روايات وقصص

اماني السيد

ـ سيبي الأكل عليا النهارده يا طنط، أنا هساعدك.

بصتلي باستغراب.

ـ إنت هتطبخ؟

ضحكت وقلت:

ـ هحاول. ولو الأكل باظ، نطلب من بره.

ابتسمت لأول مرة من يوم المشكلة.

دخلت المطبخ، وبدأت أقطع الخضار وأحضر الأكل على قد ما أقدر.

مريم كانت بتبص لنا من بعيد، ولما دخلت عليها بالطبق، قالت:

ـ إنت اللي عامل ده؟

قلت بفخر مصطنع:

ـ أيوه، بإيدي دول.

أخدت لقمة، وسكتت لحظة، وبعدين بصتلي وقالت:

ـ محتاج تتدرب شوية.

ضحكت، وضحكت هي كمان.

كانت ضحكة بسيطة، لكنها رجعت لي أمل إننا ممكن نصلح اللي اتكسر بينا.

بعدها بأسبوع، مريم بدأت تتحسن تدريجيًا، وبقت تتحرك براحة أكتر، لكني ما طلبتش منها ترجع البيت.

كنت عايزها هي اللي تاخد القرار من غير ضغط.

في الوقت ده، أمي ما كانتش ساكتة.

كل يوم تقريبًا كانت تتصل بيا وتسألني:

ـ مراتك هترجع إمتى؟

وأنا كنت أرد:

ـ لما تكون مستعدة.

فتقول:

ـ يعني أنا هفضل محرومة من حفيدي؟

كنت أقول لها:

ـ إنتِ مش محرومة منه يا أمي، تقدري تشوفيه لما نتفق على زيارة مناسبة، ومريم تكون مرتاحة.

لكنها كانت بتقفل المكالمة وهي متضايقة.

وفي يوم الجمعة، قالت لي إنها عايزة تيجي معايا تزور مريم وتشوف حفيدها.

فرحت في البداية، وقلت يمكن دي بداية الصلح.

اتصلت بمريم وسألتها إذا كانت موافقة.

سكتت شوية، وبعدين قالت:

ـ أنا مش همنعها تشوف حفيدها، لكن يا أحمد، أنا مش مستعدة أسمع لوم أو كلام يوجعني. لو هي جاية تزورنا، أهلًا وسهلًا، لكن لو جاية عشان نفتح نفس الخناقة، يبقى الأفضل نأجل الزيارة.

نقلت لها الكلام، وأمي قالت إنها جاية عشان تشوف حفيدها وبس.

وصلنا بيت حماتي بعد الضهر.

مريم كانت قاعدة في الصالة، والبيبي في حضنها.

أمي دخلت، وبمجرد ما شافت الطفل، ملامحها اتغيرت.

قربت منه وقالت:

ـ يا حبيبي يا ابن أحمد، وحشتني يا روح تيتة!

مريم مدت إيدها وسلمت عليها بهدوء.

أمي أخدت الطفل، وفضلت تبوسه وتكلمه، وبعد شوية قالت:

ـ هو شبه أحمد أوي، نفس عينيه ونفس مناخيره.

ابتسمت مريم وقالت:

ـ ربنا يخليه.

لحد هنا، الزيارة كانت ماشية كويس.

لكن بعد دقائق، أمي بصت لمريم وقالت:

ـ طيب يا بنتي، بما إنك بقيتي أحسن، هترجعي بيتك إمتى؟

مريم بصتلي، وأنا تدخلت قبل ما ترد.

قلت:

ـ يا أمي، إحنا جايين نزور بعض ونفرح بالبيبي، مش عايزين نفتح موضوع الرجوع دلوقتي.

أمي اتضايقت.

ـ أنا بسأل سؤال عادي!

قلت:

ـ وأنا بجاوبك، لما مريم تكون مستعدة هنتكلم.

حماتي كانت قاعدة ساكتة، ومريم نزلت عينيها لابنها.

أمي فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:

ـ طيب، أنا عايزة أقول حاجة. أنا عارفة إن مريم زعلت من كلامي يوم السبوع، ويمكن أنا اتعصبت زيادة، بس أنا كمان كنت مضغوطة، وكنت عايزة أفرح بحفيدي زي أي جدة.

مريم رفعت عينيها لها.

أمي كملت:

ـ وأنا مش هقول إني ما غلطتش، بس مش عايزة الموضوع يفضل بينا بالشكل ده.

كنت مستني مريم تبتسم وتنهي الخلاف، لكنها قالت بهدوء:

ـ يا طنط، أنا مش زعلانة إنك عايزة تفرحي بحفيدك، بالعكس، أنا كنت أتمنى إنك تكوني أول واحدة تساعدني وأفرح بيكي. لكن اللي وجعني إنك اعتبرتي تعبي كسل، ووجود أمي جنبي إهانة ليكي.

أمي حاولت ترد، لكن مريم كملت:

ـ أنا مش عايزة أبقى سبب في بعد أحمد عنك، ومش عايزة ابننا يكبر وهو حاسس إن لازم يختار بين أمه وجدته. لكن في نفس الوقت، أنا مش هقدر أرجع أعيش في نفس الظروف اللي خلتني أخرج من بيتي وأنا لسه تعبانة.

أمي سألتها:

ـ يعني إنتِ عايزة إيه بالظبط؟

مريم ردت:

ـ عايزة لما أكون تعبانة، ألاقي حد يرحمني بدل ما يلومني. وعايزة لما أقول إني مش قادرة أعمل حاجة، كلامي يتسمع من غير ما أضطر أبرر نفسي ألف مرة. وعايزة أحمد يبقى شريك معايا في بيته، مش مجرد شخص بيطلب مني أعمل اللي يريح الناس.

أمي بصتلي، وكأنها مستنية مني أقول إن مريم بتبالغ.

لكن المرة دي، ما سكتش.

قلت:

ـ مريم عندها حق يا أمي. وأنا كمان غلطت. لو كنا سمعناها من الأول، ما كانش حصل كل ده.

أمي نزلت عينيها للحظة، وبعدها قالت:

ـ أنا مش متعودة إن حد يكلمني بالطريقة دي.

مريم ردت:

ـ وأنا مش متعودة أطلب المساعدة وأحس إني مذنبة.

ساد الصمت.

البيبي بدأ يعيط، فأخدته مريم من حضن أمي، وبدأت تهديه.

أمي فضلت تبص لهم، وبعد شوية قالت بصوت أوطى:

ـ هو أنا ممكن أشوفه تاني بكرة؟

مريم رفعت عينيها لها.

ـ طبعًا يا طنط، بس اتصلي قبل ما تيجي عشان نكون مستعدين.

أمي هزت راسها، وقامت تستعد للمشي.

وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب وقالت لمريم:

ـ خلي بالك من نفسك يا بنتي.

ما كانتش اعتذارًا كاملًا، لكنها كانت أول جملة حنينة أسمعها منها من فترة طويلة.

بعد ما أمي مشيت، مريم فضلت ساكتة.

قعدت جنبها وقلت:

ـ أنا فخور بيكي.

بصتلي باستغراب.

ـ فخور بيا ليه؟

ـ عشان اتكلمتي بهدوء، وقلتي اللي مضايقك من غير ما تجرحي حد.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:

ـ أنا مش عايزة أجرح حد يا أحمد. أنا بس مش عايزة أجرح نفسي كل مرة عشان أرضي الناس.

مسكت إيدها، والمرة دي ما سحبتهاش.

بعدها بأيام، قعدنا نتكلم عن رجوعها للبيت.

قالت لي إنها موافقة ترجع، لكن بشرط إننا نتفق على شوية حاجات واضحة.

قلت لها:

ـ قولي اللي إنتِ عايزاه، وأنا هسمعك.

قالت:

ـ أول حاجة، أنا وابني مسؤوليتنا مشتركة. مش معنى إني الأم إن كل حاجة تبقى عليا، خصوصًا لما أكون تعبانة أو محتاجة أنام.

قلت:

ـ موافق.

ـ تاني حاجة، زيارات الأهل تكون بالاتفاق بينا، سواء أهلك أو أهلي. ومحدش يطلب من حد يمنع أمه أو أبوه من الزيارة لمجرد إنه زعلان.

قلت:

ـ موافق.

ـ تالت حاجة، إحنا ساكنين في الدور التاني، وده بيتنا. أنا هحترم أمك، وهتعامل معاها كويس، لكن مش هبقى مطالبة أنزل كل يوم أقعد معاها أو أشارك في شغل بيتها. ولو حبيت أساعدها، هساعدها بمزاجي ومن غير ضغط.

هزيت راسي.

ـ عندك حق.

مريم بصتلي بتركيز وقالت:

ـ وفي حاجة أخيرة، يا أحمد. أنا مش عايزة توافق على كل ده دلوقتي عشان ترجعني، وبعد شهر نرجع لنفس المشاكل.

قلت:

ـ مش هعمل كده.

ردت:

ـ أنا مش محتاجة وعود كبيرة. أنا محتاجة أشوف أفعال صغيرة وثابتة.

وافقت، واتفقنا إنها ترجع بعد ما تكمل فترة الراحة اللي الدكتور حددها.

وفي يوم رجوعها، نزلت أمي تقف عند باب الشقة.

كنت خايف يحصل خلاف جديد، لكن مريم دخلت وهي شايلة ابننا، وسلمت على أمي.

أمي قربت منها وقالت:

ـ حمد لله على سلامتك يا بنتي.

مريم ردت:

ـ الله يسلمك يا طنط.

أمي بصت للطفل، وبعدها قالت:

ـ أنا عملت له شوية هدوم صغيرة، لو حبيتي تلبسيه منها.

مريم ابتسمت وقالت:

ـ تسلم إيدك، أكيد هنلبسه منها.

كان الجو هادي، وكلنا كنا بنحاول نبدأ من جديد.

لكن بداية جديدة مش معناها إن كل حاجة بقت مثالية.

في أول أسبوع بعد رجوع مريم، أمي اتصلت بيا في يوم وأنا في الشغل، وقالت إنها عايزاني أنزل أجيب لها دواء من الصيدلية.

قلت لها:

ـ حاضر يا أمي، هعدي عليكي وأنا راجع.

قالت:

ـ وخلي مريم تنزل تقعد معايا شوية لحد ما تيجي.

قلت:

ـ يا أمي، مريم لسه بتتعافى، ولو حابة تقعد معاكي هتنزل لما تكون قادرة.

اتضايقت وقالت:

ـ يعني حتى طلب بسيط بقى صعب؟

كنت هسكت زي كل مرة، لكني افتكرت اتفاقي مع مريم.

قلت:

ـ لو محتاجة حاجة ضرورية، أنا هجيبها لك. لكن ما ينفعش نضغط عليها عشان تنزل وهي مش مستعدة.

أمي قفلت المكالمة.

لما رجعت البيت، لقيت مريم بتجهز العشا، والبيبي نايم.

حكيت لها اللي حصل، وقلت:

ـ أنا ما قلتش لها حاجة تضايقها، بس وضحت لها إنك لسه محتاجة راحة.

مريم بصتلي وقالت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى