
ـ أنا مش قصدي أزعلك، بس اللي حصل النهارده ما كانش لازم يحصل.
أمي رفعت صوتها:
ـ يعني أنا الغلطانة؟ أنا اللي ربيتك وصرفت عليك وعلمتك، وفي الآخر تيجي واحدة من بره تقلبك عليا؟!
الجملة دي كانت دايمًا بتخليني أسكت.
من وأنا صغير، كنت بخاف أزعل أمي. أبويا مات وأنا في أولى جامعة، ومن يومها أمي شالت مسؤولية البيت، وكانت بتفكرني طول الوقت إنها ضحت بعمرها عشاني وعشان إخواتي.
وأنا كنت مقتنع إن برها معناه إني ما أرفضش لها طلب.
لكن لأول مرة، سألت نفسي: هو بر الأم معناه إني أظلم مراتي؟ وهل إرضاء أمي لازم يكون على حساب إنسانة أنا اخترتها بإرادتي، ووعدتها إني أصونها؟
ما جاوبتش نفسي.
دخلت أوضتي، قعدت على السرير، وفتحت تليفوني.
لقيت رسالة من مريم.
كانت صورة لابننا وهو نايم في حضنها، وتحت الصورة كاتبة:
«أنا وصلت عند ماما. ما تقلقش، إحنا كويسين. لما تهدى وتبقى مستعد تتكلم معايا من غير ما تحسسني إني عبء عليك، ابقى كلمني.»
فضلت أبص للرسالة وقت طويل.
كتبت لها: «ارجعي البيت يا مريم، وأنا هتصرف.»
مسحت الرسالة.
كتبت: «أنا آسف.»
ومسحتها برضه.
كنت عارف إن كلمة آسف لوحدها مش هتصلح اللي حصل، لكني ما كنتش عارف أبدأ منين.
في الدور الأول، أمي كانت بتكلم خالتي في التليفون، وصوتها طالع لحد عندي.
ـ أيوه يا سعاد، مرات أحمد مشيت، وخدت الواد معاها! تخيلي، بعد كل اللي عملناه لها، زعلت عشان قولتلها تعمل السبوع!
ما قدرتش أسمع أكتر من كده.
نزلت لها وقلت:
ـ يا أمي، من فضلك ما تحكيش الموضوع للناس بالطريقة دي.
قفلت المكالمة وبصتلي بغضب.
ـ وإنت مالك؟ هتمنعني أتكلم كمان؟
ـ اتكلمي براحتك، بس ما تقوليش إننا عملنا لها كل حاجة، لأن ده مش حقيقي.
أمي قامت من مكانها.
ـ إنت اتجننت يا أحمد؟!
ـ لا، أنا بس مش عايز أظلمها أكتر من كده.
قالت بمرارة:
ـ خلاص، روح وراها، وسيبني أنا. أنا اللي تعبت وربيت، وفي الآخر ملقتش غير الجحود.
طلعت شقتي من غير ما أرد.
كنت لأول مرة مش عارف أواسي أمي إزاي، ولا أبرر لنفسي إزاي اللي حصل.
وفي الليلة دي، نمت لوحدي.
أو بالأصح، حاولت أنام.
كل شوية كنت أصحى على صوت متخيل لبكاء ابني، وأمد إيدي ناحية سريره، وبعدين أفتكر إنه مش موجود.
قرب الفجر، تليفوني رن.
كان رقم حماتي.
ردت بسرعة.
ـ ألو؟ خير يا طنط؟ مريم كويسة؟
صوتها كان هادي، لكنه قلق.
ـ مريم تعبانة يا أحمد، والوجع زاد عليها. أنا هوديها المستشفى عشان نطمن على الجرح.
قلبي وقع.
ـ إزاي؟ حصل لها إيه؟!
ـ هي من ساعة ما وصلت وهي بتحاول تتحرك وتقوم، والنهارده الوجع زاد. مش عايزة أخوفك، بس الأفضل الدكتور يشوفها.
لبست هدومي بسرعة، وخدت مفاتيح العربية، ونزلت من غير ما أقول لأمي أي حاجة.
طول الطريق للمستشفى، كنت بدعي ربنا إنها تكون بخير.
ولما وصلت، لقيت حماتي قاعدة بره غرفة الكشف، والبيبي نايم في عربية الأطفال جنبها.
جريت عليها.
ـ مريم فين؟!
قالت:
ـ جوه مع الدكتور.
بصيت للبيبي، ولقيته بيتحرك ويفتح عينيه الصغيرة.
شيلته بين إيديا لأول مرة من يوم ما رجعنا البيت.
كان خفيف جدًا، ووشه صغير، وإيده بتتحرك في الهوا كأنه بيدور على حاجة يمسك فيها.
قربته من صدري، وفجأة عيط.
اتوترت ومش عارف أعمل إيه.
حماتي قالت:
ـ اسنده كويس يا أحمد، وحاول تهزه بهدوء.
عملت زي ما قالت، لكنه فضل يعيط.
قالتلي:
ـ هو متعود على صوت أمه وحضنها، وممكن يكون جعان أو محتاج يتغير له.
بصيت لها، وحسيت بخجل شديد.
أنا أبوه، لكني ما كنتش أعرف حتى أهدّيه.
سألتها بصوت واطي:
ـ هي كانت بتعمل إيه طول الليل؟
حماتي بصتلي باستغراب.
ـ إيه السؤال ده؟
ـ قصدي… كانت بتنام إمتى؟ كانت بتقدر ترتاح؟
تنهدت وقالت:
ـ يا أحمد، بنتي من ساعة ما ولدت وهي بالكاد بتنام. كل ما ابنها يعيط، تقوم له، ولو نام تفضل تبص عليه وتتأكد إنه بيتنفس. وحتى لما بساعدها في الأكل، كانت تقول لي إنها نفسها ترجع بيتها وتعيش معاك ومع ابنها، وإنها مش عايزة تفضل عندي كتير.
سكتت شوية، وبعدين كملت:
ـ هي بتحبك، وده اللي مصعب عليها كل حاجة. لو كانت مش فارق معاها أمرك، كانت من أول يوم قالت لك مش راجعة. لكنها كانت كل شوية تقول لي: أحمد أكيد مضغوط، أحمد أكيد مش قصده، أحمد هيجي يطمن عليا.
نزلت عيني للأرض.
حماتي كملت:
ـ أنا مش عايزة أخسرك بنتي، ولا عايزة أخرب بيتك. لكني كمان monolayers مش هقدر أشوفها بتتوجع وأسكت، خصوصًا لما تبقى محتاجة كلمة حلوة من جوزها ومش لاقياها.
قبل ما أرد، باب غرفة الكشف اتفتح، وخرج الدكتور.
قمت بسرعة.
ـ خير يا دكتور؟ مراتي كويسة؟
الدكتور قال إن مريم محتاجة راحة ومتابعة، وإنها لازم تتجنب المجهود والحركة الزايدة، وإن أي زيادة في الألم أو ارتفاع في الحرارة أو إفرازات غير طبيعية تستدعي مراجعة طبية فورية. وبعد الكشف، قرر إنها تحتاج تفضل تحت الملاحظة فترة قصيرة للاطمئنان.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
سألته:
ـ يعني حالتها خطيرة؟
رد بهدوء:
ـ مش عايزين نستبق الأحداث، لكن المهم إنها ما ترهقش نفسها، وتلتزم بالتعليمات. التعافي بعد القيصرية بياخد وقت، ومش معنى إن أسبوع عدى إنها بقت جاهزة لكل حاجة.
هزيت راسي وأنا بسمعه، وكل كلمة كان بيقولها بتفكرني بكلام مريم في البيت.
«لو الدكتور قال إن الوقوف والحركة الكتير ممكن يضروا الجرح، هتتحمل المسؤولية لو حصلي حاجة؟»
وقتها اتضايقت من سؤالها.
دلوقتي كنت واقف قدام الدكتور، بتمنى بس إن مراتي تكون بخير.
بعد شوية، سمحوا لي أدخل لها.
كانت نايمة على السرير، وشها مرهق، وعينيها مغمضين.
قربت منها بهدوء.
ـ مريم؟
فتحت عينيها، ولما شافتني، حاولت تقوم.
قلت بسرعة:
ـ لا، لا، خليكي مكانك.
بصتلي باستغراب.
قعدت جنبها، وقلت:
ـ أنا جيت أطمن عليكي.
قالت بهدوء:
ـ شكرًا.
الكلمة كانت بسيطة، لكن طريقتها وجعتني.
كنت متعود إنها تستقبلني بابتسامة، وتسألني أكلت ولا لأ، وتحكي لي تفاصيل يومها حتى لو كانت حاجات صغيرة. دلوقتي كانت بتكلمني كأني واحد من معارفها.
قلت:
ـ أنا آسف يا مريم.
ما ردتش.
كملت:
ـ أنا غلطت لما ضغطت عليكي، وغلطت لما طلبت من أمك ما تجيش، وغلطت لما خليت موضوع السبوع أهم من صحتك.
عينيها لمعت بالدموع، لكنها فضلت ساكتة.
قلت:
ـ أنا مش هطلب منك ترجعي دلوقتي، ولا هقول لك انسي اللي حصل. بس عايزك تعرفي إني فهمت إني قصرت معاكي.
بصتلي أخيرًا وقالت:
ـ إنت فهمت إيه يا أحمد؟
اتلخبطت.
ـ فهمت إني كان لازم أسمعك.
هزت راسها ببطء.
ـ دي بداية، بس مش كل حاجة. أنا مش زعلانة عشان السبوع اتأجل أو عشان أمك قالت لي كلام وحش وبس. أنا زعلانة عشانك كنت عارف إني تعبانة، وشايفني قدامك، وبرضه اخترت تضغط عليا.



