
«إنت كنت تقدر تطلب مني نقعد ونتكلم. كنت تقدر تقول لي إنك خايف على أولادك، وإنك محتاج تطمن على مستقبلك. لكنك اخترت تدخل من باب القانون وتطرح ادعاءات عن أهليتي».
هز راسه.
«عارف».
فضلنا قاعدين شوية من غير كلام.
وبعدين قلت له:
«أنا مش هسحب الإجراءات القانونية لمجرد إننا اتكلمنا. لازم كل حاجة تتراجع بشكل صحيح، وأي قرار هيتاخد هيكون بعد ما أفهم حقوقي وواجباتي. لكن ده ما يمنعش إننا نحاول نصلح علاقتنا».
حسام وافق.
ولما قمنا نمشي، وقف قدامي مترددًا.
«ممكن أحضنك يا بابا؟»
ما رديتش بالكلام.
فتحت دراعي، وهو قرب وحضني.
كان حضنًا قصيرًا ومربكًا، لكنه كان أول حضن بينا من تلاتاشر سنة.
ولما بعد، قال:
«أنا مش هطلب منك فلوس تاني».
قلت له:
«أنا مش طالب منك وعد كبير. أنا طالب منك الصدق، وإنك ما تستخدمش علاقتنا وسيلة عشان توصل لحاجة».
هز راسه، ومشي.
رجعت البيت، ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن فيه احتمال إن الحكاية ما تكونش انتهت بالكامل.
لكنني كنت عارف إن الطريق لسه طويل.
بعد المقابلة بيومين، رانيا طلبت مني أحضر اجتماعًا في مكتبها.
كان فيه محامي حسام، ومعاه حسام نفسه.
دخلنا الاجتماع، وبدأت رانيا تراجع الطلبات المقدمة في الدعوى، وتوضح المستندات اللي هنقدمها ردًا عليها.
حسام كان ساكتًا معظم الوقت.
وفي نهاية الاجتماع، طلب الكلام.
قال:
«أنا عايز أثبت إني مش هكمل في أي إجراء هدفه الضغط على والدي، وإن أي خلاف بينا لازم يتعامل معاه بشكل قانوني سليم، من غير ادعاءات غير مدعومة».
محاميه بص له، وبعدها قال:
«هنراجع الصياغة والإجراءات المطلوبة، وأي خطوة هتتم رسميًا وفق القانون».
رانيا ردت:
«ده أفضل مسار. المهم إن أي تراجع أو تعديل في الطلبات يتم بالطريقة القانونية الصحيحة، وإن حقوق كل الأطراف تفضل محفوظة».
ما انتهتش القضية في اليوم ده، وما كانش فيه قرار سحري يمسح كل الخلافات.
لكن كان فيه تغيير في طريقة الكلام.
ولأول مرة، حسام بدأ يتحمل مسؤولية اختياراته بدل ما يرميها كلها على الآخرين.
في الجمعة اللي بعدها، مريم جت تزورني.
المرة دي، حسام هو اللي جابها.
لما فتح الباب، لقيته واقف وراها، ماسك علبة حلوى صغيرة.
قال:
«صباح الخير يا بابا».
رديت:
«صباح النور. اتفضلوا».
مريم دخلت جري على ركن الرسم، وهي بتحكي لي عن لوحة جديدة بدأت ترسمها.
أما حسام، ففضل واقف عند الباب لحظة، وبعدها دخل وقعد.
ما اتكلمناش عن الفلوس.
ما اتكلمناش عن الدعوى.
قعدنا نشرب الشاي، وسمعنا مريم وهي بتحكي عن المدرسة، وبعدها حسام سألني عن الشركة، وعن الناس اللي كانوا شغالين معايا.
لما سألني عن الشركة، ما حسيتش إنه بيحاول يعرف قيمة حاجة أو تفاصيل حسابات.
كان بيسأل عن حياتي، عن السنين اللي فاتته، وعن الحاجات اللي كنت بعملها بعيدًا عنه.
حكيت له عن أول فرع فتحته، وعن أول خسارة كبيرة واجهتني، وعن الليالي اللي كنت بنام فيها على المكتب، وعن زينب وهي بتبعت لي الأكل في علبة صغيرة عشان ما أنساش آكل.
حسام كان بيسمع في صمت.
وبعدين قال:
«أنا ما كنتش أعرف إنك تعبت كل ده».
بصيت له.
«لأنك ما سألتش».
نزل عينيه، وقال:
«عندك حق».
كانت جملة بسيطة، لكنها كانت مختلفة عن كل المرات اللي حاول فيها يبرر غيابه.
قبل ما يمشي، وقف قدام صورة زينب المعلقة على الحائط.
فضل يبص لها طويلًا.
وبعدين قال بصوت واطي:
«وحشتيني يا أمي».
ما علقتش.
سيبته يقف قدام صورتها، لأن فيه أحزان ما ينفعش حد يتدخل فيها.
بعد شوية، لف ناحيتي.
«بابا، ممكن أجيلك لوحدي يوم من الأيام؟»
قلت له:
«ده بيتك لو جاي تزورني باحترام. مش محتاج تستأذن مني كأنك غريب».
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ولما خرجوا، فضلت واقف عند الباب لحد ما اختفوا من آخر الشارع.
ما كنتش عارف إذا كنا هنقدر نرجع زي الأول، أو إذا كانت الجروح أكبر من قدرتنا على إصلاحها.
لكنني عرفت إنني مش هقفل الباب في وجه فرصة حقيقية.
وفي الوقت نفسه، مش هفتح باب حياتي المالية لأي حد لمجرد إنه رجع يطرق الباب.
مرت شهور.


