منه. لكن واضح إن المعلومات الخاصة ببيع الشركة وصلت لأشخاص ماكانش المفروض يعرفوا التفاصيل دي».
فوزية قامت من مكانها.
«هو إحنا بقينا متهمين؟! إحنا داخلين بيت أبو ابنه!»
قلت لها بهدوء:
«إنتِ مش متهمة يا مدام فوزية. لكن من حقي أفهم ليه أول زيارة بعد تلاتاشر سنة كانت بعد تلات أيام من بيع الشركة».
حسام بص لي بعصبية.
«يعني إنت شايف إننا جايين عشان الفلوس؟»
ما جاوبتش.
بصيت له في عينه، وسكت.
وكان سكوتي كفاية يخليه يفهم الإجابة.
بعد شوية، رانيا رجعت للملف الأزرق وطلعت منه ورقة عليها توقيعي.
قالت:
«الأستاذ إبراهيم طلب مني أوضح لكم إن عنده ترتيبات مالية وقانونية تخص مستقبله، واحتياجاته الصحية والمعيشية، وأي التزامات محتملة. الترتيبات دي اتعملت بعد استشارة قانونية، ومش هدفها الانتقام من أي شخص، وإنما ضمان إن الأستاذ إبراهيم يفضل قادر يعيش باستقلال وكرامة».
حسام ضحك ضحكة قصيرة.
«يعني إنت ناوي تحرم ابنك من فلوسك؟»
قلت له:
«فلوسي لسه فلوسي يا حسام. وأنا لسه عايش».
«بس أنا ابنك!»
«أيوه. وكنت ابني وأنا ببعت لك جواب في عيد ميلادك، وكنت ابني وأنا واقف لوحدي في عزاء أمك، وكنت ابني وأنا بفتح الباب كل مرة أسمع فيها الجرس وأفتكر إنك رجعت».
حسام فتح بقه عشان يرد، لكنه ما لقاش كلام.
كملت:
«كنت ابني حتى لما كنت بشوف عيال الجيران راجعين من المدرسة، وأقول لنفسي يمكن عندي أحفاد في نفس سنهم. كنت ابني وأنا مش عارف لون عينيهم، ولا أسماءهم، ولا بيحبوا إيه، ولا بيخافوا من إيه».
جيهان نزلت عينيها لأول مرة.
أما فوزية، فكانت لسه متمسكة بموقفها.
«طيب، وإيه المطلوب مننا دلوقتي؟ نقعد نتفرج عليه وهو بيصرف فلوسه؟»
رانيا ردت بحزم:
«المطلوب إن كل شخص يحترم إرادة الأستاذ إبراهيم. مفيش حد له حق يفرض عليه يسكن مين في بيته، أو يغير نظام حياته، أو يطالبه بمبالغ مالية لمجرد وجود صلة قرابة».
حسام قام فجأة.
«أنا مش هقبل الكلام ده! أنا جاي أعيش هنا، وده بيت أبويا، ومن حقي أقعد فيه».
بصيت له وقلت:
«البيت بيتي يا حسام. إنت مرحب بيك كابني لو جاي تزورني وتحترم بيتي. لكن إنك تدخل ومعاك أربع شنط، وتقرر مين ياخد أنهي أوضة، وتطلب مني أنقل حاجتي، فده مش هيحصل».
وشه احمر.
«يعني بتطردني؟»
«أنا ما طردتكش. أنا بس بقول لك إنك ما تقدرش تفرض وجودك عليّ. ولو عايز نقعد ونتكلم، الباب مفتوح. لكن لو جاي عشان تعتبر البيت ملكك من أول يوم، يبقى لازم تعرف إن الكلام ده مش مقبول».
جيهان وقفت جنبه.
«حسام، إحنا مش هنفضل واقفين كده. خلينا نمشي دلوقتي ونشوف هنعمل إيه».
لكن فوزية ما كانتش ناوية تمشي بسهولة.
بصت لي وقالت:
«إنت فاكر نفسك كسبان عشان بعت الشركة؟ الفلوس دي مش هتخليك أصغر، ولا هترجع لك السنين اللي ضيعتها لوحدك. وفي الآخر، لما تمرض، مين هيبقى جنبك؟ المحامية؟»
الكلام وجعني، مش لأنه جديد، لكن لأنه لمس حاجة كنت بخاف منها فعلًا.
أنا كنت عارف إن العمر مش مضمون، وإن الإنسان مهما امتلك، ممكن ييجي عليه يوم يحتاج فيه إيد تسنده أو حد يناوله كوباية مياه.
لكن كنت عارف كمان إن وجود ناس حواليك مش دايمًا معناه إنك مش لوحدك.
رديت عليها:
«أنا مش بشتري حد عشان يقعد جنبي، ومش هادفع تمن وجود الناس في حياتي. اللي يحبني، أهلاً بيه. واللي يحب فلوسي، ربنا يرزقه من غير ما يوجعني».
رانيا بدأت تجمع الأوراق.


