روايات وقصص

جاين ناخد حقنا حكايات صافي هاني

بعد شهر تقريبًا، وصلني خطاب من حسام نفسه.

مش من المحامي.

خطاب مكتوب بخط إيده.

لما شفت اسمي على الظرف، حسيت إن الزمن رجع بيا تلاتاشر سنة، لنفس اليوم اللي استلمت فيه رسالته الأولى.

قعدت على الترابيزة، وفتحت الظرف ببطء.

كان مكتوب فيه:

«بابا،

أنا عارف إنك مش هتصدق الكلام اللي هقوله، ويمكن مش هتصدق إن عندي حاجة أقولها غير الفلوس.

أنا محتاج أقابلك لوحدنا.

مش عايز المحامية تكون موجودة، ومش عايز جيهان أو فوزية يدخلوا في الكلام.

عايز أتكلم معاك عن حاجة حصلت زمان، وحاجة لحد النهارده ما تعرفهاش.

حسام».

قرأت الخطاب مرتين.

حاجة حصلت زمان؟

إيه اللي ممكن يكون حصل وأنا ما أعرفوش؟

اتصلت برانيا، وحكيت لها عن الخطاب.

قالت لي:

«لو قررت تقابله، قابلْه في مكان تختاره إنت، وخلي بالك إن أي كلام عن الإجراءات القانونية يفضل من خلال المحامين. لكن من الناحية الإنسانية، القرار يرجع لك».

فكرت طول الليل.

جزء مني كان خايف يكون الخطاب مجرد محاولة جديدة للضغط عليّ.

وجزء تاني، رغم كل اللي حصل، كان عايز يسمع ابنه.

في الصبح، اتصلت بحسام.

«وصلني خطابك».

رد بسرعة، كأنه كان مستني المكالمة.

«ممكن نتقابل؟»

«فيه مكان قريب من بيتنا، كافيه هادي. نتقابل هناك بكرة الساعة خمسة».

وافق من غير نقاش.

تاني يوم، وصلت قبل الموعد بعشر دقايق.

اخترت ترابيزة بعيدة عن الزحمة، وطلبت قهوة، وفضلت أبص للباب.

لما حسام دخل، كان شكله مختلف عن آخر مرة شفته فيها.

ما كانش لابس الساعة اللامعة، ولا القميص الغالي. كان لابس قميص بسيط، ووشه مرهق، وتحت عينيه سواد واضح.

قعد قدامي، وفضل ساكت شوية.

وبعدين قال:

«إزيك يا بابا؟»

كانت أول مرة من شهور يقولها بالطريقة دي.

رديت:

«الحمد لله».

حسام بص لفنجان القهوة قدامه.

«أنا عارف إني غلطت في حاجات كتير».

ما اتكلمتش.

كمل:

«وعارف إنك مش هتسامحني بسهولة. بس أنا محتاج أشرح لك ليه حصل اللي حصل».

قلت له:

«أنا هسمعك يا حسام. اتكلم».

رفع عينه لي، وقال:

«فاكر اليوم اللي طلبت منك فيه المليون جنيه؟»

«فاكره».

«أنا وقتها كنت داخل في مشروع مع واحد صاحبي. كنت متأكد إننا هنكسب، وكنت شايف إنك لو ساعدتني هبقى قادر أبدأ حياتي من غير ما أفضل محتاج لك».

هزيت راسي.

«أنا كنت فاهم ده. لكن كنت محتاج أشوف دراسة واضحة للمشروع».

«أنا وقتها ما كنتش عايز أسمع أي كلام عن دراسة أو مخاطر. كنت شايف إنك بتختبرني، وإنك مش واثق فيّ».

قلت له:

«كان من حقك تزعل، وكان من حقك تناقشني. لكن مش من حقك تمسحني من حياتك».

نزل عينيه.

«عارف».

سكت شوية، وبعدها قال:

«المشروع فشل قبل ما يبدأ. صاحبي انسحب، وفلوسي اللي كنت حوشتها راحت في مقدمات ومصاريف. أنا ما قلتلكش، لأنني كنت مكسوف. وبعدها جيهان وأمها فضلوا يقولوا لي إنك لو كنت ساعدتني، ما كنتش وصلت للحال ده».

