روايات وقصص

جاين ناخد حقنا حكايات صافي هاني

الغريب إن الخطاب ماكانش فيه كلمة واحدة عن أمه، ولا عن العشرة اللي بينا، ولا عن السنين اللي قضيناها سوا.

كان كله غضب واتهامات، كأن أبوه اللي شال عنه مسؤولية البيت بعد وفاة أمه، واشتغل ليل ونهار عشان يعلّمه ويجهزه للحياة، كان مجرد خزنة فلوس رفضت تفتح.

قفلت الخطاب، وحطيته في الظرف، وسمعت جرس الباب.

بصيت في الساعة.

تسعة إلا خمس دقايق.

الموعد اللي اتفقنا عليه.

قمت وفتحت الباب.

حسام دخل الأول، لابس قميص غالي وساعة لامعة، ووراه جيهان اللي كانت شايلة شنطتها، وبعدهم فوزية اللي دخلت وهي بتتكلم في التليفون، كأنها داخلة فندق مش بيت راجل غريب عنها بقالها تلاتاشر سنة.

قالت جيهان وهي بتبص حوالين الصالة:

«إحنا فكرنا طول الليل في موضوع الأوض. أنا شايفة إن الأوضة الكبيرة تبقى لينا، وأوضة المكتب تتحول لأوضة لفوزية، وإنت ممكن تنقل حاجتك للأوضة الصغيرة اللي تحت».

بصيت لها بهدوء.

«صباح الخير الأول يا جيهان».

اتكسفت لحظة، لكنها سرعان ما ابتسمت ابتسامة مصطنعة.

«صباح الخير يا عمي. معلش، إحنا متوترين من موضوع الانتقال، وإنت عارف بقى ظروفنا».

حسام قعد على الكنبة، ومد رجليه قدامه.

«فين المحامية؟»

قلت له:

«في الطريق. تحبوا تشربوا حاجة؟»

فوزية ردت بسرعة:

«قهوة، بس من غير سكر. وبالمناسبة، عندك حد يساعد في البيت؟ لأن الشقة كبيرة ومحتاجة ترتيب، وإحنا مش هنقدر نعيش وسط الفوضى دي».

ما رديتش.

دخلت المطبخ، عملت القهوة، وحطيت معاها كوبايات مياه، ورجعت لقيت حسام فاتح درج الترابيزة الجانبية وبيبص في محتوياته.

قلت له:

«بتدور على حاجة يا حسام؟»

قفل الدرج بسرعة.

«لا يا بابا، كنت بدور على قلم».

بابا.

الكلمة اللي ما سمعتهاش منه من تلاتاشر سنة، رجعت فجأة على لسانه بسهولة غريبة.

حطيت الصينية على الترابيزة، وقعدت في الكرسي المقابل له.

«غريبة».

بص لي باستغراب.

«إيه اللي غريبة؟»

«إنك لسه فاكر الكلمة».

وشه اتغير، وجيهان تدخلت بسرعة.

«يا عمي، إحنا مش جايين نتخانق. اللي فات فات، وإحنا عايزين نفتح صفحة جديدة».

قلت لها:

«الصفحة الجديدة بتبدأ لما الواحد يعترف بالصفحة القديمة، مش لما يمزقها وينكر إنها كانت موجودة».

حسام خبط بإيده على الترابيزة.

«إنت هتفضل تعايرنا بالماضي؟! إحنا جايين نتصالح، مش جايين نتحاكم!»

في اللحظة دي، جرس الباب رن.

قمت وفتحت.

كانت الأستاذة رانيا، المحامية بتاعتي، ست في أوائل الخمسينات، هادية في كلامها، قوية في موقفها، وما بتتكلمش كلمة إلا وهي عارفة معناها.

دخلت وهي شايلة حقيبة جلد كبيرة، وسلمت علينا جميعًا.

حسام وقف ومد إيده لها بثقة.

«أهلاً يا أستاذة رانيا. أنا حسام إبراهيم منصور، ابن الأستاذ إبراهيم. أكيد والدي بلغك إني رجعت، وإننا محتاجين نرتب موضوع الميراث والأملاك».

رانيا بصت له لحظة، وبعدها سلمت عليه سلامًا رسميًا.

«أيوه، والدك بلغني بزيارتكم».

قعدت وفتحت حقيبتها، وطلعت ملف أزرق، وبعده ملف أسود، وبعده ظرف أصفر.

لما حسام شاف الظرف الأصفر، ضحك وقال:

«إيه ده؟ وصية؟»

رانيا ردت بهدوء:

«لأ، ده خطاب».

سكتت لحظة، وبعدين بصت له مباشرة.

«خطاب كتبه حضرتك بنفسك من تلاتاشر سنة».

الابتسامة اختفت من على وشه.

جيهان بصت له بسرعة، وفوزية حطت فنجان القهوة على الترابيزة.

حسام حاول يتماسك.

«خطاب إيه؟»

مديت إيدي، وأخدت الظرف، وحطيته قدامه.

«الخطاب اللي قلت لي فيه إنك مش ابني، وإنك مش عايز تشوفني، وإنك لو خلفت مش هتخليني أشوف ولادك».

جيهان شهقت.

«إنت محتفظ بالكلام ده لحد دلوقتي؟!»

بصيت لها.

«أيوه. احتفظت بيه زي ما احتفظت بكل حاجة حصلت في اليوم ده».

حسام مسك الظرف، فتحه، وبدأ يقرا. كل ما عينه تنزل على سطر، ملامحه كانت بتتغير.

ولما وصل لآخر جملة، رمى الخطاب على الترابيزة وقال:

«كنت متعصب! الناس بتقول كلام وهي متعصبة، مش معنى كده إنك تفضل ماسك فيه طول عمرك».

رانيا ردت قبل ما أتكلم.

«صحيح، الناس ممكن تقول كلام وهي متعصبة. لكن حضرتك مش بس كتبت خطاب، حضرتك نفذت اللي فيه لمدة تلاتاشر سنة كاملة».

حسام بص لها بحدة.

«حضرتك محامية والدي، مش محاميتي. من فضلك خليكي في شغلك».

رانيا ابتسمت ابتسامة خفيفة.

«وده بالضبط اللي بعمله. شغلي إني أوضح للأستاذ إبراهيم حقوقه والتزاماته، وأتأكد إن أي قرار يخص ممتلكاته يتم بإرادته الحرة، بعيد عن الضغط أو التضليل».

فوزية دخلت في الكلام.

«إحنا مش ضاغطين عليه! ده أبونا، ودي عيلته. وبعدين الراجل عنده واحد وسبعين سنة، يعني الطبيعي إن ابنه يكون جنبه ويساعده ويدير أملاكه».

رانيا فتحت الملف الأزرق.

«خلينا نتكلم في الوقائع. الأستاذ إبراهيم باع شركته من فترة قريبة، والصفقة تمت بموجب عقد قانوني، والمبلغ المتفق عليه أربعة ملايين دولار. لكن مهم جدًا نفهم إن بيع الشركة مش معناه إن المبلغ كله موجود في حساب شخصي جاهز للتوزيع، لأن فيه التزامات مالية وتسويات ومصاريف مرتبطة بالصفقة».

حسام مال بجسمه لقدام.

«ماشي، بس في الآخر الفلوس بتاعته. وأنا ابنه الوحيد، صح؟»

رانيا بصت لي، وبعدها رجعت بصت له.

«من الناحية القانونية، صلة القرابة وحدها لا تعني إن أي شخص يقدر يطالب بفلوس والد حي لمجرد إنه ابنه. الأستاذ إبراهيم هو صاحب أمواله، وله حق التصرف فيها في حياته وفقًا للقانون».

حسام اتنحنح.

«يعني إيه؟ إحنا جايين نعرف نصيبنا، مش جايين نسمع درس قانون».

رانيا سحبت ورقة من الملف.

«وده اللي هنتكلم فيه. لكن قبل أي حاجة، الأستاذ إبراهيم طلب مني أقرأ عليكم مجموعة من الوقائع، لأنه عايز يبقى كل شيء واضح من البداية».

بصيت لحسام.

«أنا مش عايز أظلمك يا ابني. لكن مش هقبل إن حد يظلمني مرة تانية، حتى لو كان ابني».

حسام هز راسه بسخرية.

«اتفضل يا بابا، ورينا إحنا ظلمناك إزاي».

رانيا فتحت الملف الأسود، وطلعت منه كشفًا قديمًا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى