
«حسام ما يعرفش إني جيت النهارده. لكنه عرف إن مريم كلمتك، وهو من يومين بيسألها عن رقم تليفونك».
بصيت لها.
«وليه ما اتصلش بنفسه؟»
قالت:
«مش عارفة. بس امبارح سمعته بيتكلم مع فوزية في التليفون، وكان بيقول لها إن لازم الموضوع يتخلص بسرعة قبل ما تحصل تغييرات في أملاكك».
رجع الصمت بينا.
أنا ما كنتش عايز أصدق إن ابني ممكن يوصل لدرجة إنه يعتبر رجوع أحفادي جزءًا من معركة على الأموال.
لكن ما كانش ينفع أتجاهل الكلام.
قلت لها:
«أنا مش همنع مريم تيجي، ومش هخلي الخلافات دي تحرمها مني مرة تانية. لكن لازم نبقى واضحين مع بعض. أي حاجة تخص الفلوس أو القضايا، خليها بعيد عن البنت».
أمها هزت راسها.
«أنا موافقة. وده اللي أنا عايزاه كمان».
لما مريم رجعت، طلبت مني أشوف صور زينب.
طلعت الألبوم القديم، وقعدنا نتفرج على الصور واحدة واحدة.
حكيت لها عن جدتها، وعن طيبتها، وعن إنها كانت بتحب تزرع الريحان في الشباك، وإنها كانت بتعمل أحسن فطير في الدنيا، وإنها كانت دايمًا تقول إن البيت من غير ضحك العيال يبقى ناقص.
مريم كانت بتسمع باهتمام، وكل شوية تسألني سؤال جديد.
وفي آخر الزيارة، قبل ما تمشي، وقفت عند الباب وقالت:
«جدو، ينفع أجيلك الجمعة الجاية؟»
ابتسمت.
«ينفع يا حبيبتي. تعالي أي وقت تحبيه، طول ما إحنا متفقين مع مامتك».
حضنتني مرة تانية، وخرجت.
بعد ما الباب اتقفل، رجعت قعدت على الكنبة، وبصيت للرسم اللي سابتهولي.
لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن البيت مش فاضي زي الأول.
لكن فرحتي ما كملتش.
لأن في نفس الليلة، حسام اتصل بيا.
رديت بعد الرنة التالتة.
«ألو».
جالي صوته حادًا:
«مريم كانت عندك؟»
ما حاولتش أراوغ.
«أيوه».
«إنت إزاي تسمح لنفسك تتواصل مع بنتي من ورايا؟!»
استغربت من السؤال.
«بنتك هي اللي اتصلت بيا، وهي اللي طلبت تشوفني. وأنا ما أجبرتهاش على حاجة».
«إنت بتلعب في دماغها وبتحاول تقلبها عليّ!»
قلت له:
«حسام، دي بنتك وحفيدتي. أنا مش عايز أقلبها عليك، ولا عايزها تختار بينا. أنا عايز أعرفها وبس».
صوته على.
«إنت عارف كويس إن أنا مش موافق على الكلام ده!»
لأول مرة، حسيت إن غضبي أقوى من حزني.
«وإنت من إمتى بتسألني أنا موافق ولا لأ؟ من تلاتاشر سنة إنت قررت تقطعني، وقررت تحرمني من أولادك، وقررت ما تجيش حتى لما أمك توفيت. وأنا احترمت قرارك رغم إنه كسرني. دلوقتي حفيدتي عايزة تعرفني، إنت ليه عايز تمنعها؟»
سكت لحظة، وبعدها قال:
«عشان إنت بتستغل ضعفها عشان تنتقم مني».
«لو كنت عايز أنتقم منك، كنت خليت مريم تسمع كل اللي حصل بينا. لكن أنا ما قلتلهاش غير الحقيقة، وإنها مالهاش ذنب في خلافنا».
«الحقيقة؟! الحقيقة إنك رفضت تساعدني وأنا كنت محتاجك!»
قلت له:
«أنا رفضت أديك مليون جنيه من غير خطة واضحة، لكن عرضت أساعدك تبدأ مشروعك بطريقة تضمن إنك ما تخسرش كل حاجة. إنت اللي رفضت. وده كان خلافنا. مش معنى كده إني رفضتك كابن».
صوته بدأ يهدى، لكنه ظل غاضبًا.
«إنت عايز إيه مني دلوقتي؟»
السؤال ده كان نفسي أسمعه من سنين.
كنت ممكن أطلب منه اعتذارًا، أو أطلب منه يعترف إنه غلط، أو أطلب منه يزور قبر أمه ويقول لها إنه ندمان.
لكن لما جه وقت الإجابة، ما لقيتش في قلبي غير كلمة واحدة.
«عايزك تبطل تعتبرني خصمك يا حسام».
ما ردش.
كملت:
«أنا مش داخل معاك سباق، ومش عايز آخد منك حاجة. أنا أبوك. ولو كنت عايز ترجع علاقتنا، أنا مش هقفل الباب في وشك. لكن لازم تبقى عارف إن الرجوع مش معناه إنك تمسح اللي فات بكلمتين، ولا إنك تدخل بيتي وتقرر إنك صاحبه».
قال بصوت واطي:
«إنت لسه بتتكلم كأنك الضحية الوحيدة».
حسيت بوجع، لكني رديت بهدوء:
«لأ. يمكن إنت كمان اتوجعت، ويمكن كنت شايف إني ما وقفتش جنبك بالشكل اللي كنت محتاجه. لو ده إحساسك، كنت مستعد أسمعه منك من أول يوم. لكنك اخترت الغياب. وأنا مش هقدر أرجع الزمن عشان أغير اختيارك».
سمعت صوته وهو بيتنفس بعصبية.
وبعدين قال:
«خلي بالك من نفسك يا إبراهيم».
وقفل الخط.
فضلت ماسك التليفون شوية، وأنا مش عارف أفرح إننا اتكلمنا، ولا أحزن إن حتى المكالمة دي انتهت بنفس الطريقة.
بعدها بأيام، جالي اتصال من رانيا.
«أستاذ إبراهيم، لازم نتقابل النهارده».
روحت مكتبها، ولقيتها مجهزة مجموعة أوراق.
قالت:
«فيه تطور جديد. محامي حسام بعت طلبات إضافية، وبيطلب الاطلاع على مستندات مرتبطة بالصفقة. وفيه كمان طلب متعلق بفحص حالتك وقدرتك على إدارة شؤونك المالية».
سألتها:
«يعني إيه فحص حالتي؟»
«يعني فيه ادعاء إنك ممكن تكون محتاج مساعدة في اتخاذ القرارات المالية، وده لازم نتعامل معاه بالأدلة والإجراءات القانونية. هنقدم كل المستندات اللي تثبت إنك كنت بتدير الشركة لحد إتمام البيع، وإنك استشرت متخصصين قبل التصرف في الأموال، وإنك فاهم طبيعة الترتيبات اللي عملتها».
بصيت من الشباك.
«رانيا، أنا تعبت. مش من القضايا. من فكرة إن ابني شايفني خطر على فلوسي، مش أبوه».
قالت بهدوء:
«أنا فاهمة إن ده صعب، لكن الأفضل إننا نفصل بين وجعك الشخصي والإجراءات القانونية. هنواجه الادعاءات بهدوء، وفي نفس الوقت مش هنمنع أي فرصة للتصالح لو ظهرت فرصة حقيقية».
وافقت، وبدأنا نجهز المستندات.
وخلال الأيام التالية، حضرت مقابلات، وقدمت بيانات، وجاوبت على أسئلة تخص عملي وقراراتي المالية.
كنت متعبًا، لكنني كنت ثابتًا.
ما كنتش محتاج أثبت إني غني، ولا إن شركتي كانت ناجحة.
كنت محتاج أثبت إن عمري كله ما راحش هدر، وإنني لسه قادر أقرر إزاي أعيش بقية حياتي.
وفي وسط الإجراءات دي، مريم فضلت تتصل بيا كل كام يوم.
مرة تحكي لي عن امتحان الرياضيات، ومرة تسألني عن جدتها، ومرة تبعت لي صورة رسم جديد.
بدأت أجهز لها ركن صغير في الصالة، حطيت فيه ألوان وكراسات رسم، واشتريت لها كتبًا بسيطة عن الرسم والتصميم.
ما كنتش بعمل ده عشان أكسبها في صفي.
كنت بعمله عشان لأول مرة يبقى عندي فرصة أعيش دوري كجد.