بصيت له باهتمام.

«بس أنا كنت لسه موجود يا حسام. لو كنت قلت لي إنك خسرت، كنت ساعدتك تقوم على رجلك».

قال بصوت منخفض:

«عارف دلوقتي».

كمل بعد لحظة:

«لما أمك توفيت، أنا عرفت. كنت واقف قدام باب البيت، يوم العزاء».

حسيت إن جسمي كله اتجمد.

«إيه؟»

حسام رفع عينه، وكان فيها دموع.

«أنا جيت يا بابا. جيت يوم العزاء، لكن ما دخلتش».

ما قدرتش أتكلم.

قال:

«كنت واقف بعيد، وشفت الناس داخلة وخارجة. كنت شايفك من بعيد، واقف جنب الباب، ووشك متغير. كنت عايز أدخل، لكن فوزية كانت معايا في العربية، وقالت لي إنك لو شفتني هتذلني، وإنك هتقول لي إني رجعت عشان محتاج حاجة. وأنا… أنا خفت».

حسيت إن قلبي بيتقطع من جديد.

«إنت كنت هناك؟»

هز راسه.

«أيوه».

«وأنا كنت مستنيك كل دقيقة».

غطى وشه بإيده.

«عارف. وعارف إن مفيش عذر يبرر اللي عملته».

فضلت ساكتًا وقت طويل.

كنت بحاول أستوعب إنه كان قريب مني في اليوم اللي ودعت فيه زوجتي، وإنه اختار يفضل بعيدًا رغم إنه كان قادر يدخل ويقف جنبي.

قلت له أخيرًا:

«أنا كنت محتاجك يا حسام. مش عشان تساعدني في مصاريف العزاء، ولا عشان تشيل معايا مسؤولية. كنت محتاج أشوفك. كنت محتاج أحس إن زينب سابت لي جزء منها، وإننا لسه عيلة».

دموعه نزلت.

«أنا آسف يا بابا».

كانت أول مرة أسمع الاعتذار ده منه.

لكن الاعتذار، مهما كان صادقًا، ما كانش قادر يمسح كل حاجة في لحظة.

قلت له:

«أنا سمعتك. ومش هقول لك إني نسيت، لأنني ما نسيتش. لكني مستعد أديك فرصة نبدأ من جديد، لو إنت فعلًا عايز ده».

هز راسه بسرعة.

«أنا عايز».

سألته:

«طيب، ليه رجعت بعد بيع الشركة؟»

اتغيرت ملامحه، وبص بعيد.

«لأنني عرفت إنك بقيت معاك فلوس كتير، وخفت تضيع من إيدي فرصة إني أأمن مستقبل أولادي».

قلت له:

«مستقبل أولادك مسؤوليتك إنت، وأنا مستعد أساعدهم لو قدرت، لكن مش على حساب حقي في حياتي وقراراتي».

قال بسرعة:

«أنا مش عايز أحرمك من حقك».

بصيت له طويلًا.

«لكن طلباتك القانونية كانت بتطرح ادعاءات عن قدرتي على إدارة أموالي. إزاي أفهم ده؟»

اتنهد، وسكت.

وبعد لحظة، قال:

«فوزية هي اللي أصرت إننا نتحرك بالطريقة دي. قالت لي إنك لو بدأت توزع فلوسك أو تعمل ترتيبات جديدة، ممكن مايبقاش لينا حاجة بعدين. وقالت إن لازم نتحرك قبل ما يفوت الأوان».

سألته:

«وإنت وافقت؟»

هز راسه ببطء.

«أيوه».

الكلمة نزلت عليّ تقيلة.

«ليه يا حسام؟»

قال بصوت مكسور:

«لأنني كنت خايف. وخفت أكتر لما شفتك بتعاملني كأنك مش واثق فيّ. بدل ما أواجه نفسي، حاولت أضمن مستقبلي بالطريقة الغلط».

قلت له:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى