
قلت بسرعة:
ـ كنت خايف أزعل أمي.
ردت:
ـ وأنا؟ ما خفتش أزعل؟ ما خفتش أتوجع؟ ما خفتش أحس إني لوحدي في أصعب وقت في حياتي؟
ما قدرتش أتكلم.
كملت:
ـ أنا مش بطلب منك تعادي أمك، ولا تقطع علاقتك بيها. دي أمك، وليها حق عليك. لكن أنا كمان مراتك، وليا حق عليك. مش لازم عشان تبر أمك، تيجي على كرامتي وصحتي.
مديت إيدي ناحية إيدها، لكنها حركت إيدها بهدوء بعيد عني.
الحركة دي كانت أقسى من أي كلام.
قالت:
ـ أنا محتاجة أرتاح يا أحمد.
قمت من مكاني.
ـ حاضر. هسيبك ترتاحي.
قبل ما أخرج، بصيت لها وقلت:
ـ والسبوع هيتأجل، حتى لو كل الناس زعلت. مش هنعمله غير لما تكوني مرتاحة وموافقة.
ما ردتش، لكني شفت دمعة نزلت من طرف عينها.
خرجت من الغرفة وأنا عارف إن الاعتذار مش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.
وفي طريق رجوعي، رن تليفوني.
أمي.
رديت.
ـ أيوه يا أمي.
قالت بحدة:
ـ إنت فين من الصبح؟ وليه ما قلتليش إنك خرجت؟
ـ أنا في المستشفى، مريم تعبانة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
ـ مستشفى؟! هي راحت المستشفى ليه؟!
ـ عشان الجرح بيوجعها، والدكتور قال إنها محتاجة ترتاح.
ردت بسرعة:
ـ أهو ده اللي كنت خايفة منه! أهلها كبروا الموضوع، وعايزين يخلّوها قاعدة عندهم!
اتعصبت لأول مرة وقلت:
ـ يا أمي، محدش كبر الموضوع. مريم تعبانة فعلًا، والدكتور بنفسه قال إنها محتاجة راحة.
ـ يعني إيه؟ هتفضل عند أمها لحد إمتى؟ والسبوع؟ والناس اللي عزمتهم؟
خدت نفس طويل وقلت:
ـ السبوع هيتأجل.
صوتها على فجأة.
ـ إيه؟! إنت بتقول إيه يا أحمد؟!
ـ بقول إننا هنأجل السبوع لحد ما مريم تبقى كويسة.
ـ وأنا رأيي مش مهم؟!
ـ رأيك مهم يا أمي، لكن صحة مراتي وابني أهم من إننا نعمل مناسبة في معادها.
سكتت لحظات، وبعدها قالت بصوت مكسور:
ـ أنا عمري ما توقعت إنك توصل للدرجة دي. واضح إن مراتك قدرت تغيرك عليا.
قفلت عيني وأنا بحاول أسيطر على أعصابي.
ـ محدش غيرني عليكي يا أمي. أنا اللي كنت غلطان، وأنا اللي بحاول أصلح غلطي. ما تحمليش مريم مسؤولية قراري.
قفلت المكالمة بعد ما سلمت عليها، ورجعت البيت.
لما دخلت، لقيت أمي قاعدة في الصالة، وقدامها دفتر صغير، وقلم، وورقة مكتوب فيها أسماء الناس اللي عزمتهم على السبوع.
بصتلي وقالت:
ـ تعالى يا أحمد، اقعد. إحنا لازم نخلص الموضوع ده النهارده.
قعدت قدامها.
قالت:
ـ أنا مش هقبل إن الناس تقول إننا ما عرفناش نعمل سبوع حفيدنا. كل حاجة اتحجزت، والأكل اتطلب، والستات اللي هتيجي يساعدونا اتفقت معاهم. إنت عايزني أرجع في كلامي قدام الناس كلها؟
قلت:
ـ نعتذر لهم ونأجل المناسبة، ومفيش حد هيزعل لو فهم إن مريم تعبانة.
ضحكت بمرارة.
ـ إنت فاكر الناس هتقول إيه؟ هيقولوا إن مراتك مش عايزة تيجي عند حماتها، وإنها عايزة تسيطر عليك.
قلت:
ـ والناس هتقول إيه لو عرفوا إنك ضغطت على مراتي وهي لسه بتتعافى من عملية؟
بصتلي بصدمة، وكأنها أول مرة تسمعني بتكلم بالشكل ده.
ـ إنت بقيت بترد عليا يا أحمد؟
قلت بهدوء:
ـ أنا مش برد عليكي، أنا بحاول أفهمك إن اللي حصل غلط.
قامت من مكانها، ولمت الورق بعصبية.
ـ خلاص، اعمل اللي إنت عايزه. بس من النهارده، ما تستناش مني أساعدك في أي حاجة تخص مراتك.
كنت على وشك أرد، لكني قررت أسيب الكلام لوقت تاني.
طلعت شقتي، وقعدت في الصالة لوحدي.
بعد ساعات، اتصلت بأصحابي اللي كنت عازمهم، واعتذرت لهم عن تأجيل السبوع. بعضهم تفهم، وبعضهم سألني عن السبب، وقلت لهم إن مريم لسه بتتعافى ومش قادرة تستقبل حد.
وبعدين اتصلت بالناس اللي أمي كانت عازماهم.
كنت متوقع إن الموضوع يعدي بهدوء، لكن مكالمة واحدة غيرت كل حاجة.
واحدة من قرايبنا قالتلي:
ـ يا أحمد، أمك كلمتنا من شوية، وقالت إن مراتك رافضة تعمل السبوع، وإنها سابت البيت وراحت عند أمها، وإنك مش عارف تتصرف معاها!
اتجمدت مكاني.
ـ هي قالت لكم كده؟
ـ أيوه، وقالت إنها مش عارفة تشوف حفيدها ولا حتى تدخل شقتكم.
قفلت المكالمة وأنا حاسس إن المشكلة بتكبر، وإن أمي مش مستعدة تتراجع عن موقفها.
كنت عارف إنها زعلانة، لكني ما توقعتش إنها هتتكلم عن مريم بالشكل ده.
قررت إني ما أدخلش معاها في خناقة جديدة، وبدل كده اتصلت بأختي الكبيرة، نهى.
نهى كانت متجوزة وساكنة في مدينة تانية، وكانت أكتر واحدة في إخواتي بتعرف تتكلم مع أمي من غير ما الموضوع يقلب بخناقة.
حكيت لها كل اللي حصل.
سمعتني للآخر، وبعدها قالت:
ـ يا أحمد، إنت عارف إن ماما ساعات لما بتخاف من فقدان السيطرة، بتتعامل بعصبية. بس ده مش معناه إنك تسيبها تظلم مريم.
قلت:
ـ أنا مش عايز أزعلها.
ردت:
ـ ومين قال لك إنك لازم تزعلها عشان تحط حدود؟ تقدر تحبها وتحترمها، وفي الوقت نفسه تقول لها إن في حاجات مش هتقبلها. مريم مش جاية تاخد مكانها في حياتك. مريم ليها مكان مختلف، وواجبك تحافظ على الاتنين من غير ما تخلي واحدة تدوس على التانية.
سكتُّ.
نهى كملت:
ـ وبعدين، إنت فكرت في حاجة؟ لو مريم كانت بنتي، كنت هتقبل إن جوزها يقول لها ما تخليش أمها تزورها وهي تعبانة؟
قلت بصوت واطي:
ـ لا.
ـ أمال ليه قبلت ده على مراتك؟ عشان دي أمك؟ يا أحمد، الأم اللي بتحب ابنها بجد، المفروض تكون عايزة بيته مستقر، مش عايزاه يفضل عايش بين طرفين وكل واحد يشد فيه.
الكلام فضل يرن في ودني بعد ما قفلت معاها.
تاني يوم الصبح، روحت المستشفى ومعايا فطار لمريم، وشوية حاجات للبيبي.
لقيتها أحسن شوية، والدكتور كان مطمن عليها، لكنه أكد ضرورة الراحة والالتزام بتعليماته.
قعدت جنبها، وقلت:
ـ جبت لك فطار، وجبت حاجات للبيبي. ولو محتاجة أي حاجة تانية، قولي لي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها ما كانتش زي ابتسامتها القديمة.
ـ شكرًا يا أحمد.
قلت:
ـ مريم، أنا عارف إنك لسه زعلانة، ومش هضغط عليكي إنك تسامحيني بسرعة. بس أنا عايز أكون موجود، حتى لو مش هترجعي البيت دلوقتي.
بصتلي وقالت:
ـ وجودك مش معناه إنك تجيب حاجات وخلاص يا أحمد. أنا محتاجة أحس إنك شايفني، وإنك فاهم إن أنا كمان ليا حدود.
قلت:
ـ أنا فاهم.
سألتني:
ـ طب لو أمك اتصلت بيك النهارده وقالت لك إني لازم أرجع البيت، هتعمل إيه؟
اترددت لحظة، لكنها لاحظت.
قالت بهدوء:
ـ شايف؟ إنت لسه بتفكر هترضّي مين قبل ما تفكر إنت عايز إيه، وإيه الصح.
نزلت عيني للأرض، وبعدها قلت:
ـ هقول لها إن رجوعك قرارك، وإنك هترجعي لما تكوني مستعدة، وإن محدش له حق يضغط عليكي.
فضلت باصة لي شوية، وكأنها بتحاول تعرف إذا كنت بتقول الكلام عشان أرضيها ولا عشان اقتنعت فعلًا.
وبعدين قالت:
ـ أنا مش عايزة أوعدك إني هرجع بسرعة، ولا عايزة أقول لك إني سامحتك. لكن أنا مقدرة إنك جيت، وإنك بدأت تتحمل مسؤوليتك.
كانت دي أول خطوة صغيرة بينا بعد اللي حصل.
بعد يومين، خرجت مريم من المستشفى، ورجعت بيت أمها عشان تكمل فترة التعافي.
كنت بروح لها كل يوم بعد الشغل، وأقعد مع ابني، وأساعد في تغيير هدومه، وأحاول أتعلم إزاي أحمله من غير ما أقلق إنه صغير أوي.
في الأول، كنت بحس إني غريب وسط التفاصيل دي.
ما كنتش عارف مواعيد رضاعته، ولا إمتى بيحتاج ينام، ولا إزاي أميّز بين عياطه لما يكون جعان ولما يكون محتاج يتغير له.
لكن يوم ورا يوم، بدأت أتعلم.
ومع كل حاجة صغيرة كنت بعملها، كنت بفهم قد إيه مريم كانت شايلة مسؤولية كبيرة لوحدها.
في يوم، وصلت عند حماتي، ولقيت مريم قاعدة على الكنبة، والبيبي نايم في سريره جنبها.
دخلت المطبخ، ولقيت حماتي بتحضر الأكل.
قلت لها:




